رابعا: التلفيق وتتبع الرخص
14 paragraphs · vol. 2, p. 373
- vol. 2, p. 373
نتج عن تقليد المذاهب مسألة التلفيق بينها، وذلك أن يأخذ الشخص في قضية واحدة ذات أركان، أو جزئيات، بقولين أو أكثر، كل قول من مذهب، لينتج حقيقة مركبة لا يقرها أحد الأئمة، أو لا تتفق مع أي مذهب بمفرده، سواء عمل في الواقعة بالقولين معًا، أو عمل بأحدهما مع بقاء أثر الثاني، فكل مذهب يقرر بطلان تلك الحقيقة الملفقة.
-
مثاله: أن يكتفي المصلي في وضوئه بمسح بعض الرأس حسب المذهب الشافعي، ثم يلمس امرأة أجنبية، فيريد أن يقلد أبا حنيفة أو مالكًا بعدم نقض الوضوء باللمس، ثم يريد الصلاة، فهذا الوضوء حينئذ لم يقل به هؤلاء الأئمة، فالشافعي يبطله لنقضه باللمس، وأبو حنيفة يبطله لعدم مسح
vol. 2, p. 374ربع الرأس، ومالك لا يقره لعدم مسح جميع الرأس.
-
ومثاله: أن يتزوج رجل امرأة بلا ولي حسب رأي الحنفية، وبلا شهود حسب رأي المالكية.
-
ومثاله: أن يطلق شخص زوجته ثلاثًا، ثم تتزوج بابن تسع سنين بقصد التحليل حسب رأي الشافعية، ثم يصيبها الصبي، ثم يطلقها مع عدم العدة حسب الرأي الإمام أحمد وذلك لتحل لزوجها الأول.
-
فهذا التلفيق ممنوع؛ لأنه أشبه باللعب، ويناقض اتفاق العلماء بمنع إحداث قول ثالث إذا افترق العلماء على قولين، وهذا فرع أيضًا عن نظرية التقليد.
-
أما التلفيق بأخذ رأي مذهب مثلًا في الوضوء، ثم الأخذ برأي مذهب آخر في وضوء آخر، فلا مانع، أو الأخذ برأي مذهب آخر في جزئية في الوضوء لكنها لا تتنافى مع المذهب الأول، كمن توضأ كاملًا مع السنن حسب المذهب الشافعي ومسح جميع رأسه، ودلك الأعضاء، ثم لمس امرأة أجنبية، فيجوز له أن يصلي بذلك الوضوء باعتبار أنه لم ينقض حسب المذهب الحنفي والمالكي، وهذا فرع عن المسألة الثانية في جواز مخالفة الشخص لمذهبه.
-
لكن يشترط في التلفيق الجائز، أو تقليد مذهب آخر في نفس المسألة، شرطان:
١ - ألا يؤدي ذلك للتهرب من الأحكام.
-
٢ - ألا يؤدي ذلك لتتبع الرخص.
-
فالشرط الأول: كمن يلفق في الأخذ في مسألة من مذهبين للتهرب من الزكاة مثلًا، أو لتحليل الحرام.
-
والشرط الثاني: يؤدي إلى إسقاط التكاليف في كل مسألة مختلف فيها، ويدل على قلة الورع في الدِّين، وعدم الهمة لأداء الأعمال لاكتساب الأجر والثواب.
-
وإن تتبع الرخص: يعني أن يأخذ الشخص من كل مذهب ما هو أهون عليه، وأيسر مما يطرأ من المسائل.
-
واختلف العلماء في حكم تتبع الرخص، فقال المالكية والحنابلة في
vol. 2, p. 375الأصح والغزالي والسبكي والشاطبي وغيرهم: يمتنع تتبع الرخص في المذاهب؛ لأنه اتباع لأهواء النفس، وميل للهوى، وقال ابن عبد البر وابن حزم: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط التكاليف، وقال الحنفية في الراجح، وأكثر أصحاب الشافعي وبعض المالكية كالقرافي: يجوز تتبع رخص المذاهب؛ لعدم وجود مانع في الشرع، وأنه سلوك للأخف، لكن القرافي قيّد ذلك بألا يترتب عليه باطل عند جميع من قلدهم، وقيد غيره ذلك بألا يكون الشخص قد باشر التصرف وفق القول الأول.
وقال بعض العلماء بفسق من تتبع الرخص، وقال آخرون: لا يفسق.
-
وحكى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد (الخليفة) فرفع إليَّ كتابًا لأنظر فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق .. ، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بحرق ذلك الكتاب (١) .
- (١)روضة الطالبين (١١/ ١٠٨)، المسودة ص ٢١٨، مختصر البعلي ص ١٦٨، أعلام الموقعين (٤/ ٢٨٣)، المستصفى (٢/ ٣٩١)، الموافقات (٤/ ٩٣، ٩٦)، إرشاد الفحول ص ٢٧٢، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٩٥، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ١١٥٢)، أصول الأحكام ص ٣٨٢، جمع الجوامع والبناني عليه (٢/ ٤٠٠)، الموافقات (٤/ ١٣١)، وما بعدها، تيسير التحرير (٤/ ٢٥٤)، فواتح الرحموت (٢/ ٤٠٦)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٥٧٧)، البحر المحيط (٦/ ٣٢٥).
-
والراجح أنه لا مانع من الأخذ بالرخص من المذاهب عند الحاجة للفرد، أو للجماعة في التشريع وعند وضع الأنظمة من اللجان المختصة، أما التزام ذلك وتتبعه للفرد فإنّه يدل على رقة الدِّين، وضعف اليقين، وقلة الورع، ويخشى على صاحبه من التفلت والتهرب من أحكام الشرع وتكاليفه، وخاصة في حقوق العباد والمعاملات والمحظورات.