ثانيا: نسخ السنة بالسنة

6 paragraphs · vol. 2, p. 253

  1. اتفق العلماء على جواز نسخ السنة بالسنة إجمالًا، وأما التفصيل ففيه حالتان:

    vol. 2, p. 253
  2. الأولى:
  3. ١ - نسخ المتواتر بالمتواتر، ٢ - نسخ المتواتر بالآحاد، ٣ - ونسخ الآحاد بالمتواتر، ٤ - أضاف الحنفية نسخ المتواتر بالمشهور، فجائز عقلًا، ولكن لم يقع فعلًا حتى نقل بعضهم الإجماع عليه، لعدم وجوده، ولأن التواتر هو في السند، ويكون لاحقًا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعظم السنة آحاد، والمتواتر قليل.

  4. وقال الظاهرية، ورواية عن أحمد والطوفي من الحنابلة، والباجي والقرطبي من المالكية، بوقوع نسخ المتواتر بالآحاد، واحتجوا بأن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة المتواترة؛ لأنه لم يثبت بالقرآن ما يدل عليه، وثبت بالسنة، وتواتر إلى جميع المسلمين، وكان الصحابة يصلون إلى بيت المقدس بالخبر المتواتر، ومن ذلك مسجد ذي القبلتين، فأتاهم رجل، وأخبرهم أن: "القبلة قد تحولت إلى الكعبة" ، فاستداروا وهم في صلاتهم، وقبلوا خبر الواحد لنسخ المتواتر، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يرسل الآحاد لتبليغ الأحكام، وفيها الناسخ والمنسوخ المتواتر.

    وقالوا: إن القرآن ينسخ بالسنة بحديث الأحاد، كما سيأتي، فإذا ثبت نسخ الكتاب بخبر الآحاد، جاز نسخ السنة المتواترة بخبر الآحاد (٢) .

    1. (٢)قال الباجي والقرطبي: وقوع ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا بعده، وأيده الغزالي والقاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني. انظر: الإحكام لابن حزم (٤/ ٤٧٧)، البحر المحيط (٤/ ١٠٩)، شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٦١)، إرشاد الفحول (٢/ ٥٥٤) ط ح = = محققة، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ٩٦٨).
  5. وردّ الجمهور عليهم بأن قصة مسجد ذي القبلتين هي أصلًا من أخبار الآحاد، وعلى فرض ثبوتها، فلعله انضم إليها ما يفيد العلم كقربهم من مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وسماعهم ضجة الناس، وترقبهم تحول القبلة إلى البيت الحرام، وأن إرسال الآحاد للتبليغ، فيجوز فيه خبر الآحاد، وليس فيه دلالة على وقوع نسخ المتواتر بالآحاد، وأن نسخ القرآن بالسنة الآحاد فيه خلاف، ويحمل في الغالب على التخصيص، لا على النسخ.

    vol. 2, p. 254
  6. الحالة الثانية: نسخ خبر الآحاد بخبر الآحاد، وهذا جائز شرعًا، وواقع فعلًا، وسبقت أدلته، كنسخ تحريم زيارة القبور، ونسخ تحريم ادخار لحوم الأضاحي، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في شارب الخمر: "فإن شربها الرابعة فاقتلوه" (١) ، ثم نسخ بحديث آحاد وفيه "أنه حمل إليه من شربها الرابعة فلم يقتله" (٢) ، وله أمثلة أخرى (٣) .

    1. (١)هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد (٢/ ١٩١) عن ابن عمر، ورواه أبو داود عن معاوية وابن عمر وأبي هريرة (٢/ ٤٧٣) ورواه الترمذي والدارمي.
    2. (٢)هذا الحديث رواه أبو داود عن قبيصة، وفي آخره: "ورفع القتل، وكان رخصة" (سنن أبي داود ٢/ ٤٧٤)، وذكره الترمذي بمعناه.
    3. (٣)المراجع السابقة في الصفحة السابقة هامش ٥، وانظر: شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٦٠)، البحر المحيط (٤/ ١٠٨)، إرشاد الفحول (٢/ ٥٥٣) ط محققة، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ٩٦٧)، أصول الأحكام ص ٣٥٥.