القسم الثالث في وقت البيان
22 paragraphs · vol. 3, p. 187
- vol. 3, p. 187
في وقت البيان وفيه مسائل المسألة الأولى القائلون بأنه لا يجوز تكليف ما لا يطاق اتفقوا على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة لأن التكليف به مع عدم الطريق إلى العلم به تكليف بمالا يطاق والإشكالات التي ذكرناها في أن تكليف الساهي غير جائز قائمة ها هنا والجواب واحد المسألة الثانية اختلفوا في جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب الخطاب المحتاج إلى البيان ضربان
vol. 3, p. 188أحدهما ما له ظاهر قد استعمل في خلافه والثاني لاظاهر له كالأسماء المتواطئة والمشتركة والأول أقسام أحدها تأخير بيان التخصيص وثانيها تأخير بيان النسخ وثالثها تأخير بيان الأسماء الشرعية ورابعها تأخير بيان اسم النكرة إذ أراد به شيئا معينا إذا عرفت ذلك فنقول مذهبنا أنه يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة في كل هذه الأقسام
-
وأما المعتزلة فأكثر من تقدم أبا الحسين رحمه الله اتفقوا على المنع من تأخير البيان في كل هذه الأقسام إلا في النسخ فإنهم جوزوا تأخير بيانه وأما أبو الحسين فإنه منع من تأخير البيان فيما له ظاهر قد استعمل في خلافه وزعم أن البيان الإجمالي كاف فيه وهو أن يقول عند الخطاب اعلموا أن هذا العموم مخصوص وأن هذا الحكم سينسخ بعد ذلك وأما البيان التفصيلي فإنه يجوز تأخيره وأما الذي لا يكون له ظاهر مثل الألفاظ المتواطئة والمشتركة فقد جوز فيه تأخير البيان إلى وقت الحاجة
vol. 3, p. 189وهذا التفصيل ذكره كثير من فقهاء أصحابنا كأبي بكر القفال وأبي اسحاق المروزي وأبي بكر الدقاق واعلم أن الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين أحدهما أن يستدل في الجملة على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب وثانيهما أن يستدل على جواز ذلك في كل واحدة من الصور المذكورة أما المقام الآول فالدليل عليه قوله تعالى إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه وثم في اللغة للتراخي وهو المطلوب فإن قيل لا نسلم أن كلمة ثم للتراخي فقط بل قد تجئ بمعنى الواو كقوله تعالى ثم آتينا موسى الكتاب ثم كان من الذين
-
آمنوا ثم الله شهيد سلمنا ذلك لكن لا نسلم أن المراد بالبيان في هذه الآية البيان الذي
vol. 3, p. 190اختلفنا فيه وهو بيان المجمل والعموم فلم لا يجوز أن يكون المراد به إظهاره بالتنزيل غاية ما في الباب أن يقال هذا مخالفة الظاهر لكن نقول يلزم من حفظ هذا الظاهر مخالفة ظاهر آخر وهو أن الضمير الذي في قوله ثم إن علينا بيانه راجع إلى جميع المذكور وهو القرآن ومعلوم أن جميعه لا يحتاج إلى البيان فليس حفظ أحد الظاهرين بأولى من الآخر وعليكم الترجيح سلمنا أن المراد من البيان ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون المراد به تأخير البيان التفصيلي وذلك عند أبي الحسين جائز سلمنا أن المراد مطلق البيان لكن لم لا يجوز أن يكون المراد من قوله تعالى إن علينا جمعه وقرآنه هو أن يجمعه في اللوح المحفوظ ثم إنه بعد ذلك ينزله على الرسول ص ويبينه له وذلك متراخ عن الجمع سلمنا أن البيان مذكرتموه غير لكن الآية تدل على وجوب تأخير البيان وذلك ما لم يقل به أحد فما دلت عليه الآية لا تقولون به وما تقولون به
vol. 3, p. 191وهو الجواز لم تدل الآية عليه فبطل الاستدلال والجواب أما أن كلمة ثم للتراخي فذلك متواتر عند أهل اللغة والآيات التي تلوتموها المراد هناك التأخير في الحكم
-
قوله لم لا يجوز أن يكون المراد من البيان إظهاره بالتنزيل قلنا لأن قوله فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أمر للنبي ص باتباع قرآنه وإنما يكون مأمورا بذلك بعد نزوله عليه فإنه قبل ذلك لا يكون عالما به فكيف يمكنه اتباع قرآنه فثبت أن المراد من قوله فإذا قرأناه هو الإنزال ثم إنه تعالى حكم بتأخير البيان عن ذلك وذلك يقتضي تأخير البيان عن وقت الإنزال وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون المراد من البيان هو الإنزال لاستحالة كون الشئ سابق على نفسه سلمنا أنه يمكن ما ذكروه ولكنه خلاف الظاهر قوله يلزم من مخالفة المحافظة على هذا الظاهر احتياج القرآن جميعه إلى البيان
vol. 3, p. 192قلنا لا نسلم فإن لفظ القرآن يتناول كله وبعضه بدليل أنه لو حلف أن لا يقرأ القرآن ولا يمسه فقرأ آية أو لمس آية فإنه يحنث في يمينه سلمنا أن لفظ القرآن ليس حقيقة في البعض لكن إطلاق اسم الكل على البعض أسهل من إطلاق لفظ البيان على التنزيل لأن الكل مستلزم للجزء والبيان غير مستلزم للتنزيل قوله نحمله على البيان التفصيلي قلنا اللفظ مطلق فتقييده خلاف الظاهر قوله لم لا يجوزأن يكون المراد من الجمع جمعه في اللوح المحفوظ
-
قلنا لما بينا أنه تعالى أخر البيان عن القراءة التي يجب على النبي عليه الصلاة والسلام متابعتها وذلك يستدعي تأخير البيان عن وقت الإنزال قوله هذا يقتضي وجوب تأخير البيان قلنا ونحن نقول به فإن قلت الضمير عائد إلى كل القرآن فيجب تأخير بيان الكل وذلك لم يقل به أحد
vol. 3, p. 193قلت قد تقدم بيان أن الضمير غير عائد إلى الكل والله أعلم أما الذي يدل على كل واحدة من الصور التي ذكرناها فنقول الدليل على أنه يجوز تأخير البيان في النكرة أن الله تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرة موصوفة غير منكرة ثم أنه لم يبينها لهم حتى سألوا سؤالا بعد سؤال إنما قلنا إنه لم يرد بقرة منكرة لوجهين الأول أن قوله تعالى ادع لنا ربك يبين لنا ما هي وما لونها وقول الله تعالى إنها بقرة لا فارض ولا بكر إنها بقرة صفراء إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ينصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة منكرة بذبح بقرة معينة الثاني أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني إما ان يقال إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أو لا أو صفات بقرة وجبت عليهم
-
عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجبا عليهم قبل ذلك والأول هو المطلوب والثاني يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخرا وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك ولما
vol. 3, p. 194أجمع المسلمون على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم فإن قيل لا يجوز التمسك بهذه الآية لأن الوقت الذي أمروا فيه بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها فلو أخر الله البيان لكان ذلك تأخيرا للبيان عن وقت الحاجة وأنه لا يجوز فإذن ما تقتضيه الآية لا تقولون به وما تقولون به لا تقتضيه الآية نزلنا عن هذا المقام لكن لا نسم أن المأمور به كان ذبح بقرة موصوفة بل ذبح بقرة كيف كانت فلما سألوا تغيرت المصلحة ووجبت عليهم بقرة أخرى وأما الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة ولم لا يجوز أن يقال إنها كنايات عن القصة والشأن وهذه طريقة مشهورة عند العرب سلمنا أن هذه الكنايات تقتضي كون البقرة المأمور بها موصوفة لكن ها هنا ما يدل على كونها منكرة وهو من ثلاثة أوجه الأول أن قوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة أمر بذبح بقرة مطلقة وذلك يقتضي سقوط التكليف بذبح بقرة أي بقرة كانت وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفا جديدا
vol. 3, p. 195الثاني
-
لو كان المراد ذبح بقرة معينة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان بل كانوا يستحقون المدح عليه فلما عنفهم اللتعالى في قوله فذبحوها وما كادوا يفعلون علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولا وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولا ذبح بقرة منكرة الثالث ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت عنهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم
vol. 3, p. 196سلمنا أن المأمور به ذبح بقر معينة موصوفة لكن لم لا يجوز أن يقال البيان التام قد تقدم لكنهم لم يتبينوا لبلادتهم فاستكشفوا طلبا للزيادة فحكى الله تعالى ذلك سلمنا أن البيان التام لم يتقدم فلم لا يجوز أن يقال إن موسى عليه السلام كان قد أعلمهم بأن البقرة ليست مطلقة بل معينة فطلبوا البيان التفصيلي فالحاصل أن البيان الإجمالي كان مقارنا والبيان التفصيلي كان متأخرا وهو جائز عند أبي الحسين رحمه الله والجواب قوله الآية تقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة قلنا لا نسلم لأن ذلك إنما يلزم لو كان الأمر مقتضيا للفور لكنا لا نقول به قوله الكنايات عائدة إلى القصة والشأن قلنا هذا باطل لوجوه
vol. 3, p. 197أحدها أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن لكان الذي يبقى بعد ذلك غير مقيد لأنه لا فائدة في قوله بقرة صفراء بل لا بد من إضمار شئ آخر وذلك خلاف الأصل أما إذا جعلنا الكنايات الذي عائد إلى المأمور به أولا لم يلزم هذا المحذور وثانيها أن الحكم برجوع الكنايات إلى القصة والشأن خلاف الأصل لأن الكناية يجب عودها إلى شئ جرى ذكره والقصة والشأن لم يجر ذكرهما فلا يجوز عود الكناية إليهما لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة في بعض المواضع فيبقى فيما عداه على الأصل وثالثها أن الضمير في قوله تعالى ما لونها وماهي لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها فوجب أن يكون الضمير في قوله إنها بقرة صفراء عائدا إلى تلك البقرة وإلا لم يكن الجواب مطابقا للسؤال قوله إن قوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة أمر بذبح بقرة مطلقة
vol. 3, p. 198قلنا هب أن ظاهره يفيد الإطلاق ونحن نسلمه لكنا نقول المراد كاغير الظاهر مع أنه تعالى ما بينه فما قلتموه لا يضرنا قوله لو كان ذلك لطلب البيان لما استحقوا التعنيف بقوله وما كادوا يفعلون
-
قلنا إن قوله تعالى وما كادوا يفعلون ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة أو أنهم كادوا يفرطون بعد استكمال البيان بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على الأخير وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان توقفوا عند ذلك وما كادوا يفعلون قوله نقل عن ابن عباس أنه قال شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم قلنا هذا من أخبار الآحاد ومع تقدير الصحة فلا يصلح معارضا لنص الكتاب قوله لم لا يجوز أن يقال كان البيان حاصلا لكنهم لم يتبينوا قلنا لوجهين الآول أنهم كانوا يلتمسون البيان ولكان البيان حاصلا لما التمسوه بل كانوا يطلبون التفهيم
vol. 3, p. 199الثاني أن فقد التبيين عن حضور هذا البيان متعذر ها هنا لأن ذلك البيان ليس إلا وصف تلك البقر والعاقل العارف باللغة إذا سمع تلك الأوصاف استحال أن لا يعرفها قوله كانوا يطلبون البيان التفصيلي قلنا لو كان كذلك لذكره الله تعالى أزالة للتهمة أما الدليل على جواز تأخير بيان المخصص فالنقل أما النقل
-
فهو أن الله تعالى لما أنزل قوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قال ابن الزبعري قد عبدت الملائكة وعبد المسيح فهؤلاء حصب جهنم فتأخر بيان ذلك حتى أنزل الله تعالى قوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى فإن قيل لا نسلم أن قوله تعالى وما تعبدون من دون الله يندرج فيه الملائكة والمسيح وبيانه من وجهين الأول
vol. 3, p. 200أن كلمة ما لما لا يعقل فلا يدخلها المسيح والملائكة الثاني أن قوله تعالى إنكم وما تعبدون خطاب مع العرب وهم ما كانوا يعبدون المسيح والملائكة بل كانوا يعبدون الأوثان سلمنا ذلك لكن تخصيص العام بدليل العقل جائز وها هنادل العقل على خروج الملائكة والمسيح فإنه لا يجوز تعذيب المسيح بجرم الغير وهذا الدليل كان حاضرا في عقولهم ثم نقول المسألة علمية وهذا خبر واحد فلا يجوز إثباتها به سلمنا صحة الرواية لكن الرسول عليه السلام إنما سكت انتظارا لنزول الوحي عليه في تأكيد البيان العقلي واللفظي والجواب لا نسلم أن صيغة ما مختصة بغير العقلاء والدليل عليه وجوه أحدها
-
قوله تعالى وما خلق الذكر والأنثى والسماء وما بناها ولا أنتم عابدون ما أعبد
vol. 3, p. 201وثانيها اتفاق أهل اللغة على ورود ما بمعنى الذي وكلمة الذي متناولة للعقلاء فكلمة ما أيضا كذلك وثالثها أن ابن الزبعري كان من الفصحاء فلولا أن كلمة ما تتناول المسيح والملائكة وإلا لما أورده نقضا على الآية ورابعها أن الرسول ص لم يرد عليه ذلك بل سكت وتوقف إلى نزول الوحي ولو كان ذلك خطأ في اللغة لما سكت الرسول ص عن تخطئته وخامسها أنه يقال ما في ملكي فهو صدقة وما في بطن جاريتي فهو حر وهو يتناول الإنسان وسادسها اأنها لو كانت مختصة بغير من يعلم لما كان لقوله تعالى من دون الله فائدة لأنه إنما يحتاج إلى الاحتراز حيث يصلح الاندراج قوله الخطاب كان مع العرب وهم ما كانوا يعبدون الملائكة والمسيح
vol. 3, p. 202قلنا الرواية المشهورة أنه قد كان من العرب من يعبد الملائكة
-
والمسيح وقد ذكر الواحدي وغيره ذلك في سبب نزول هذه الآية ولأن هذه الآية لو كانت خطابا مع عبدة الأوثان فقط لما جاز توقف النبي ص عن تخطئة السائل قوله كل أحد يعلم أن تعذيب الرجل بجرم الغير لا يجوز قلت نعم لكن ألا يصح دخول الشبهة في أأولئك المعبودين كانوا راضين بذلك أم لا وعند ذلك يصح السؤال قوله هذه الرواية من باب الآحاد قلنا لا نسلم فإن المفسرين اتفقوا على ذكرها في سبب نزول هذه الآية وذلك يدل على الإجماع سلمنا أنه من الآحاد لكنا بينا أن التمسك بالأدلة اللفظية أينما كان لا يفيد إلا الظن ورواية الآحاد صالحة لذلك والله أعلم وأما المعقول فمن وجهين
vol. 3, p. 203أحدهما وهو أن نقول لأبي علي وأبي هاشم لو لم يجز تأخير بيان التخصيص في الأعيان لما جاز تأخير بيان التخصيص في الأزمان لكن جاز هذا فجاز ذلك بيان الملازمة أنه لو لم يجز تأخير بيان المخصص في الأعيان لكان ذلك لأن تأخيره يوهم العموم وهو جهل وهذا المعنى قائم في تأخير المخصص في الآزمان فعدم الجواز هناك يقتضي عدم الجواز ها هنا فإن قيل الفرق من وجهين الأول
-
أن الخطاب المطلق معلوم أن حكمه مرتفع لعلمنا بانقطاع سبب التكليف وليس كذلك المخصوص وثانيهما أن احتمال النسخ في المستقبل لا يمنع المكلف في الحال من العمل أما أن احتمال التخصيص في الحال يمنعه من العمل لأنه لا يدرى أنه هل هو مندرج تحت الخطاب أم لا والجواب عن الأول
vol. 3, p. 204أن الله تعالى لو قال لنا صلوكل يوم جمعة لاقتضى ظاهره الدوام فإذا خرج منه ما بعد الموت للدلالة بقي الباقي على ظاهره فإن جاز أن يكون حكم الخطاب مرتفعا مع الحياة والتمكن ولا يدل البتة على ذلك وإن كان ظاهر الخطاب يتناوله جاز مثله في العموم وعن الثاني أن الفرق الذي ذكرتموه إنما يظهر لو أخر الله تعالى البيان عن وقت الحاجة أما إذا أخره عن وقت الخطاب لا عن وقت الحاجة لم يجب على المكلف الاستغال لأن بالفعفلا حاجة في ذلك الوقت إلى تمييز المكلف به غن غيره كما لا حاجة هناك إلى تمييز وقت التكليف عن غيره الدليل الثاني أجمعنا على أنه يجوز أن يأمر الله تعالى المكلفين بالأفعال مع أن كل واحد منهم يجوز أن يموت قبل وقت الفعل فلا يكون مرادا بالخطاب وفي ذلك تشكيك فيمن أريد بالخطاب وهذا هو تخصيص ولم يتقدم بيانه
vol. 3, p. 205واحتج أبو الحسين رحمه الله على المنع من تأخير بيان ماله ظاهر اذا استعمل في غيره بوجهين الأول أن العموم خطاب لنا في الحال بالإجماع والمخاطب إما أن لا يقصد إفهامنا في الحال أو يقصد ذلك والأول باطل لوجوه أحدها إنه إن لم يقصد إفهامنا انتقض كونه مخاطبا لأن المعقول من قولنا إنه مخاطب لنا أنه قد وجه الخطاب نحونا ولا معنى لذلك إلا أنه قصد إفهامنا وثانيها أنه لو لم يقصد إفهامنا في الحال مع أن ظاهره يقتضي كونه خطابا لنا في الحال لكان قد أغرانا بأن نعتقد أنه قد قصد إفهامنا في الحال فيكون قد قصد أن نجهل لأن من خاطب قوما بلغتهم فقد أغراهم بأن يعتقدوا فيه أنه قد عنى ما عنوه وثالثها أنه لو لم يقصد إفهامنا لكان عبثا لأن الفائدة في الخطاب إفهام المخاطب ورابعها أنه لو جاز أن لا يقصد إفهامنا بالخطاب جازت مخاطبة العربي
vol. 3, p. 206بالزنجية وهو لا يحسنها إذا كان غير واجب إفهام المخاطبين بل ذلك
-
أولى بالجواز لأن الزنجية ليس لها ظاهر عند وقد العربي يدعوه إلى اعتقاد معناه ولو جازت مخاطبة العربي بالزنجية وبين له بعد مدة جازت مخاطبة النائم وبين له بعد مدة ان يقصد الإنسان بالتصويت والتصفيق شيئا يبينه بعد مدة فإن قلت خطا ب الزنج لا يفهم منه العربي شيئا فلم يجز أن يخاطبوا به وليس كذلك خطاب العربي بالمجمل لأن العربي يفهم منه شيئا ما لأن قول الله تعالى وأقيموا الصلاة قد فهم منه الأمر بشئ وإن لم يعرف ما هو قلت فإن جاز أن يكون اسم الصلاة واقعا على الدعاء ويريد الله به غيره ولا يبين لنا جاز أن يكون ظاهر قوله تعالى أقيموا للأمر ولا يستعمله في الأمر ولا يبين لنا ذلك وفي ذلك مساواته لخطاب الزنج لأنا لا نفهم منه شيئا أصلا وأما القسم الثاني وهو أنه أراد إفهامنا في الحال فلا يخلو إما أن يريد أن يفهم أن مراده ظاهره أو غير ظاهره
vol. 3, p. 207فإن أراد الآول فقد أراد منا الجهل وإن أراد الثاني فقد أراد منا مالا سبيل إليه ثم قال أبو الحسين وهذه الدلالة تتناول العام المستعمل في الخصوص والمطلق المفيد للتكرار المنسوخ والأسماء والنقولة إلى الشريعة والنكرة إذا أريد بها شئ معين لأن الكل مستعمل في خلاف ظاهره الثاني
-
لو جاز أن يريد بالعموم الخصوص ولا يبين لنا ذلك في الحال ولا يشعرنا بأنه بخلافه لم يكن لنا طريق إلى معرفة وقت الفعل الذي يقف وجوب البيان عليه لأنه لو قيل لنا صلوا غدا جوزنا أن يكون المراد بقوله غدا بعد غد وما بعده أبدا لأن كل ذلك يسمى غدا مجازا ولا يبينه لنافلا يقف وجوب البيان على غاية وفيه تعذر علمنا بالمراد بالخطاب
vol. 3, p. 208فإن قلت إذا بين في غد صفة العبادة ثم قال افعلوها الآن علمنا أنه يجب فعلها في ذلك الوقت قلت لا يصح لكم ذلك لأنه يجوز أن يكون عنى بقوله الآن وقتا متراخيا حتى على طريق المجاز ولا يبينه لنا في الحال كما جاز مثله في سائر الألفاظ والجواب عن الآول من حيث المعارضة ومن حيث الجواب اما المعارضة فمن ثلاثة أوجه أحدها أن العموم خطاب لنا في الحال مع إنه لا يجوز اعتقاد استغراقه عند سماعه بل لا بد من أن نفتش الأدلة السمعية والعقلية فننظر هل فيها ما يخصه أم لا فإن لو يوجد فيها ما يخصه + قضى بعمومه وفي زمان التوقف الخطاب بالعموم قائم مقامه مع إنه لا يجوز اعتقاد ظاهره فانتقض قولكم أجاب أبو الحسين رحمه الله عنه بأن من لم يجوز أن يسمع الكلف
-
العام دون الخاص لا يلزمه هذا السؤال ومن جوز ذلك فله أن يجيب عن
vol. 3, p. 209السؤال بأن ما يعلمه المكلف من كثرة الأدلة والسنن يجوز معه أن يكون فيها ما يدل على أن المراد بالخطاب غير ظاهره فيصير ذلك كالإشعار بالتخصيص والجواب أما أنه لا يجوز أن يسمع المكلف العام دون الخاص فهذا المذهب باطل عندك وتخريج النقض بالمذهب الباطل باطل وأما قوله علمه بكثرة السنن كالإشعار بالتخصيص قلنا فإذا جوزت أن يكون تجويزه لقيام المخصص في الحال مانعا له من اعتقاد الاستغراق في الحال فلم لا يجوز أن يكون تجويزه لحدوث المخصص في ثاني الحال مانعا له من اعتقاد الاستغراق في الحال فهذا أول المسألة وثانيها أجمعنا على أنه يجوز تأخير بيان المخصص بزمان قصير وأن تعطف جملة من الكلام على جملة أخرى ثم تبين الجملة الأولى عقيب الثانية وأن يبين المخصص بالكلام الطويل وهذه الصور الثلاثة نقض على ما ذكره
vol. 3, p. 210فإن قلت أنا لا نجوز تأخير البيان إلا مقدار ما لا ينقطع عن السامع توقع شرط يرد على الكلام وإنما نجوز البيان بالطويل من القول أو الفعل إذا لم يتم البيان إلا بهما وإذا لم يتم إلا كذلك لم يكن فيه
-
تأخير البيان قلت إن ظاهر لفظ العموم يفيد الاستغراق فحال ما سمع ذلك اللفظ يتوجه عليه التقسيم الذي ذكره أبو الحسين من أنه إما أن يكون غرض المخاطب به الإفهام أو لا يكون غرضه الإفهام والثاني باطل فتعين الأول فإما أن يكون غرضه إفهام ما أشعر به الظاهر فيكون مريدا للجهل أو غيره فيكون طالبا ما لا سبيل إليه فإن قلت تجويز السامع أن يأتي المتكلم بعد ذلك الكلام بشرط أو استثناء يمنعه من حمل هذا اللفظ على ظاهره قلت فلم لا يجوز أن يقال في مسألتنا تجويز السامع أن يأتي المتكلم حال إلزام التكليف بدليل مخصص يمنعه من حمل اللفظ على ظاهره وهذا أول المسألة وثالثها أنا نجوز أن يأمر الله تعالى المكلفين بالأفعال مع أن كل واحد
vol. 3, p. 211منهم يجوز أن يموت قبل وقت الفعل فلا يكون مرادا بالخطاب وفي ذلك شككنا فيمن أريد بالخطاب وهذا تخصيص لم يتقدم بيانه البتة ورابعها أن غير أبي الحسين من المعتزلة اتفقوا على جواز تأخير بيان النسخ إجمالا وتفصيلا وحينئذ ينتقض دليلهم به لأن اللفظ إذا أفاد الدوام مع أن الدوام غير مراد فإن أراد ظاهره فقد أراد الجهل وإن أراد غير ظاهره فقد أراد ما لاسبيل إليه
-
وما يذكرونه من الفرق فقد ذكرناه وأجبنا عنه وأما من حيث الجواب فمن وجهين الأول أن نقول ما المراد من قولك المخاطب إما أن يكون غرضه إفهامنا أو لا يكون غرضه ذلك إن عنيت بالإفهام إفادة القطع واليقين فليس غرضه ذلك بل غرضه منه الإفهام بمعنى إفادة الاعتقاد الراجح والظن الغالب الغالب مع تجويز نقيضه فلم قلت إنه على هذا التقدير يكون عابثا ويكون مغريا بالجهل
vol. 3, p. 212وبهذا الجواب يظهر الفرق بين ما إذا كان الغرض ذلك وبين خطاب العربي بالزنجية لأن هناك لا يمكن أن يكون الغرض إفادة الاعتقاد الراجح فإنه لا يفهم منه شيئا وإن عنيت به أن غرضه إفادة الاعتقاد الراجح كيف كان أعني القدر المشترك بين الاعتقاد الراجح المانع من النقيض وبين الاعتقاد الراجح المجوز للنقيض فهذا مسلم ولكن هذا القدر لا يمنع من ورود المخصص لأنه لو امتنع لكان ذلك الاعتقاد مانعا من النقيض مع أنا فرضناه غير مانع منه ثم الذي يدل على أن الغرض من الخطاب إفادة أصل الاعتقاد الراجح لاإفادة تعالى الاعتقاد الراجح المانع من النقيض هو أن دلالة الأدلة اللفظية تتوقف على كون النحو واللغة والتصريف منقولا بالتواتر على عدم الاشتراك والمجاز والتخصيص والنسخ والإضمار والنقل والتقديم والتأخير وعدم المعارض العقلي والنقلي وكل هذه المقدمات
-
طني وما يتوقف على الظني أولى أن يكون ظنيا فثبت أن الدلائل اللفظية لا تفيد إلا الاعتقاد الراجح وهذا القدر لا ينافيه احتمال ورود المخصص بعده
vol. 3, p. 213ومما يحقق ذلك أن الغيم الرطب في الشتاء يفيد ظن نزول المطر ثم قد لا يوجد في بعض الأوقات ثم لا يكون هذ العدم قادحا في ذلك الظن وإلا لتوقف تحقق ذلك الظن على انتفاء هذا العدم فحينئذ يكون ذلك الظن قطعا لا ظنا هذا خلف فكذا ها هنا اللفظ العام لا يفيد إلا ظن الاستغراق وهذا القدر لا يمنع من حدوث المخصص والله أعلم الوجه الثاني في الجواب أن اللفظ العام إن وجد مع المخصص دل المجموع الحاصل منه ومن ذلك المخصص على الخاص وإن وجد خاليا عن المخصص دل هو مع عدم المخصص على الاستغراق وذلك متردد بين هاتين الحالتين على السواء فهو بالنسبة إلى هاتين الحالتين كاللفظ المشترك بالنسبة إلى مفهوماته والمتواطئ بالنسبة إلى جزئياته فكما أنه يجوز عند أبي الحسين ورود اللفظ المشترك والمتواطئ خاليا عن البيان لأنه يفيد أن المراد أحد تلك المسميات فكذا ها هنا اللفظ العام قبل العلم بأنه وجد معه المخصص أو عدم نعلم أن المراد إما العموم أو الخصوص ونعلم أن هذا اللفظ إن وجد معه المخصص أفاد الخاص وإن وجد معه عدم المخصص أفاد العام فلا فرق بينه وبين المشترك فكما جاز تأخير البيان هناك جاز ها هنا
vol. 3, p. 214فإن قلت هذا عود إلى القول بأن هذه الصيغة مشتركة بين العموم والخصوص ونحن الآن في التفريغ على أنها للعموم فقط قلت لا نسلم أن هذا عود إلى القول بالاشتراك وذلك ل أنا نسلم أنها وحدها موضوعة للاستغراق وبهذا الكلام انفصلنا عن القائلين بالاشتراك لكنا نقول لا نزاع في حسن ورود المخصص ولا نزاع في أنه عند ورود المخصص لا يفيد إلا الخاص فإذا شككنا في وجود المخصص وعدمه لزمنا أن نشك في أنه هل يفيد الاستغراق أم لا لأن الشك في الشرط شك في المشروط فأين هذا القول من مذهب القائلين بالاشتراك والجواب عن الثاني أن اللفظ وإن كان محتملا إ أنه قد يوجد من القرائن ما يفيد القطع بأن المراد من اللفظ ظاهره وعلى هذا التقدير يزول السؤال فإن لم يوجد شئ من هذه القرائن وحضر الوقت الذي دل ظاهر الصيغة على أنه وقت العمل وجب عليه العمل لأن الظن قائم مقام العلم في اقتضاء وجوب العمل في الحال ولكنه لا يقوم مقامه فيما لا يتعلق به العمل فظن كون اللفظ دالا على وجوب العمل في الحال يكفي في القطع بوجوب العمل في الحال ولكن ظن عدم المخصص لا يكفي في القطع بعدم المخصص فظهر الفرق والله أعلم
vol. 3, p. 215المسألة الثالثة
-
وأما الخطاب الذي لا ظاهر له وهو الاسم المشترك كالقرء بين الطهر والحيض فإن له ظاهرا من وجه دون وجه أما الوجه الذي يكن ظاهرا فيه فهو أنه يفيد أن المتكلم لم يرد شيئا غير الطهر وغير الحيض وأنه أراد إما هذا وإما هذا فمن فإن هذا الوجه لا يحتاج إلى بيان وأما الوجه الذي يكون غير ظاهر فهو أنه لا يفيد أي الأمرين إرادة المتكلم الطهر أو الحيض ولا يجب أن يقترن به بيان في الحال والدليل عليه أن الاسم المشترك يفيد أن المراد إما هذا وإما هذا من غير تعيين وهذا القدر يصلح أن يراد تعريفه لأن الإنسان قد يقول لغيره لي إليك حاجة مهمة أوصيك بها ولا يكون غرضه في الحال إلا الإعلام بهذه الجملة وقد يقول رأيت رجلا في موضع كذا وهو يكره وقوف السامع على عينه أو يكره وقوفه عليه من جهته ولهذا وضع في اللغة ألفاظ مهمة كما وضعت ألفاظ لمعان معينة قال الله تعالى ورسلا لم نقصصهم عليك فيضاعفه له أضعافا كثيرة وأيضا
vol. 3, p. 216فقد يحسن من الملك أن يدعو بعض عماله فيقول له قد وليتك البلد الفلاني فاخرج إليه في غد وأنا أكتب إليك بتفصيل ما تعمله ويحسن من أحدنا أن يقول لغلامه أنا آمرك أن تخرج إلى السوق يوم الجمعة وتبتاع ما أبينه لك يوم الجمعة ويكون القصد بذلك التأهب لقضاء الحاجة
-
والعزم عليها وهذا هو نظير ما اخترناه من تأخير بيان المجمل وإذا كان كذلك ثبت أنه يجوز إطلاق اللفظ المشترك من غير بيان التعيين فإن قلت الغرض من التكليف هو الفعل والعلم والاعتقاد تابعان وهذا الإبهام يخل بالتمكين من الفعل قلت الغرض من التكليف قبل الوقت هو العلم لا الفعل ف أما في وقت الحاجة فالغرض هو الفعل وهناك يجب البيان احتجوا بأنه لو حسنت المخاطبة بالاسم المشترك من غير بيان في الحال لحسنت مخاطبة العربي بالزنجية مع القدرة عل مخاطبته بالعربية
vol. 3, p. 217ولا يبين له في الحال والجامع أن السامع لا يعرف مراد المتكملم عمر بهما على حقيقته فإن قلت الفرق أن العربي لا يفهم من الزنجية شيئا وها هنا يفهم أن المراد أحد معنيي الاسم قلت إما أن تعتبروا في حسن الخطاب حصول العلم بكمال المراد أو تكتفوا بمعرفة المراد من بعض الوجوه والأول يقتضي امتناع تأخير بيان المجمل والثاني
-
يوجب حسن مخاطبة العربي بالزنجية لأن العربي إذ عرف لغة الزنجي المخاطب له علم أنه قد أراد بخطابه شيئا ما إما الأمر وإما النهي وإما غيرهما والجواب أن المعتبر في حسن الخطاب أن يتمكن السامع من أن يعرف به ما أفاده الخطاب وهذا التمكن حاصل في الاسم المشترك لأنه موضوع لأحد هذين المعنيين والراجع فهم ذلك منه بخلاف العربي فإنه لا يتمكن
vol. 3, p. 218من أن يعرف ما وضع له خطاب الزنج فوضح الفرق والله أعلم المسألة الرابعة يجوز أن يؤخر الرسول عليه السلام تبليغ ما يوحى إليه إلى وقت الحاجة وقال قوم يجب تقديمه عليه لنا أن في المشاهد قد يكون تقديم الإعلام على حضور وقت العمل قبيحا وقد يكون ترك التقديم قبيحا وقد يكون بحيث يجوز الأمران وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يعلم الله تعالى اختلاف مصلحة المكلفين في تقديم الإعلام وفي تركه فيلزم ان لا يكون التقديم واجبا على الإطلاق احتجوا بقوله تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك والأمر للفور
-
والجواب لا نسلم أنه للفور سلمناه لكن المراد بذلك هو القرآن لأنه هو الذي يطلق عليه القول بأنه منزل من الله تعالى والله أعلم