حجية الاستحسان

4 paragraphs · vol. 1, p. 249

  1. اختلف الأئمة في حجية الاستحسان واعتباره مصدرًا من مصادر التشريع على قولين:

    القول الأول: أنه حجة شرعية ومصدر من مصادر التشريع، ذهب إلى ذلك الحنفية، وينسب إلى الحنابلة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [الزمر: ٥٥] وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: ١٨] فالآيتان تبينان أن المؤمن يتبع الأحسن، أي: يتبع ما يستحسنه، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" أي: ما يستحسنه المسلمون فهو حسن ومقبول عند الله تعالى" (٢) .

    1. (٢)المستصفى ١ ص ٢٧٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٦، أصول السرخسي ٢ ص ٢٠٤، التوضيح ٢ ص ٢، المسودة ص ٤٥٣، الإحكام، الآمدي ٤ ص ١٣٦، ١٣٩، وسبق تخريج الحديث في الإجماع.
    vol. 1, p. 249
  2. القول الثاني: أن الاستحسان ليس حجة شرعية ولا مصدرًا ولا دليلًا

    vol. 1, p. 250من أدلة الشرع، وأن استنباط الأحكام بالاستحسان هوى وتلذذ وتعسف، وأنه من استحسن فقد شرع من عند نفسه (١) ، وعرفه الغزالي فقال: هو ما يستحسنه المجتهد بعقله (٢) ، وهو مذهب الشافعية والمالكية (٣) ، وضرب الشافعي مثلًا لذلك كمن يتجه في الصلاة إلى جهة يستحسن أنها الكعبة، بغير دليل.

    1. (١)اشتهرت هذه العبارة عن الإمام الشافعي وكررها الناس عنه، ولم تثبت في كتبه، لكن قال في "الأم": "من قال بالاستحسان فقد قال قولًا عظيمًا ووضع نفسه في رأيه واستحسانه على غير كتاب ولا سنة فوضعها في أن يتبع رأيه" (العطار على جمع الجوامع ٢/ ٣٦٥).
    2. (٢)المستصفى: ١ ص ٢٧٤.
    3. (٣)الرسالة: ص ٢٥، ٥٠٥، ٥١٧، جمع الجوامع: ٢ ص ٣٩٤، الحدود في الأصول، الباجي: ص ٦٥، تنقيح الفصول: ص ١٤٨، الإحكام، لابن حزم: ٢ ص ٧٥٧، أثر الأدلة المختلف فيها: ص ١٣٠، بينما نقل الإِمام مالك أنه قال: "تسعة أعشار العلم الاستحسان، الموافقات: ٤/ ١٣٧.
  3. يقول الشافعي رحمه الله: فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سابق (٤) ، أي من الكتاب والسنة، واستدل الشافعي على ذلك بأن الاستحسان إن كان مع وجود نص فهو معارض للنص، وإن لم يكن نص في المسألة فهو تعطيل للقياس، وكذا الأمرين غير جائز، فالحكم الشرعي يكون بنص أو إجماع أو اجتهاد، والاجتهاد هو القياس، وإذا تعطل القياس جاز لأهل العقول أن يشرعوا من عندهم بما تستحسنه عقولهم، قال الشافعي: ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعده الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وصفت من القياس عليها (٥) ، وأن إجماع الأمة أنه

    vol. 1, p. 251ليس للعالم أن يحكم بهواه وشهوته من غير نظر في دلالة الأدلة، وأن الله تعالى خاطب نبيه فقال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: ٤٩] .

    1. (٤)الرسالة: ص ٢٥.
    2. (٥)الرسالة: ص ٥٠٨، الأم: ٧ ص ٢٧١، المستصفى: ١ ص ٢٧٥، جمع الجوامع: ٢ ص ٣٩٥، وقد كتب الإمام الشافعي كتابًا سماه إبطال الاستحسان مع كتابه الأم.
  4. والواقع أن الحنفية نظروا إلى الاستحسان من وجهة نظر معينة تختلف عن وجهة نظر الشافعية، وأن اختلافهم في تحديد معناه أدى إلى اختلافهم في حجيته، وأن الشافعية والمالكية، لا ينكرون وجهة نظر الحنفية في مراعاة القياس القوي وتقديمه عند تحقق المصلحة، ويؤيدون ترجيح قياس على قياس لعلة أو سبب، وكذلك الحنفية يوافقون الشافعية في إنكار الاستحسان الموسوم بالتشهي وإعمال العقل والتحكّم والهوى في الأحكام الشرعية، ولو نظر كل طرف في المعنى الذي حدده الآخر لوافقه عليه، فالاختلاف بينهم هو اختلاف لفظي كما يقول علماء الأصول، وأنهم متفقون على استعمال لفظه وحقيقته في الأحكام العملية في مسائل كثيرة (١) ، من ذلك استحسان المصلحة، والاستصناع للمصلحة، وأقر المالكية الاستصلاح، وهو مصلحة (٢) .

    1. (١)يطلق الحنفية قاعدة الاستحسان السابقة على النصوص الشرعية في الكتاب والسنة وعلى الإجماع فإذا ورد حكم شرعي خاص مستثنى من القاعدة العامة أو الأصل فإنهم يسمونه استحسان النص، أي استحسان المشرع، وإذا أجمع المسلمون على حكم خاص، يخالف قاعدة عامة، سموا الاجماع استحسانًا، والحقيقة أن هذا الإطلاق توسع في الاستحسان، وأنه محاولة لزيادة الاستدلال على حجية الاستحسان وأنه وارد في النصوص والإجماع، ولكن لا يصح أن يطلق عليه هذا الاصطلاح، لأنه اصطلاح متأخر، له مدلول خاص، علمًا بأن استحسان النص أو الإجماع أو الضرورة متفق عليه، وإنما الخلاف في استحسان الرأي أي في القياس الخفي فقط، انظر: كشف الأسرار: ٤ ص ١٢٥، تسهيل الوصول: ص ٢٣٤، المدخل الفقهي العام: ١ ص ٥٧، الإحكام، الآمدي: ٤ ص ١٣٦، التلويح: ٣ ص ٢، أصول السرخسي: ٢ ص ٢٠٢.
    2. (٢)قال الشيرازي بعد تحرير الخلاف: "فيسقط الخلاف في المسألة" اللمع ص ٣٣٤ ط = = محققة، وانظر: حاشية السعد على العضد ٢/ ٢٨٩، المستصفى ١/ ١٣٩، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ٣٥٣.