خلو العصر عن المجتهدين
8 paragraphs · vol. 2, p. 282
- vol. 2, p. 282
اختلف العلماء في فكرة خلو العصر عن المجتهدين إلى قولين:
القول الأول: لا يجوز خلو زمان من مجتهد يبيِّن للناس ما نُزل إليهم ويبيِّن لهم حكم الشرع في كل ما يقع، وهو قول الحنابلة وبعض الشافعية كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني والزبيدي وابن دقيق العيد والسيوطي وغيرهم.
-
واستدلوا على ذلك بالسنة والمعقول.
-
فمن السنّة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزالُ طائفةٌ من أُمّتي ظاهرين حتى تقوم الساعةُ" .
-
وفي وراية: "لا تزالُ طائفة من أُمّتي ظاهرينَ على الحقِّ لا يَضُرُّهم مَنْ خَذَلَهم حتى يأتي أمرُ اللَّه وهم كذلك" (١) ، وهذا يدل على بقاء نفر من الأمة يظهرون حكم اللَّه تعالى، ويبينون الحق للناس، فإن خلا الزمان ممن يعرفون الحق، ويبصِّرون به غيرهم، لم يتحقق مضمون الحديث.
- (١)هذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن المغيرة رضي اللَّه عنه، ورواه مسلم والترمذي وأبو داود عن ثوبان رضي اللَّه عنه، ورواه مسلم عن سعد رضي اللَّه عنه، ورواه الحاكم وغيره عن عمر ومعاوية رضي اللَّه عنهما.
-
ومن المعقول أنه لو عدم الفقهاء المجتهدون والعلماء المعلمون لم تقم الفرائض كلها، ولو عطلت الفرائض كلها لحقت النقمة بالخلق، كما جاء في الخبر: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق" (٢) .
- (٢)هذا الحديث رواه مسلم (١٣/ ٦٧ رقم ١٩٢٤) وابن ماجه وأحمد (١/ ٣٩٤، ٤٠٥، ٤٥٤) عن عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنهما.
- vol. 2, p. 283
والعياذ باللَّه أن يتأخر الناس والعلماء ليكونوا مع الأشرار، ولذلك قال عدد من العلماء: لن تخلو الأرض من قائم للَّه بالحجّة في كل وقت ودهر وزمان، وإن كان قليلًا في كثير، وقالوا: لو أخلى اللَّه زمانًا من قائم بحجة زال التكليف، إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة، وإذا زال التكليف بطلت الشريعة، ولو عُدِم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها، ولو عُطِّلت الفرائض كلُّها لحلت النقمة بالخلق كما جاء في الخبر السابق، وأن الخلو من مجتهد يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ، وهو مناف للخبر: "لا تجتمع أمتي على الخطأ" ، "أمتي لا تجتمع على الخطأ" (١) .
- (١)هذا الحديث رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما، وأبو داود عن مالك الأشعري، وأحمد عن أبي بصرة الغفاري، قال الحافظ ابن حجر: "هذا حديث مشهور، له طرق كثيرة، لا يخلو واحد منها من مقال".
-
القول الثاني: يجوز خلو العصر من المجتهدين، وهو رأي أكثر العلماء، وجزم به الفخر الرازي، والغزالي من الشافعية وبقية المذاهب.
-
واستدلوا على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّه لا يَقْبضُ العلمَ انتزاعًا، يَنْتَزِعَهُ من العباد، ولكنْ يَقْبضُ العِلْمَ بقبضِ العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخَذَ الناسُ رؤساءَ جهالًا، فسُئِلُوا، فأفتَوْا بغيرِ عِلْم، فضلُّوا وأَضَلُّوا" (٢) ، فهذا يدل على خلو العلماء، وأن الناس كلَّهم جهال، لا مجتهد فيهم.
- (٢)هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه عن عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنه.