الفرع الأول في تقسيم السنة من حيث السند، وحجية كل قسم
15 paragraphs · vol. 1, p. 205
- vol. 1, p. 205
إن السنة حجة على الصحابة الذين سمعوها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أما بالنسبة لمن بعدهم، فلا تعتبر كذلك إلا إذا ثبتت صحتها بالطريق المقبول، وهو ما يعرف عند علماء الحديث بالسند (١) الذي اهتم به جهابذة العلماء، وأولوه الرعاية التامة، والدقة المتناهية، فمحَّصوا فيه الصحيح من السقيم، والثابت من الدخيل.
- (١)مصادر التشريع الإِسلامي، الدكتور محمَّد أديب صالح: ص ٩٥.
-
وانقسم العلماء في تقسيم الأحاديث الصحيحة من حيث السند إلى فريقين:
الفريق الأول: وهم الذين قسموا السنة من حيث السند إلى قسمين: متواتر وآحاد، وهم علماء الحديث وجمهور علماء الأصول (٢) .
- (٢)الإحكام، الآمدي: ٢ ص ١٤، الإحكام، ابن حزم: ١ ص ٩٤.
-
الفريق الثاني: وهم الذين قسموا السنة إلى ثلاثة أقسام، وهي المتواتر والمشهور والآحاد، وهم علماء الحنفية، فزادوا الحديث المشهور.
- vol. 1, p. 206
ونتناول تعريف كل قسم وشروطه باختصار لنبين حكمه وحجيته في ثبوت الأحكام.
- أولًا: الحديث المتواتر:
-
التواتر لغة: التتابع، ومنه تواتر القوم إذا جاء الواحد بعد الواحد بفترة بينهما، والمتواتر المتتابع (١) .
- (١)القاموس المحيط: ٢ ص ١٥٢، المصباح المنير: ٢ ص ٨٩٠.
-
وفي الاصطلاح: هو ما رواه جمع عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب (٢) ، أي: ينقله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عدد كبير من الصحابة، ثم ينقله عنهم عدد من التابعين (٣) ، وهكذا حتى يصل إلى العلماء الذين قاموا بتدوين السنة وتسجيلها في القرنين الثاني والثالث الهجريين.
- (٢)يعرف بعض العلماء الخبر المتواتر بأنه خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بمخبره، انظر إرشاد الفحول: ص ٤٦، الإحكام، الآمدي: ٢ ص ١٤، كشف الأسرار: ٢ ص ٦٨٠، أصول الفقه، أبو النور: ٣ ص ١٢٣.
- (٣)اختلف العلماء في العدد المطلوب في التواتر فحدده بعضهم بثلاثة أو بعشرة، وحدده آخرون بالمئات، وقال الشوكاني وغيره: ولا يعتد بعدد معين، بل ضابطه حصول العلم الضروري، انظر: إرشاد الفحول: ص ٤٧، الإحكام، الآمدي: ٢ ص ٢٥، المستصفى: ١ ص ١٣٤، ١٣٩، كشف الأسرار، البزدوي: ٢ ص ٢٨١.
-
ويكثر هذا القسم في السنة الفعلية، ويقل في السنة القولية، وأفرده العلماء بالجمع والتصنيف مثل كتاب: "الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة" لجلال الدين السيوطي، ومثال ذلك حديث: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٤) ، والأحاديث في كيفية أداء الصلاة والصوم والحج والأذان؛ مما نقله جماهير الصحابة عن رسول الله إلى من بعدهم.
- (٤)رواه أصحاب الكتب السبعة وغيرها من كتب الحديث.
- vol. 1, p. 207
والسنة المتواترة حجة كاملة باتفاق العلماء، وينطبق عليها ما قلناه تمامًا في حجية السنة، وتفيد العلم اليقيني القطعي في صحتها وثبوتها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متى توافرت شروط التواتر، ويكفر جاحد الحديث المتواتر، والاحتجاج به في قوة الاحتجاج بالقرآن الكريم، وهما بمرتبة واحدة في الثبوت، ولذا فإن الحديث المتواتر يخصص العام في القرآن الكريم، ويقيد المطلق، ويبين المشترك، وينسخ القرآن الكريم عند الجمهور (١) ، وغير ذلك كما سنرى فيما بعد (٢) .
- (١)انظر كشف الأسرار: ٢ ص ٢٨٢. نهاية السول: ٢ ص ٢٦٢، المستصفى: ١ ص ١٣٢، الإحكام، الآمدي: ٢ ص ١٥، اللمع، للشيرازي: ص ٤٢، الإحكام، ابن حزم: ١ ص ٩٥، إرشاد الفحول: ص ٤٧، أصول الفقه، أبو النور: ٣ ص ١٢٩، ١٣٠، الوسيط في أصول الفقه الإِسلامي، للدكتور وهبة الزحيلي: ص ٢٤٣.
- (٢)المطلب الثالث في مكانة السنة: ص ٢١٧.
-
ثانيًا: الحديث المشهور: وهو ما رواه عن رسول الله صحابي أو اثنان أو جمع لم يبلغ حد التواتر، ثم رواه عن هؤلاء جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، ورواه عنهم جمع مثله، أي: إن الحديث المشهور كان آحاديًّا في الطبقة الأولى من رواته، ثم تواتر في الطبقة الثانية والثالثة (٣) .
- (٣)إرشاد الفحول: ص ٤٩، كشف الأسرار: ٢ ص ٦٨٨.
-
مثاله: ما رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات .. الحديث" (٤) ثم رواه عن عمر عدد كبير من الصحابة والتابعين الذين يبلغون حد التواتر، ومثله ما رواه أبو بكر أو علي أو ابن مسعود أو غيرهم من الصحابة، ثم اشتهر بعد ذلك، ولا عبرة لاشتهاره بعد القرن الثاني والقرن الثالث؛ لأن تدوين السنة قد اكتمل، واشتهرت جميع الأحاديث وأخبار الآحاد.
- (٤)رواه البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب المعتمدة.
- vol. 1, p. 208
والفرق بين الحديث المشهور والحديث المتواتر في عدد الطبقة الأولى من الرواة، فهو في المتواتر جمع من جموع التواتر، وفي المشهور واحد أو اثنان أو جمع لم يبلغ حد التواتر.
-
ويترتب على هذا الفرق اختلاف بين الفقهاء وعلماء الأصول في الأحكام، فالجمهور يعتبر الحديث المشهور في حكم حديث الآحاد، ويأخذ أحكامه، أما الحنفية فيرون الحديث المشهور له مرتبة مستقلة بين الحديث المتواتر وخبر الآحاد، وأنه يشترك مع المتواتر في تخصيص عام القرآن، والزيادة عليه، وأنه يقيد مطلقه، ويفيد الطمأنينة والظن القريب من اليقين، ويفسق جاحده ولا يكفر؛ لأنه مقطوع بوروده عن الصحابي، ولا يقطع بوروده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (١) ، وهذا القسم غير مجموع بمفرده، وغير متفق على عدده.
- (١)ذهب أبو بكر الجصاص الحنفي إلى أن المشهور كالمتواتر تمامًا، وذهب عيسى بن أبان إلى أنه يوجب علم طمأنينة لا علم يقين، وهو ما اختاره متأخرو الحنفية، انظر كشف الأسرار: ٢ ص ٢٨٨، وذهب عيسى بن أبان إلى اشتراط عدم مخالفته للقياس، وتابعه بقية الحنفية، وهو خلاف ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، انظر: أصول الفقه الإِسلامي، شعبان: ص ٧.
-
ثالثًا: حديث الآحاد: وهو ما رواه عن رسول الله شخص أو اثنان أو عدد لم يبلغ حد التواتر، ثم رواه عن هؤلاء مثلهم وهكذا حتى وصل الحديث إلى عصر التدوين فاشتهر، ويمثل هذا القسم الغالبية العظمى من السنة، ويسمى خبر الآحاد.
-
وخبر الآحاد يفيد غالبية الظن من حيث وروده عن رسول الله متى توافرت فيه شروط الراوي التي وضعها علماء الحديث كالثقة والعدالة والضبط، وغير ذلك، ولكنه يجب العمل به مع الشك في ثبوته، وهو ما سنفرده بالبحث.