أقسام المجتهدين

8 paragraphs · vol. 2, p. 296

  1. تعارف العلماء من السلف في العصور الأولى على إطلاق اسم الفقيه على المجتهد، كما أطلقوا عليه لقب المفتي، وسار الأمر على هذا المنوال في القرون الثلاثة الأولى، ثم بدأ يظهر التمييز بين المجتهد والمفتي والفقيه والعالم، ولكن بقي التداخل بينهم موجودًا، لذلك قسم ابن القيم رحمه اللَّه تعالى المجتهدين أو المفتين إلى أربعة أقسام، يحسن بيانهم للمقارنة بينهم

    vol. 2, p. 297وبين مراتب المجتهدين عند الأصوليين، فقال: "المفتون الذين نَصبُوا أنفسهم للفتوى أربعة أقسام:

    "أحدهم: العالم بكتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة، فهو المجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهادُه تقليدَه لغيره أحيانًا، فلا تجد أحدًا من الأئمة إلا وهو مقلد من هو أعلم منه في بعض الأحكام، وقد قال الشافعي رحمه اللَّه ورضي عنه في موضع من الحج: "قلته تقليدًا لعطاء" .

    vol. 2, p. 296
  2. "فهذا النوع يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ استفتاؤهم، ويتأدى بهم فرض الاجتهاد، وهم الذين قال فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إنَّ اللَّه يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِّ مئةِ سنةٍ مَنْ يجدّدُ لها دينها " (١) ، وهم غرسُ اللَّه الذين لا يزال يغرسهم في دينه، وهم الذين قال فيهم علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه: " لن تخلُو الأرضُ من قائمٍ للَّه بحجته ".

    1. (١)هذا الحديث رواه أبو داود، والحاكم، والبيهقي في "المعرفة" عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه مرفوعًا.
  3. "النوع الثاني: مجتهد مقيد في مذهب من ائتم به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكن من التخريج عليها، وقياس ما لم ينص من ائتم به عليه على منصوصه، من غير أن يكون مقلِّدًا لإمامه، لا في الحكم ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتَّبه وقرَّره، فهو موافق له في مقصده وطريقه معًا، مثل القاضي أبي يعلى من الحنابلة ".

  4. "النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرر به بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها، لكن لا يتعدى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نص إمامه لم يعدل عنه إلى غيره ألبتة، وهذا شأن أكثر المصنفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف ".

  5. "وكثير منهم من يظن أنه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنة والعربية،

    vol. 2, p. 298لكونه مجتزيًا بنصوص إمامه، فهي عنده كنصوص الشارع، وقد اكتفى بها مِن كلفة التعب والمشقة، وقد كفاه الإمام استنباط الأحكام ومؤنة استخراجها من النصوص، وقد يرى إمامه ذكر حكمًا بدليله، فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له ".

  6. "وهذا شأن كثير من أصحاب الوجوه والطرق والكتب المطولة والمختصرة، وهؤلاء لا يدَّعون الاجتهاد، ولا يقرون بالتقليد " (١) .

    1. (١)انتقد ابن القيم رحمه اللَّه تعالى هذا القسم لبلوغهم درجة الاجتهاد، واستنباط الأحكام، وترجيح ما يشهد له النص، ثم يلزمون أنفسهم بمذهب إمام يعتبرونه أعلم من غيره، وأحق بالاتباع من سواه، وأن مذهبه هو الراجح، والصواب دائر معه.
  7. "النوع الرابع: طائفة تفقهت في مذهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرت على أنفسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه، فإن ذكروا الكتاب والسنة يومًا في مسألة، فعلى وجه التبرك والفضيلة، لا على وجه الاحتجاج والعمل، وإذا رأوا أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا وغيرهم من الصحابة رضي اللَّه عنهم قد أفتوا بفتيا، ووجدوا لإمامهم فتيا تخالفهم، أخذوا بفتيا إمامهم، وتركوا فتاوى الصحابة، قائلين: الإمام أعلم بذلك منا، ونحن قلّدناه، فلا نتعداه ولا نخطاه، بل هو أعلم بما ذهب إليه منا ".

  8. "ومن عدا هؤلاء فمتكلف متخلف، قد دنا بنفسه عن رتبة المشتغلين، وقصَّر عن درجة المحصلين، فهو مكذلك مع المكذلكين، وإن ساعد القدر واستقل بالجواب، قال: يجوز شرطه، ويصح شرطه، ويجوز ما لم يمنع منه مانع شرعي، ويرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، ونحو ذلك من الأجوبة التي يستحسنها كل جاهل، ويستحي منها كل فاضل" (٢) .

    1. (٢)أعلام الموقعين (٤/ ٢٧٠) وما بعدها.