المسألة الثالثة في حجية الإجماع

39 paragraphs · vol. 4, p. 35

  1. الصحابة حيث كان المؤمنين قليلين يمكن معرفتهم بأسرهم على التفضيل المسألة الثالثة إجماع أمه محمد صلى الله عليه وسلم حجة خلافا للنظام والشيعة والخوارج لنا وجوه الأول قول تعالى ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير

    vol. 4, p. 36سبيل المؤمنين الآية جمع الله تعالى بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحا لما جمع بينه وبين المحظور كما لا يجوز أن يقال إن زنيت وشربت الماء عاقبتك فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة ومتابعة غير سبيل المؤمنين عبارة عن متابعة قول أو فتوى غير قولهم وفتواهم وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة ضرورة أنه لا خروج من القسمين فإن قيل لا نسلم أن متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة على

    vol. 4, p. 35
  2. الاطلاق ولم لا يجوز أن يكون كونها محظورة مشروطا بمشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا تكون محظورة بدون هذا الشرط خرج على هذا قوله إن زنيت وشربت الماء عاقبتك لأن شرب الماء غير محظور لا مطلقا ولا بشرط الزنا فإن قلت إذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما عند حصول المشاقة وجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا عند حصول المشاقة لأنه لا

    vol. 4, p. 37خروج عن القسمين لكن ذلك باطل لأن المشاقة ليست عبارة عن المعصية كيف كانت وإلا لكان كل من عصى الرسول صلى الله عليه وسلم مشاقا له بل هي عبارة عن الكفر به وتكذيبه وإذا كان كذلك لزم وجوب العمل بالإجماع عند تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام وذلك باطل لأن العلم بصحة الإجماع متوقف على العلم بالنبوة فايجاب العمل به حال عدم العلم بالنبوة يكون تكليفا بالجمع بين الضدين وهو محال قلت لا نسلم أنه إذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما عند المشاقة كان اتباع سبيل المؤمنين واجبا عند المشاقة لأن بين القسمين ثالثا وهو عدم الاتباع أصلا سلمنا أنه يلزم وجوب اتباع سبيل المؤمنين عند المشاقة لكن لا نسلم أنه ممتنع قوله المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر به وإيجاب العمل بالإجماع عند حصول الكفر محال قلنا لا نسلم أن المشاقة لا تحصل إلا مع الكفر

  3. بيانه أن المشاقة مشتقة من كون أحد الشخصين في شق وكون الآخر في الشق الآخر وذلك يكفي فيه أصل المخالفة سواء بلغ حد الكفر

    vol. 4, p. 38أو لم يبلغه سلمنا أن المشاقة لا تحصل إلا عند الكفر فلم قلت إن حصول الكفر ينافي تمكن العمل بالاجماع بيانه أن الكفر بالرسول صلى الله عليه وسلم كما يكون بالجهل بكونه صادقا فقد يكون أيضا بأمور أخر كشد الزنار ولبس الغيار وإلقاء المصحف في القاذورات والاستخفاف بالنبي صلى الله عليه وسلم مع الاعتراف بكونه نبيا وإنكار نبوته باللسان مع العلم بكونه نبيا وشئ من هذه الأنواع من الكفر لا ينافي العلم بوجوب الإجماع سلمنا هذه المنافاة فلم قلت إنها مانعة من التكليف بيانه أن الله تعالى كلف أبا لهب بالإيمان ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن فيكون أبو لهب مكلفا بأن يؤمن بأنه لا يؤمن وذلك متعذر وهذ التوجيه ظاهر أيضا في قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون وإن أؤلئك الذي أخبر الله عنهم بهذا الخبر كانوا مكلفين بالإيمان فكانوا مكلفين بتصديق هذه الآية وباقي التقرير ظاهر

    vol. 4, p. 39سلمنا أن هذه الآية تقتضي المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين لا بشرط مشاقة الرسول لكن بشرط تبين الهدى أولا بهذا الشرط الأول مسلم والثاني ممنوع

  4. بيانه أنه تعالى ذكر مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وشرط فيها تبين الهدى ثم عطف عليها اتباع غير سبيل المؤمنين فوجب أن يكون تبين الهدى شرطا في التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين لأن ما كان شرطا في المعطوف عليه يجب أن يكون شرطا في المعطوف واللام في الهدى للاستغراق فيلزم أن لا يحصل التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إلا عند تبين جميع أنواع الهدى ومن جملة أنواع الهدى ذلك الدليل الذي لأجله ذهب أهل الإجماع إلى ذكر الحكم وعلى هذا التقدير لا يبقى للتمسك بالإجماع فائدة وأيضا فالإنسان إذا قال لغيره إذا تبين لك صدق فلان فاتبعه فهم منه تبين صدق قوله بشئ غير قوله فكذا ها هنا يجب أن يكون تبين صحة إجماعهم بشئ وراء إجماعهم وإذا كنا لا نتمسك بالإجماع

    vol. 4, p. 40إلا بعد دليل منفصل على صحة ما أجمعوا عليه لم يبق للتمسك بالإجماع أثر وفائدة سلمنا انها تقتضي المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين ولكن عن متابعة كل ما كان غير سبيل المؤمنين أو عن متابعة بعض ما كان كذلك الأول ممنوع وبتقدير التسليم فالاستدلال ساقط أما المنع فلأن لفظ الغير ولفظ السبيل كل واحد منهما لفظ منفرد فلا يفيد العموم وأما أن بتقدير التسليم فالاستدلال ساقط لأنه يصير معنى الآية أن كل من اتبع كل ما كان مغايرا لكل ما كان سبيل المؤمنين يستحق العقاب وهذا يقتضي أن يكون المتبع لبعض ما غاير سبيل المؤمنين مستحقا للعقاب

  5. والثاني مسلم ونقول بموجبه فإن عندنا يحرم بعض ما غاير بعض سبيل المؤمنين أو بعض ما غاير كل سبيل المؤمنين أو كل ما غاير بعض سبيل المؤمنين وهو السبيل الذي صاروا به مؤمنين والذي يغايره هو الكفر بالله تعالى وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا التأويل متعين لوجهين أحدهما أنا إذا قلنا لا تتبع غير سبيل الصالحين فهم منه المنع من متابعة

    vol. 4, p. 41غير سبيل الصالحين فيما به صاروا غير صالحين ولا يفهم منه المنع من متابعة سبيل غير الصالحين في كل شئ حتى في الأكل والشرب وثانيهما أن الآية نزلت في رجل ارتد وذلك يدل على أن الغرض منها المنع من الكفر سلمنا حظر اتباع غير سبيلهم مطلقا لكن لفظ السبيل حقيقة في الطريق الذي يحصل فيه المشي وهو غير مراد ها هنا بالاتفاق فصار الظاهر متروكا فلا بد من صرفه إلى المجاز وليس البعض أولى من البعض فتبقى الآية مجملة وأيضا فإنه لا يمكن جعله مجازا عن اتفاق الآمة على الحكم لأنه لا مناسبة ألبتة بين الطريق المسلوك وبين اتفاق أمه محمد صلى الله عليه وسلم على شئ من الأحكام وشرط حسن التجوز حصول المناسبة سلمنا أنه يجوز جعله مجازا عن ذلك الاتفاق لكن يجوز أيضا جعله مجازا عن الدليل الذي لأجله اتفقوا على ذلك الحكم فإنهم إذا أجمعوا على الشئ فإما أن يكون ذلك الإجماع عن استدلال أو لا عن استدلال فإن كان عن استدلال فقد حصل لهم سبيلان الفتوى والاستدلال فلم كان حمل الآية على الفتوى أولى من حملها على الاستدلال على الفتوى

    vol. 4, p. 42بل هذا أولى فإن بين الدليل الذي يدل على ثبوت الحكم وبين الطريق الذي يحصل فيه المشي مشابهة فإنه كما أن الحركة البدنية في الطريق المسلوك توصل البدن إلى المطلوب فكذا الحركة الذهنية في مقدمات ذلك الدليل توصل الذهن إلى المطلوب والمشابهة إحدى جهات حسن المجاز وإذا كان كذلك كانت الآية تقتضي إيجاب اتباعهم في سلوك الطريق الذي لأجله اتفقوا على الحكم ويرجع حاصله إلى إيجاب الاستدلال بما استدلوا به على ذلك الحكم وحينئذ يخرج الإجماع عن كونه حجة وأما إن كان إجماعهم لا عن استدلال والقول لا عن استدلال خطأ فيلزم إجماعهم على الخطأ وذلك يقدح في صحة الإجماع سلمنا دلالة الآية على تحريم متابعة غير قولهم لكن لا نسلم أن كلمة من للعموم وأن لفظ المؤمنين لعموم فإنا لو حملناه على للعموم لزم تطرف التخصيص إلى الآية لعدم دخول العوام والمجانين والنساء والصبيان في الإجماع سلمنا ذلك لكن لم قلت إنه يلزم من حظر اتباع غير سبيلهم وجوب اتباع سبيلهم

    vol. 4, p. 43بيانه أن لفظ غير وإن كان يستعمل في الاستثناء لكنهم أجمعوا على أنه في الأصل للصفة وإذا كان كذلك كان بين اتباع غير سبيل المؤمنين وبين اتباع

  6. سبيلهم قسم ثالث وهو ترك الاتباع فإن قلت ترك متابعة سبيل المؤمنين غير سبيل المؤمنين فمن ترك متابعة سبيلهم فقد اتبع غير سبيلهم قلت لم لا يجوز أن يقال الشرط في كون الإنسان متابعا لغيره كونه آتيا بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير أتى به فمن ترك متابعة سبيل المؤمنين وهو إنما تركه لأجل أن غير المؤمنين تركوه كان متبعا في ذلك سبيل غير المؤمنين أما من تركه لأن الدليل دل عنده على وجوب ذلك الترك أو لأنه لما لم يدل شئ على متابعة المؤمنين تركه على الأصل لم يكن ها هنا متبعا لأحد فلا يدخل تحت الوعيد سلمنا دلالة الآية على وجوب متابعة سبيل المؤمنين لكن في كل الأمور أو في بعضها الأول ممنوع لوجوه

    vol. 4, p. 44أحدها أن المؤمنين إذا اتفقوا على فعل شئ من المباحات فلو وجب اتباع سبيلهم في كل الأمور لزم التناقض لأنه يجب عليهم فعله من حيث إنهم فعلوه ولا يجب ذلك لحكمهم بأنه غير واجب وثانيها أن أهل الإجماع قبل اتفاقهم على ذلك الحكم كانوا متوقفين في المسألة غير جازمين بالحكم بل كانوا جازمين بأنه يجوز البحث عنها ويجوز الحكم لكل أحد بما أدى إليه اجتهاده ثم إنهم بعد الإجماع قطعوا بذلك

  7. الحكم فلو وجب متابعتهم في كل ما يقولونه لزم اتباعهم في النقيضين وهو محال فإن قلت الإجماع الأول على تجويز التوقف وطلب الدلالة والحكم بما أدى إليه الاجتهاد ما كان مطلقا بل كان بشرط عدم الاتفاق على حكم واحد فإذا حصل الاتفاق زال شرط الإجماع فزال بزواله قلت المفهوم من عدم حصول الإجماع حصول الخلاف فلو شرطنا تجويز الخلاف بعدم الإجماع لزم أن يكون تجويز وجود الشئ مشروطا بوجوده وأيضا ف لو جاز في أحد الإجماعين أن يكون مشروطا بشرط جاز أيضا في الإجماع الثاني والثالث ويلزم منه أن لا يستقر شئ من الإجماعات

    vol. 4, p. 45وثالثها أن اتفاق المجمعين على ما أجمعوا عليه إما أن لا يكون عن استدلال أو يكون عن استدلال والأول باطل لأن القول بغير استدلال خطأ بالإجماع فلو اتفق أهل الإجماع عليه كانوا مجمعين على الخطأ وذلك يقدح في كون الإجماع حجة وإذا كان الثاني فذلك الدليل إما الإجماع أو غيره والأول باطل لأن الإجماع إما أن يكون نفس حكمهم أو نتيجة حكمهم والدليل على الحكم متقدم على الحكم والثاني يقتضي أن يكون سبيل المؤمنين إثبات ذلك الحكم بغير

  8. الإجماع فيكون إثباته بالإجماع اتباعا لغير سبيلهم فوجب أن لا يجوز فظهر أنا لو حملنا الآية على اقتضاء متابعة المؤمنين في كل الأمور لزم التناقض وإذا بطل ذلك وجب حملها على اقتضاء المتابعة في بعض الأمور وحينئذ نقول بموجبه ونحمله على الإيمان بالله تعالى ورسوله ثم الذي يؤكد هذا الاحتمال وجوه أحدها أن القائل إذا قال اتبع سبيل الصالحين فهم منه الأمر باتباعهم فيما به صاروا صالحين فكذا ها هنا

    vol. 4, p. 46وثانيها أنا إذا حملنا الآية على ذلك كان ذلك السبيل حاصلا في الحال ولو حملناه على إجماعهم على الحكم الشرعي كان ذلك مما سيصير سبيلا في المستقبل لأنه لا يوجد إلا بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام فالحمل على الأول إولى وثالثها أن السلطان إذا قال ومن يشاقق وزيري من الجند ولم يتبع سبيل فلان ويشير به إلى اقوام متظاهرين في طاعة الوزير عاقبتهم فإنه انما يعنى بالسبيل المذكور سبيلهم في طاعة الوزير دون سائر السبل سلمنا دلالة الآية على وجوب المتابعة في كل الأمور لكنها تدل على وجوب متابعة بعض المؤمنين أو كلهم الأول باطل لأن لفظ المؤمنين جمع فيفيد الاستغراق ولأن

  9. إجماع البعض غير معتبر بالإجماع ولأن أقوال الفرق متناقضة والثاني مسلم ولكن كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى قيام الساعة فلا يكون الموجودون في العصر كل المؤمنين فلا يكون إجماعهم إجماع كل المؤمنين فإن قلت المؤمنون هم المصدقون وهم الموجودون وأما الذين لم

    vol. 4, p. 47يوجدوا بعد فليسوا بمؤمنين قلت إذا وجد أهل العصر الثاني ففي العصر الثاني لا يصح القول بأن أهل العصر الأول هم كل المؤمنين فلا يكون اجماع أهل العصر الأول عند حصول أهل العصر الثاني قولا لكل المؤمنين فلا يكون اجماع أهل العصر الأول حجة على أهل العصر الثاني سلمنا أن أهل العصر هم كل المؤمنين لكن الآية إنما نزلت في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم فتكون الآية مختصة بمؤمني ذلك الوقت وهذا يقتضي أن يكون إجماعهم حجة لكن التمسك بالإجماع إنما ينفع بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فما لم يثبت أن الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية بقوا بأسرهم إلى ما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه اتفقت كلمتهم على الحكم الواحد لم تدل هذه الآية على صحة ذلك الإجماع ولكن ذلك غير معلوم في شئ من الإجماعات الموجودة في المسائل بل المعلوم خلافه لأن كثيرا منهم مات زمان حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فسقط الاستدلال بهذه الآية سلمنا دلالاتها على وجوب متابعة مؤمني كل عصر لكن المراد متابعة كل مؤمني ذلك العصر أو بعضهم الأول باطل وإلا لاعتبر في الإجماع قول العوام بل الأطفال

  10. والمجانين

    vol. 4, p. 48والثاني نقول به لأن عندنا يجب في كل عصر متابعة بعض من كان فيه من المؤمنين وهو الإمام المعصوم سلمنا أن المراد متابعة جميع مؤمني العصر لكن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب وهو أمر غائب عنا فكيف يعلم في المجمعين كونهم مصدقين بقلوبهم لاحتمال أنهم وإن كانوا مصدقين باللسان لكنهم كفرة بالقلب وإذا جهلنا ذلك جهلنا كونهم مؤمنين وإذا كان الواجب علينا اتباع المؤمنين فمتى جهلنا كونهم مؤمنين لم يجب علينا اتباعهم وهو أيضا لازم على المعتزلة القائلين بأن المؤمن هو المتسحق للثواب لأن ذلك غير معلوم أيضا وأيضا فالأمة متى أجمعت لم نعلم كونهم مستحقين للثواب إلا بعد العلم بكونهم محقين في ذلك الحكم إذ لو لم نعلم ذلك لجوزنا كونهم مخطئين وأن يكون خطؤهم كثيرا يخرجهم عن استحقاق الثواب واسم الايمان فإذن إنما نعرف كون المجمعين مؤمنين إذا عرفنا أن ذلك الحكم صواب فلو استفدنا العلم بكونه صوابا من إجماعهم لزم الدور فإن قلت لم لا يجوز أن يكون المراد من المؤمنين المصدقين باللسان كما في قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن قلت لا شك أن إطلاق اسم المؤمنين على المصدقين باللسان

    vol. 4, p. 49دون القلب مجاز فإذا جاز لكم حمل الآية على هذا المجاز فلم لا يجوز لنا حملها على مجاز آخر وهو أن نقول المراد إيجاب متابعة السبيل الذي من شأنه أن يكون سبيلا للمؤمنين كما إذا قيل اتبع سبيل الصالحين لا يراد به وجوب اتباع سبيل من يعتقد فيه كونه صالحا بل وجوب اتباع السبيل الذي يجب أن يكون سبيلا للصالحين سلمنا دلالة الآية على كون الإجماع حجة لكن دلالة قطيعة أم ظنية الأول ممنوع والثاني مسلم لكن المسألة قطعية فلا يجوز التمسك فيها بالدلائل الظنية بيانه ما تقدم في كتاب اللغات أن التمسك بالدلائل اللفظية لا يفيد اليقين ألبتة فإن قلت أنا نجعل هذه المسألة ظنية قلت إن أحدا من الأمة لم يقل إن الإجماع المنعقد بصريح القول دليل ظني بل كلهم نفوا ذلك فإن منهم من نفى كونه دليلا أصلا ومنهم من جعله دليلا قاطعا فلو أثبتناه دليلا ظنيا لكان هذا تخطئه لكل الأمة وذلك يقدح في الإجماع

    vol. 4, p. 50والعجب من الفقهاء أنهم أثبتوا الإجماع بعمومات الآيات والأخبار وأجمعوا على أن المنكر لما تدل عليه هذه العمومات لا يكفر ولا يفسق إذا كان ذلك الإنكار لتأويل ثم يقولون الحكم الذي دل عليه الإجماع مقطوع به ومخالفه كافر أو فاسق فكأنهم قد جعلوا الفرع أقوى من الأصل وذلك غفلة عظيمة

  11. سلمنا دلالة هذه الآية على أن الإجماع حجة لكنها معارضة بالكتاب والسنة والمعقول أما الكتاب فكل ما فيه منع لكل الأمة من القول الباطل والفعل الباطل كقوله عز وجل وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل والنهي عن الشئ لا يجوز إلا إذا كان المنهي عنه متصورا وأما السنة فكثيرة

    vol. 4, p. 51أحدها قصة معاذ وأنه لم يجر فيها ذكر الإجماع ولو كان ذلك مدركا شرعيا لما جاز الإخلال بذكره عند اشتداد الحاجة إليه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وثانيها قوله عليه الصلاة والسلام لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي وثالثها قوله عليه السلام لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ورابعها قوله عليه الصلاة والسلام أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينترعه (من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء

    vol. 4, p. 52جهالا فسئلوا فافتوا بغير علم فضلوا وأضلوا

  12. وخامسها قوله عليه الصلاة والسلام تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإنها أول ما ينسى وسادسها قوله عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة أن يرتفع العلم ويكثر الجهل

    vol. 4, p. 53وهذه الأحاديث بأسرها تدل على خلو الزمان عمن يقوم بالواجبات وأما المعقول فمن وجهين الأول أن كل واحد من الأمة جاز الخطأ عليه فوجب جوازه على الكل كما أنه لو كان كل واحد من الزنج أسود كان الكل سودا الثاني أن ذلك الإجماع إما أن يكون لدلالة أو لأمارة أو لا لدلالة ولا لأمارة فإن كان لدلالة فالواقعة التي أجمع عليها كل علماء العلم تكون واقعة عظيمة ومثل هذه الواقعة مما تتوفر الدواعي على نقل الدليل القاطع الذي لأجله أجمعوا فكان ينبغي اشتهار تلك الدلالة وحينئذ لا تبقى للتمسك بالإجماع فائدة وإن كان لأمارة فهو محال لأن الأمارات يختلف حال الناس فيها فيستحيل اتفاق الخلق على مقتضاها ولأن في الأمة من لم يقل بكون الأمارة حجة فلا يمكن اتفاقهم لأجل الأمارة على حكم وإن كان لا لدلالة ولا لأمارة كان ذلك خطأ فادحا في الإجماع

  13. ولو اتفقوا عليه لكانوا متفقين على الباطل وذلك قادح في الإجماع

    vol. 4, p. 54والجواب قوله الآية تقتضي التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين بشرط المشاقة قلنا هذا باطل لأن المغلق على الشرط إن لم يكن عدما عند عدم الشرط فقد حصل غرضنا وإن كان عدما عند عدم الشرط فلو كان التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين مشروطا بالمشاقة ل كان عند عدم المشاقة اتباع غير سبيل المؤمنين جائزا مطلقا وهذا باطل لأن مخالفة الإجماع إن لم تكن خطأ لكن لا شك في أنه لا يكون صوابا مطلقا فبطل ما ذكروه قوله تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين مشروط بتبين الهدى قلنا لا نسلم لأن تبين الهدى شرط في الوعيد عند المشاقة لا عند اتباع غير سبيل المؤمنين ولا نسلم إنه يلزم من العطف اشتراك إحدى الجملتين بما كانت الجملة الأخرى مشروطه به سلمنا أن العطف يقتضي الاشتراك في الاشتراط لكن الهدى الذي نتبينه شرطا في حصول الوعيد عند مشاقة الرسول هو الدليل الدال على التوحيد والنبوة لا الدليل الدال على أحكام الفروع وإذا لم يكن تبين

    vol. 4, p. 55الدليل على مسائل الفروع شرطا في لحوق الوعيد على مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وجب أن لا يكون ذلك شرطا أيضا في لحوق الوعيد على اتباع غير سبيل المؤمنين وإلا لم تكن الجملة الثانية مشروطة بالشرط المعتبر في الجملة الأولى بل بشرط لم يدل عليه الدليل أصلا سلمنا أن مقتضى العطف ما ذكرتموه لكن معنا دليل يمنع منه من

  14. وجهين الأول أن هذه الآية خرجت مخرج المدح للمؤمنين وتمييزهم عن غيرهم ولو حملناه على ما ذكره السائل لبطل ذلك ألا ترى أن اليهود والنصارى إذا عرفنا أن قولا من أقاويلهم هدى فإنه يلزمنا أن نقول بمثله مع أنه لا تبعية لهم فيه الثاني أن اتباع المؤمنين هو الرجوع إلى قولهم لأجل أنهم كانوا هـ لا لأنه صح ذلك بالدليل ألا ترى أنا لا نكون متبعين لليهود والنصارى في قولنا بإثبات الصانع ونبوة موسى وعيسى عليهما السلام وإن شاركناهم في ذلك الاعتقاد لأجل أنا لم نذهب إلى ذلك لأجل قولهم قوله لفظ الغير والسبيل ليس للجمع فلا يقتضي تحريم كل ما كان غيرا لكل ما كان سبيلا للمؤمنين قلنا العموم حاصل من حيث اللفظ ومن حيث الإيماء

    vol. 4, p. 56أما اللفظ فلوجهين الأول أن القائل إذا قال من دخل غير داري ضربته فهم منه العموم بدليل صحة الاستثناء لكل واحد من الدور المغايرة لداره الثاني أنا لو حملنا الآية على سبيل واحد مع أنه غير مذكور صارت الآية مجملة ولو حملناها على العموم لم يلزم ذلك وحمل كلام الله عز

  15. وجل على ما هو أكثر فائدة أولى لا سيما إذا كانت هذه اللفظة إنما تستعمل في العرف لإفادة العموم أما الإيماء فلما سيأتي في باب القياس إن شاء الله عز وجل أن ترتيب الحكم على الاسم مشعر بكون المسمى علة لذلك الحكم فكانت عله التهديد كونه اتباعا لغير سبيل المؤمنين فيلزم عموم الحكم لعموم هذا المقتضي قوله إذا حملناه على الكل سقط الاستدلال قلنا ذلك إنما يلزم لو حملناه على الكل من حيث هو كل أما لو حملناه على كل واحد لم يلزم ذلك ولا شك أنه هو المتبادر إلى الفهم لأن من قال من دخل غير دارى فله كذا لا يفهم منه أنه أراد به من دخل جميع الدور المغايره لداره قوله المراد منه المنع من متابعة غير سبيل المؤمنين فيما به صاروا غير

    vol. 4, p. 57مؤمنين وهو الكفر قلنا لا نسلم بل الأصل اجراء الكلام على عمومه وايضا فلأنة لا معنى لمشاقة الرسول الا اتباع سبيل المؤمنين فيما به صاروا غير مؤمنين فلو حملنا قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين على ذلك لزم التكرار قوله نزلت في رجل ارتد قلنا تقدم بيان أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب قوله السبيل هو الطريق الذي يحصل المشي فيه قلنا لا نسلم لقوله تعالى قل هذه سبيلي وقوله ادع إلى

  16. سبيل ربك سلمناه لكنا نعلم بالضرورة أن ذلك غير مراد ها هنا ولا نزاع في أن أهل اللغة يطلقون لفظ السبيل على ما يختاره الإنسان لنفسه في القول والعمل وإذا كان ذلك مجازا ظاهرا وجب حمل اللفظ عليه لأن الأصل عدم المجاز الآخر

    vol. 4, p. 58وحينئذ يحمل اللفظ على هذا المعنى إلى أن يذكر الخصم دليلا معارضا وبه نجيب عن قولهم لا مناسبة بين الأتفاق على الحكم وبين الطريق الذي يحصل المشي فيه قوله لم لا يجوز أن يكون المراد وجوب متابعتهم في الاستدلال بالدليل الذي لأجله أثبتوا ذلك الحكم قلنا هب أن الأمر كذلك ولكن لما أمر الله تعالى باتباع سبيلهم في الاستدلال بدليلهم ثبت أن كل ما اتفقوا عليه صواب وأيضا فمن أثبت الحكم لدليل لم يكن متبعا لغيره قوله لم قلت إن لفظة من والمؤمنين للعموم قلنا لما تقدم في باب العموم قوله لم قلت إنه يلزم من حظر اتباع غير سبيلهم وجوب اتباع سبيلهم قلت لأنه يفهم في العرف من قول القائل لا تتبع غير سبيل الصالحين الأمر بمتابعة سبيل الصالحين حتى لو قال لا تتبع غير

  17. سبيل الصالحين ولا تتبع سبيلهم أيضا لكان ذلك ركيكا بلى لو قال لا تتبع سبيل غير الصالحين فإنه لا يفهم منه الأمر بمتابعة سبيلهم ولذلك

    vol. 4, p. 59لا يستقبح أن يقال لا تتبع سبيل غير الصالحين ولا سبيلهم وبالجملة فالفرق معلوم بالضرورة في العرف بين قولنا لا تتبع غير سبيل الصالحين وبين قولنا لا تتبع سبيل غير الصالحين قوله يجب اتباع سبيل المؤمنين في كل الأمور أو في بعضها قلنا بل في كلها ولذلك يصح الاستثناء لأنه لما ثبت النهي عن متابعة كل ما هو غير سبيل المؤمنين وثبت أنه لا واسطة بينها وبين اتباع سبيل المؤمنين لزم أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا في كل شئ قوله يلزم وجوب اتباعهم في فعل المباحات قلنا هب أن هذه الصورة مخصوصة للضرورة التي ذكرتموها فتبقى حجة فيما عداها قوله الناس قبل حصول الإجماع كانوا مجمعين على التوقف في الحكم وطلب الدليل قلنا الإجماع على ذلك مشروط بأن لا يحصل الاتفاق قوله عدم الإجماع هو الاختلاف فيلزم أن يكون جواز الاختلاف مشروطا بوقوع الاختلاف قلنا هب أنه كذلك فأي محال يلزم منه قوله لو جاز أن يكون هذا الاجماع مشروطا لجاز مثله في سائر الإجماعات قلنا ذلك جائز ولكن أهل الإجماع حذفوا هذا الشرط عند

    vol. 4, p. 60حصول الاتفاق على الحكم ولم يحذفوه عند الاتفاق على جواز الاختلاف قوله أهل الإجماع أثبتوا ذلك الحكم بغير الإجماع وإثباته بالإجماع مغاير لسبيل المؤمنين قلنا لما أثبتوا الحكم بدليل سوى الإجماع فقد فعلوا أمرين أحدهما أنهم أثبتوا ذلك الحكم بدليل والآخر أنهم تسمكوا بغير الاجماع والآية لما دلت على وجوب متابعتهم في كل الأمور كانت متناولة للصورتين إلا أنه ترك العمل بمقتضى الآية في إحدى الصورتين لانعقاد الإجماع على أنه لا يجب علينا الاستدلال بما استدل به أهل الإجماع فبقى العمل بها في الباقي قوله إذا قال اتبع سبيل الصالحين فهم منه إيجاب اتباع سبيلهم فيما به صاروا صالحين قلنا لا نسلم لأن سبيل الصالح شئ مضاف إلى الصالح

    vol. 4, p. 61والمضاف إلى الشئ خارج عنه والصلاح جزء من ماهية الصالح وداخل فيها والخارج عن الشئ لا يكون نفس الداخل فيه سلمنا لكن المتابعة في الصلاح ممكنة أما في الإيمان فلا لأنه لا يحصل بالتقليد وقد بينا أن الاتباع هو الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله

  18. قوله إذا حملناه على الإيمان كان ذلك السبيل حاصلا في الحال ولو حملناه على الإجماع لم يكن حاصلا في الحال قلنا لما دللنا على إنه لا يجوز حمله على الإيمان وجب حمله على ذلك غايته أنه يفضي إلى المجاز لكنه مجاز سائغ لأن تسمية الشئ باسم ما يؤول إليه مشهور قوله السلطان إذا قال ومن يشاقق وزيري ويتبع غير سبيل فلان ويعني به المطيعين لذلك الوزير فهم منه أنه أراد بذلك سبيلهم في طاعته قلنا لا نسلم فإن اللفظ يقتضي العموم وما ذكرتموه قرينة عرفية تقتضي الخصوص والدلالة اللفظية راجحة على القرينة العرفية قوله المراد إيجاب اتباع كل المؤمنين أو بعضهم قلنا الكل قوله كل المؤمنين هم الذين يوجدون إلى قيام الساعة

    vol. 4, p. 62قلنا هذا مدفوع لوجهين الأول أن جميع المؤمنين هم الذين دخلوا في الوجود لأن المؤمن هو المتصف بالإيمان والمتصف بالإيمان يجب ان يكون موجودا وما س يوجد في المستقبل ولم يوجد في الحال فهو غير موجود قوله الموجودون في العصر الأول لا يصدق عليهم في العصر الثاني أنهم كل المؤمنين

  19. قلنا لكن لما صدق عليهم في العصر الأول أنهم كل المؤمنين وهم في العصر الأول اتفقوا على أنه لا يجوز لأحد من سائر الأعصار مخالفتهم وجب أن يكون ذلك الحكم منهم صدقا في العصر الأول فإذا ثبت في العصر الأول أن ذلك الحكم حق في كل الأعصار ثبت ذلك في كل الأعصار إذ لو لم يكن حقا في العصر الثاني لما صدق في العصر الأول أنه حق في كل الأعصار مع أنا فرضنا أن ذلك حق الثاني إن الله عز وجل علق العقاب على مخالفة كل المؤمنين زجرا عن مخالفتهم وترغيبا في الأخذ بقولهم فلا يجوز أن يكون المراد جميع المؤمنين إلى قيام الساعة لأنه لا فائدة في التمسك بقولهم بعد قيام الساعة قوله إذا كان المراد من المؤمنين الموجودين في ذلك العصر كانت

    vol. 4, p. 63الآية دالة على أن إجماع الموجودين في وقت نزول الآية حجة قلنا لا يجوز أن يكون مراد الله تعالى إيجاب اتباع مؤمني ذلك العصر لأن قول المؤمنين حال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان مطابقا لقوله كانت الحجة في قوله لا في قولهم فيصير قولهم لغوا ولما بطل ذلك ثبت أن المراد إيجاب العمل بقول المؤمنين في أي عصر كان قوله المراد كل مؤمني العصر أو بعضهم قلنا ظاهره الكل إلا ما أخرجه الدليل المنفصل وهم العوام والأطفال والمجانين فبقى غيرهم وهم جمهور العلماء داخلا تحت الآية قوله نحمله على الإمام المعصوم قلنا هذا باطل لأن الوعيد على مخالفة المؤمنين فحمله على الواحد

  20. ترك للظاهر قوله المراد بالمؤمن المصدق في الباطن وهو غير معلوم الوجود قلنا المؤمن في اللغة هو المصدق باللسان فوجب حمله عليه إلى قيام المعارض والذي يدل عليه أنه تعالى لما أوجب علينا اتباع سبيلهم فلابد وأن نكون متمكنين من معرفتهم والاطلاع على الأحوال الباطنة ممتنع فوجب حمله على التصديق باللسان قوله لم لا يجوز أن يكون المراد إيجاب اتباع السبيل الذي من شأنه

    vol. 4, p. 64أن يكون سبيلا للمؤمنين قلنا هذا عدول عن الظاهر من غير ضرورة قوله هذه الدلالة ظنية فلا يجوز إثبات الحكم القطعي بها قلنا عندنا أن هذه المسألة ظنية ولا نسلم انعقاد الإجماع عن أنها ليست ظنية قوله أعطيتم الفرع من القوة ما ليس للأصل قلنا نحن لا نقول بتكفير مخالف الإجماع ولا بتفسيقه ولا نقطع أيضا به وكيف وهو عندنا ظني قوله هذه الدلالة معارضة بالآيات الدالة على النهي عن الباطل قلنا لا نسلم أن ذلك النهي خطاب مع الكل بل خطاب مع كل واحد منهم والفرق بين الكل وبين كل واحد منهم معلوم ونحن إنما ندعي عصمة الكل لا عصمة كل واحد سلمنا كونه خطابا للكل لكن النهي لا يقتضي إمكان المنهى عنه من من!

  21. كل وجه لأن الله عز وجل ينهى المؤمن عن الكفر مع علمه بأنه لا يفعله وما علم أنه لا يوجد فهو محال الوجود وأما حديث معاذ فهو إنما ترك ذكر الإجماع لأنه لا يكون حجة في زمان

    vol. 4, p. 65حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي فهو يدل على حصول الشرار في ذلك الوقت فأما أن يكونوا بأسرهم شرارا فلا وكذا القول في سائر الحديث وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ففي صحته كلام سلمناه لكن لعلة خطاب مع قوم مخصوصين قوله جاز الخطأ على كل واحد فيجوز على الكل قلنا لا نسلم أن حكم المجموع مساو لحكم الآحاد والمثال الذي ذكره يدل على أن ذلك قد يكون كذلك ولا يدل على أنه لابد وأن يكون كذلك سلمنا أن حكم المجموع مساو لحكم الآحاد ولكن عندنا يجوز الخطأ على الكل أيضا لكن ليس كل ما جاز وقع والله تعالى لما أخبر عنهم أن ذلك لا يقع علمنا أنهم لا يتفقون على الخطأ قوله اتفاقهم إما أن يكون لدلالة أو لأمارة

    vol. 4, p. 66قلنا لم لا يجوز أن يكون لدلالة إلا أنهم ما نقلوها اكتفاء منهم بالإجماع فإنه متى حصل الدليل الواحد كان الثاني غير محتاج إليه والله

  22. أعلم المسلك الثاني التمسك بقوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس الله تعالى أخبر عن كون هذه الأمة وسطا والوسط من كل شئ خياره فيكون الله عز وجل قد أخبر عن خيرية هذه الأمة فلو أقدموا على شئ من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شئ من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة فإن قيل الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها وخلاف ذلك معلوم بالضرورة فلا بد من حملها على البعض ونحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر لكن لا نسلم أن الوسط من كل شئ خياره ويدل عليه وجهان الأول أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات واجتناب المحرمات وهذا من فعل الرجل وقد أخبر الله تعالى أنه جعلهم وسطا فاقتضى ذلك أن

    vol. 4, p. 67كونهم وسطا من فعله تعالى وذلك يقتضي أن يكون ذلك غير عدالتهم التي ليست من فعل الله تعالى الثاني أن الوسط اسم لما يكون متوسطا بين شيئين فجعله حقيقة في العدل يقتضي الاشتراك وهو خلاف الأصل سلمنا أن الوسط من كل شئ خياره فلم قلتم أن خبر الله

  23. تعالى عن خيرية قوم يقتضي اجتنابهم عن كل المحظورات ولم لا يجوز أن يقال إنه يكفي فيه اجتنباهم ما عن الكبائر فأما عن الصغائر فلا وإذا كان كذلك فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم ومما يؤكد هذا الاحتمال أنه تعالى حكم بكونهم عدولا ليكونوا شهداء على الناس وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر ولكن الله تعالى بين أن أتصافهم بذلك إنما كان لكونهم شهداء على الناس ومعلوم أن هذه الشهادة إنما تكون في الآخرة فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمل وذلك مما لا نزاع فيه لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة فلم قلتم إنهم في الدنيا كذلك سلمنا وجوب كونهم عدولا في الدنيا لكن المخاطبين بهذا الخطاب هم

    vol. 4, p. 68الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية لأن الخطاب مع من لم يوجد بعد محال وإذا كان كذلك فهذا يقتضي عدالة أولئك الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت ولا يقتضي عدالة غيرهم فهذه الآية تدل على أن إجماع أولئك حق فيجب أن لا نتمسك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه لكن ذلك يقضي حصول العلم بأعيانهم والعلم ببقاءهم لا إلى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ولما كان ذلك مفقودا تعذر التمسك بشئ من الإجماعات والجواب

  24. قوله الآية متروكة الظاهر قلنا لا نسلم قوله لأنها تقتضي كون كل واحد منهم عدلا قلنا لما ثبت إنه لا يجوز إجراؤها على الظاهر وجب أن يكون المراد منه امتناع خلو هذه الأمة من! العدول قوله تحمله على الإمام المعصوم قلنا قوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا صيغة جمع فحمله على

    vol. 4, p. 69الواحد خلاف الظاهر قوله لم قلت إن الوسط في كل شئ خياره قلنا للآية والخبر والشعر والنقل والمعنى أما الآية فقوله عز وجل قال أوسطهم أي أعدلهم وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم خير الأمور أوسطها أي أعدلها

    vol. 4, p. 70وقيل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوسط قريش نسبا وقال عليه السلام عليكم بالنمط الأوسط

    vol. 4, p. 71وأما الشعر فقوله هموا وسط يرضى الأنام بحكمهم وأما النقل فقال الجوهري في الصحاح وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي عدولا وأما المعني فلأن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين فالشئ

    vol. 4, p. 72الذي يكون بعيدا عن طرفي الإفراط والتفريط الذين هما رديان أن كان متوسطا فكان فضيلة ولهذا سمي الفاضل في كل شئ وسطا قوله عدالتهم من فعلهم لا من فعل الله تعالى قلنا هذا ممنوع على مذهبنا قوله لم قلت إن إخبار الله تعالى عن عدالتهم يقتضي اجتنابهم عن الصغائر قلنا من الناس من قال لا صغير على الإطلاق بل كل ذنب فهو صغير بالنسبة إلى ما فوقه كبير بالنسبة إلى ما تحته فسقط عنه هذا السؤال وأما من اعترف بذلك فجوابه أن الله تعالى عالم بالباطن والظاهر فلا يجوز أن يحكم بعدالة أحد وصحة شهادته إلا والمخبر عنه مطابق للخبر فلما أطلق الله تعالى القول بعدالتهم وجب أن يكونوا عدولا في كل شئ بخلاف شهود الحاكم حيث تجوز شهادتهم وأن جاز عليهم الصغائر لأنه لا سبيل للحاكم إلى معرفة الباطن فلا جرم اكتفى بالظاهر قوله الغرض من هذه العدالة أداء الشهادة في الآخرة وذلك يوجب

    vol. 4, p. 73عدالتهم في الآخرة لا في الدنيا قلنا لو كان المراد صيرورتهم عدولا في الآخرة لقال سنجعلكم أمة وسطا ولأن جميع الأمم عدول في الآخرة فلا يبقى في الآية تخصيص

  25. لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الفضيلة قوله المخاطب بهذ الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية قلنا مر الجواب عن مثل هذا السؤال في المسلك الأول والله أعلم وأحكم المسلك الثالث قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ولام الجنس تقتضي الاستغراق فدل على أنهم أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر فلو أجمعوا على خطأ قولا لكان قد أجمعوا على منكر قولا ولو كانوا كذلك لكانوا آمرين بالمنكر ناهين عن المعروف وهو يناقض مدلول الآية فإن قيل الآية متروكة الظاهر لأن قوله كنتم خير أمة خطاب معهم وهو يقتضي اتصاف كل واحد منهم بهذا الوصف والمعلوم خلافة فثبت أنه لا يمكن إجراؤها على ظاهرها فنحملها على أن المراد

    vol. 4, p. 74من الأمة بعضهم وعندنا أن ذلك البعض هو الإمام المعصوم سلمنا أنه يمكن إجراء الآية على ظاهرها لكن لا نسلم أنهم كانوا يأمرون بكل معروف لما مر في باب العموم أن المفرد المعرف لا يفيد الاستغراق سلمنا العموم لكن الآية تقتضي اتصافهم بالأمر بالمعروف في الماضي أو الحاضر

  26. الأول مسلم والثاني ممنوع فلم قلتم بأنهم بقوا على هذه الصفة في الحال فإن قلت لأن هذه الآية خرجت مخرج المدح لهم في الحال ولا يجوز أن يمدح إنسان في الحال بما فعله من قبل إذا عدل عنه إلى ضده فإن الناهي عن المنكر إذا صار آمرا به استحق الذم قلت لا نسلم أن هذه الآية خرجت مخرج المدح ولم لا يجوز أن يقال ليس فيها إلا بيان أن هذه الأمة كانوا قبل ذلك خيرا من سائر الأمم ومجرد الإخبار لا يقتضي المدح سلمنا دلالتها على المدح لكن لم لا يجوز أن يدمح على الإنسان

    vol. 4, p. 75في الحال بما صدر عنه في الماضي وإن كان يستحق الذم في الحال بما صدر عنه في الحال فإن عندنا الجمع بين استحقاق الذم والمدح غير ممتنع على ما ثبت في مسألة الاحتياط سلمنا دلالة الآية على حصول هذا الوصف في الحال لكن قوله عز وجل كنتم خير أمة صريح في أن هذا الوصف إنما حصل لهم في الزمان الماضي ومفهومه يدل على عدم حصوله في الحال سلمنا دلالة الآية على اتصافهم بتلك الصفة في الحال ف لم لا يجوز خروجهم عنها بعد ذلك فإنه لا نزاع في أنه يحسن مدح الإنسان بما له من الصفات في الحال وإن كان يعلم زوالها في المستقبل فإن قلت ف يلزم أن يكون إجماعهم حجة في ذلك الزمان قلت هب أنه كذلك لكنا لا نقطع على شئ من الإجماعات بإنه حصل في ذلك الزمان واذا وقع الشك في الكل خرج الكل عن كونه

  27. حجة سلمنا اتصافهم بهذا الوصف في الماضي والحال والمستقبل لكن الآية خطاب مع الموجودين في ذلك الوقت فيكون إجماعهم حجة أما

    vol. 4, p. 76إجماع غيرهم فلا يكون حجة على ما مر من تقرير هذا السؤال في المسلكين الأولين والجواب قوله الآية متروكة الظاهر قلنا لا نسلم قوله لأنها تقتضي أن يكون كل واحد منهم آمرا بالمروف وليس كذلك قلنا المخاطب بقوله تعالى كنتم خير أمة ليس كل واحد من الأمة أما أولا فلأنه تعالى وصف المخاطب بهذا الخطاب بكونه خير أمة فلو كان المخاطب بهذا الخطاب كل واحد من الأمة لزم وصف كل واحد من الأمة بأنه خير أمة وذلك غير جائز لأن الشخص الواحد لا يوصف بأنه أمه إلا على سبيل المجاز كما في قوله تعالى إن إبراهيم كان أمة بدليل أن المتبادر إلى الفهم من قوله حكمت الأمة بكذا المجموع وأما ثانيا فلأنه يلزم في كل واحد أن يكون خير أمة أخرجت للناس وإن كان كل واحد خير أمة وجب أن يكون كل واحد خيرا من صاحبه ولما بطل ذلك ثبت أن المجموع هو المخاطب بهذ الخطاب وهو

    vol. 4, p. 77يجري مجرى قول الملك لعسكره أنتم خير عسكر في الدينا تفتحون القلاع وتكسرون الجيوش فإن هذا الكلام لا يفهم منه أن الملك وصف كل واحد من آحاد العسكر بذلك بل إنه وصف المجموع بذلك بمعنى أن في العسكر من هو كذلك فكذا ها هنا وصف الله تعالى مجموع الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعنى أن منهم من هو كذلك وحمله على الإمام المعصوم غير جائز لأنه واحد ولفظ الأمة لفظ الجمع قوله المفرد المعرف لا يفيد الاستغراق قلنا كثير من الناس ذهب إلى أنه يقتضيه وأيضا فلفظ المعرف لو لم نحمله على الاستغراق لوجب حمله على الماهية ويكفي في العمل به ثبوته في صورة واحدة فيكون معناه أنهم أمروا بمعروف واحد ونهوا عن منكر واحد وهذا القدر حاصل في سائر الأمم لأن كل واحد منهم قد كان آمرا بمعروف واحد وهو الدين الذي قبله وناهيا عن منكر واحد وهو الكفر الذي رده وحينئذ لا يثبت بذلك كون هذه الأمة خيرا من سائر الأمم لكن الله تعالى ذكره لبيان ذلك الحكم فعلمنا أنه وجب حمله على الاستغراق

    vol. 4, p. 78تحصيلا للغرض فإنا لو لم نحمله على الاستغراق ولا نحمله على الماهية كان ذلك مخالفا للغة قوله الآية تقتضي الاتصاف بهذا الوصف في الماضي أو الحاضر قلنا بل في الحاضر لأن قوله تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر لا يتناول الماضي قولة لفظة كنتم تدل على الماضي

  28. قلنا لا نسلم ل أن قوله كنتم إما أن تكون ناقصة أو زائدة أو تامة فإن كنت ناقصة فنقول إنه وان أفاد تقدم كونهم كذلك لكن قوله تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر يقتضي كونهم كذلك في المستقبل ودلالة قوله تعالى كنتم على تقدم هذا الوصف لا يمنع من حصوله في المستقبل فتبقى دلالة قوله تأمرون بالمعروف على كونهم كذلك في المستقبل سليمة عن المعارض وأما الوجهان الآخران فالاستدلال معهما ظاهر

    vol. 4, p. 79قوله لم قلت إنهم يكونون في الزمان المستقبل كذلك على هذه الصفة قلنا لأن صيغة المضارع بالنسبة إلى الحال والاستقبال كاللفظ العام فوجب تناولها لهما معا قوله هذه الآية خطاب مع الحاضرين قلنا مر الجواب عنه في المسلك الأول والله أعلم المسلك الرابع التمسك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أمته لا تجتمع على خطأ والكلام ها هنا يقع في موضعين أحدهما إثبات متن الخبر والثاني كيفية الاستدلال به أما الأول فللناس فيه طرق ثلاثة

  29. الفريق الأول ادعاء الضرورة في تواتر معنى هذا الخبر قالوا لأنه نقل هذا المعنى بألفاظ مختلفة بلغت حد التواتر

    vol. 4, p. 80الأول روي عنه عليه الصلاة والسلام انه قال أمتي لا تجتمع على خطأ الثاني ما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن الثالث لا تجتمع أمتي على ضلالة الرابع يد الله على الجماعة رواه ابن عمر رضي الله عنهما الخامس سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على الضلالة فأعطيتها السادس لم يكن الله ليجمع أمتي على الضلالة وروى ولا على خطأ وروي عن الحسن البصري وابن أبي ليلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال

    vol. 4, p. 81الخبر وكان الحسن يقول إذا حدثني أربعة من الصحابة تركتهم وقلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الخبر من مراسليه السابع عليكم بالسواد الأعظم وذلك جماعة الأمة لأن كل من دونهم فالأمة بأسرها أعظم منه الثامن أبو سعيد مرفوعا يد الله على الجماعة ولا نبالي بشذوذ من شذ التاسع من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام عن عنقه

  30. العاشر من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية

    vol. 4, p. 82الحادي عشر أبو أمامة مرفوعا لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم الثاني عشر عمران بن الحصين مرفوعا لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يقاتلها الدجال الثالث عشر قام ابن عمر في الناس خطيبا وقال إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى يأتي أمر الله الرابع عشر ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن إخلاص العمل لله والنصح لأئمة المسلمين ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم رواه جبير بن مطعم وجابر الخامس عشر من سره أن يسكن بحبوحه الله الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد خطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب به أيضا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في جماعة من

    vol. 4, p. 83الصحابة رضي الله عنهم السادس عشر لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من ناوأهم إلى يوم القيامة السابع عشر ثوبان مرفوعا لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله الثامن عشر أنس وقوم آخرون عنه عليه الصلاة والسلام ستفترق أمتي كذا وكذا فرقة كلها في النار إلا فرقة واحدة قيل ومن تلك

  31. الفرقة قال هي الجماعة وهذه الأخبار كلها مشتركة في الدلالة على معنى واحد وهو أن الأمة بأسرها لا تتفق على الخطأ وإذا اشتركت الأخبار الكثيرة في الدلالة على شئ واحد ثم إن كل واحد من تلك الأخبار يرويه جمع كثير صار ذلك المعنى مرويا بالتواتر من جهة المعنى

    vol. 4, p. 90الطريق الثاني الاستدلال وهو من وجهين أحدهما أن هذه الأخبار لو صحت لثبت بها أصل عظيم مقدم على الكتاب والسنة وما هذا شأنه كانت الدواعي متوفرة على البحث عنه بأقصى الوجوه أما الأولياء فلتصحح قال هذا الأصل العظيم بها وأما الأعداء فلدفع مثل هذا الأصل العظيم فلو كان في متنها خلل لاستحال ذهولهم عنه مع شدة بحثهم عنه وطلبهم له فلما لم يقدر أحد على الطعن فيها علمنا صحتها وثانيهما أنه قد ظهر من التابعين إجماعهم على أن الإجماع حجة وظهر منهم استدلالهم على ذلك بهذه الأخبار والاستقراء دل على أن أمتنا لا يجمعون على موجب خبر لأجل ذلك الخبر إلا ويكونون قاطعين بصحة ذلك الخبر فهذا يدل على قطعهم بصحة هذا الخبر

    vol. 4, p. 91الطريق الثالث أنا نسلم أن هذه الأخبار من باب الآحاد وندعي الظن بصحتها وذلك مما لا يمكن النزاع فيه

  32. ثم نقول إنها تدل على أن الإجماع حجة فيحصل حينئذ ظن أن الإجماع حجة وإذا كان كذلك وجب العمل به لأن دفع الضرر المظنون واجب وهذا الطريق أجود الطرق فنقول أما الطريق الأول وهو ادعاء التواتر فبعيد فإنا لا نسلم بلوغ مجموع هذه الأخبار إلى حد التواتر لأن العشرين بل الآلف لا يكون متواترا لأنه ليس يستبعد في العرف إقدام عشرين إنسانا على الكذب في واقعة معينة بعبارات مختلفة وبالجملة فهم مطالبون بإقامة الدلالة على أن مجموع هذه الروايات يستحيل صدوره عن الكذب سلمنا حصول القطع بهذه الأخبار في الجملة لكنكم إما أن تدعوا القطع بلفظها أو بمعناها أما القطع بلفظها فهو أن يقال إنا وإن جوزنا في كل واحد من هذه الأحاديث أن يكون كذبا إلا أنا نقطع بأن مجموعها يستحيل أن يكون كذبا بل لا بد أن يكون بعضها صحيحا

    vol. 4, p. 92وأما القطع بمعناها فهو أن يقال أن هذه الألفاظ على اختلافهما مشتركة في إفادة معنى واحد فذلك المشترك يصير مرويا بكل هذه الألفاظ فيصير ذلك المشترك منقولا بالتواتر فنقول إن أردتم الأول فهو مسلم لكن المقصود لا يتم إلا إذا بينتم أن كل واحد من هذه الألفاظ يدل على أن الإجماع حجة دلالة قاطعة إذ لو وجد فيها ما يدل على المطلوب لا على هذا الوجه لم يحصل الغرض

  33. لأن الذي ثبت عندكم ليس إلا صحه أحد هذه الأخبار فيحتمل أن يكون الصحيح هو ذلك الخبر الذي لا يدل دلالة قاطعة على حقية الإجماع لكنا نرى المستدلين بهذه الأخبار بعد فراغهم من تصحيح المتن يتمسكون بواحد منها على التعيين كقوله عليه الصلاة والسلام لا تجتمع أمتي على خطأ ويبالغون فيه سؤالا وجوابا ومعلوم أنه باطل وأما إن أردتم الثاني فنقول ذلك المعنى المشترك بين الأخبار إما أن يكون هو أن الإجماع حجة أو معنى يلزم منه كون الإجماع حجة فإن كان الأول فقد ادعيتم أنه نقل نقلا متواترا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الإجماع حجة ومعلوم أن ذلك باطل وإلا لكان العلم بكون الإجماع حجة جاريا مجرى العلم بغزوة بدر وأحد ولما وقع الخلاف فيه

    vol. 4, p. 93وأيضا فإنا نراكم بعد الفراغ من تصحيح متن هذه الأخبار تتمسكون بلفظ خبر واحد وتوردون عن عليه الأسئلة والأجوبة ولو كان ذلك منقولا على سبيل التواتر لكان ذلك الاستدلال عبثا وبهذا يظهر الفرق بين علمنا بشجاعة علي وسخاوة حاتم بسبب الأخبار المتفرقة وبين هذه المسألة فإنا بعد سماع تلك الأخبار المتفرقة لا نحتاج إلى الاستدلال ببعض تلك الأخبار على شجاعة علي بل يحصل العلم الضروري بذلك أما ها هنا فقد سلمتم أن بعد سماع هذه الأخبار نفتقر إلى الاستدلال ببعضها على هذا المطلوب فعلمنا أن كون الإجماع حجة ليس جزءا من مفهوم هذه الألفاظ

  34. وإن ادعتيم من أن هذه الأخبار دالة على معنى مشترك بين كلها وذلك المعنى يقتضي كون الإجماع حجة فلا بد من الإشارة إلى ذلك المعنى ثم من إقامة الدليل على أنه يلزم من ذلك المشترك كون الإجماع حجة وأنتم ما فعلتم ذلك فإن قلت القدر المشترك بين هذه الأخبار تعظيم أمر هذه الأمة وبعدها عن الخطأ وما يجري هذا المجرى قلت تدعون التواتر في مطلق التعظيم أو في تعظيم ينافي إقدامهم

    vol. 4, p. 94على الخطأ في شئ ما الأول مسلم ولا يفيد الغرض والثاني إدعاء للتواتر في نفس كون الإجماع حجة وقد تقدم إبطاله وأما الطريق الثاني وهو الاستدلال فضعيف قوله لو كانت هذه الأحاديث ضعيفة لطعنوا فيها قلت وقد طعنوا فيها بأنها من الآحاد فإن قلت إن أحدا من الصحابة والتابعين لم يقل إنها من الآحاد بل اتفقوا على أنها متواترة سلمنا أنهم طعنوا فيها من هذا الوجه لكن كان يجب أن يطعنوا فيها على سبيل التفصيل قلت الجواب عن الأول إن النقل عن المؤمنين أنهم جعلوها من باب التواتر ثبت بالتواتر أو

  35. بالآحاد

    vol. 4, p. 95الأول يقتضي كونها متواترة عندنا لأنه متى كان الخبر متواترا وصح عندكم بالتواتر كونها متواترة عندهم لزم كونها متواترة عندكم لكنكم في هذا المقام سلمتم أنها ليست كذلك والثاني يقتضي أن تكون هذه الأخبار من الآحاد لأن كونها متواترة عن الصحابة والتابعين لما لم يثبت عندنا إلا بالآحاد كانت عندنا من باب الآحاد لأن استواء الطرفين والواسطة معتبر في التواتر وعن الثاني أن نقول ليس كل من لا يعلم صحته وجب أن يعلم فساده فالصحابة والتابعون ما عرفوا صحة هذه الأخبار ولا فسادها بل ظنوا صحتها فلا يجب عليهم في هذه الحالة أن يطعنوا فيها على سبيل التفصيل وأما الوجه الثاني في الاستدلال وهو قوله الصحابة والتابعون اجمعوا على صحة الإجماع وانما اجمعوا على صحته لهذا الأخبار وعادة امتنا انهم لا يجمعون على موجب خبر لأجل ذلك الخبر إلا وكان الخبر مقطوعا به

    vol. 4, p. 96قلنا المقدمات الثلاثة ممنوعة فلا نسلم إجماع الصحابة والتابعين على صحة الإجماع سلمناه لكن لا نسلم أنهم إنما ذهبوا إلى ذلك لأجل هذه الأخبار بل

  36. إنما قالوا به لأجل الآيات فإن ادعوا التواتر في هذين المقامين كان ذلك مكابرة فإن تلك الأخبار أظهر بكثير من ادعاء هذين المقامين ولما لم يدعوا التواتر في تلك الأخبار فلأن لا يجوز ادعاؤه في هذين المقامين كان أولى سلمنا هما لكن لا نسلم أن عادتهم جارية بأنهم لا يجمعون على موجب خبر لأجل ذلك الخبر إلا وقد قطعوا بصحته ألا ترى أن الصحابة أجمعوا على حكم المجوس بخبر عبد الرحمن وأجمعوا على أن المرأة لا تنكح على عمتها ولا خالتها بخبر واحد وبالجملة فهم مطالبون بالدلالة على هذه العادة التي ادعوها فثبت بما ذكرنا ضعف هذه الوجوه وثبت أن الصحيح هو الطريق الثالث وهو أن نجعلها من أخبار الآحاد

    vol. 4, p. 97وعلى هذا لا نحتاج إلى تكثيرها بل كل واحد منها يكفي في الاستدلال المقام الثاني في كيفية الاستدلال التمسك بقوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على خطأ فإن قيل إن كان المراد بقوله أمتي كل من يؤمن به إلى يوم القيامة خرج الإجماع عن كونه حجة وإن كان المراد به الموجودين وقت نزول ذلك الخبر دل ذلك على أن إجماعهم حجة لكنا إنما نعرف إجماعهم إذا عرفناهم بأعيانهم وعرفنا بقاءهم إلى ما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك غير معلوم فحينئذ يخرج الإجماع عن كونه حجة

  37. سلمنا أن المراد بالأمة أهل كل عصر لكن لم قلت إن هذه اللفظة تدل على نفي الخطأ عنهم لاحتمال أن قوله لا تجتمع أمتي على خطأ جاء بسكون العين على أن يكون ذلك نهيا منه صلى الله عليه وسلم لأمته عن أن يجتمعوا على خطأ فاشتبه ذلك على الراوي فنقله مرفوعا على أن يكون خبرا

    vol. 4, p. 98سلمنا كونه خبرا لكن لم قلت إنه يدل على نفي الخطأ بأسره عنهم ولا نسلم أن النكرة في النفي تعم وإذا كان كذلك فإما أن نحمله على نفي السهو أن نفي الكفر جمعا بينه وبين الحديث المروي في هذا الباب وهو قوله صلى الله عليه وسلم أمتي لا تجتمع على ضلالة سلمنا كون الأمة مصيبين في كل أقوالهم وأفعالهم فلم لا يجوز مخالفتهم فإن المجتهد قد يكون مصيبا مع أن المجتهد الآخر يكون متمكنا من مخالفته والجواب أما السؤال الأول فمدفوع بسائر الأحاديث الواردة في هذا الباب وهي قوله صلى الله عليه وسلم لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وقوله ما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وقوله من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه قوله لعل هذا الحديث ورد على صيغة النهي قلنا عدالة الراوي تفيد ظن صحة تلك الرواية ومطلوبنا ها هنا الظن وإلا لو فتحنا هذا الباب لا نسد باب الاستدلال بأكثر

  38. النصوص

    vol. 4, p. 99ثم إنه مدفوع بسائر الأحاديث وأما أن النكرة في النفي تعم فقد تقدم بيانه في باب العموم قوله نحمله نفي السهو قلنا اجتماع الجمع العظيم على عدم السهو ممتنع ف لا يمكن ذكره في معرض التعظيم ولأنه لا يكون في تخصيص أمته بذلك فضيلة قوله نحمله على نفي الكفر كقوله صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أمتي على ضلالة قلنا كل حديث مستقل بنفسه ولأن الضلال لا يقتضي الكفر قال الله تعالى ووجدك ضالا فهدى وقال فعلتها إذن وأنا من الضالين قوله هب أن الأمة مصيبون في إجماعهم فلم لا تجوز مخالفتهم قلت لأن الأمة على قولين منهم من قال إن الإجماع حجة لا تجوز مخالفته

    vol. 4, p. 100ومنهم من قال أنه ليس بحجة فلو قلنا إنه حجة تجوز مخالفتها لكان قولا خارجا عن أقول الأمة فلو كان الحق ذلك لكانت الأمة متفقين على الخطأ وذلك باطل بالحديث المسلك الخامس دليل العقل وهو الذي عول عليه إمام الحرمين رحمه الله فقال إجماع الخلق

  39. العظيم على الحكم الواحد يستحيل أن يكون إلا لدلالة أو أمارة فإن كان لدلالة فقد كشف الإجماع عن وجود تلك الدلالة فيكون خلاف الإجماع خلافا لتلك الدلالة وإن كان لأمارة فقد رأينا التابعين قاطعين بالمنع عن مخالفة هذا الإجماع فلولا اطلاعهم على دلالة قاطعة مانعة من مخالفة هذا الإجماع وإلا لاستحال اتفاقهم على المنع من مخالفته وهذه الدلالة ضعيفة جدا لاحتمال أن يقال إنهم قد اتفقوا على الحكم لا لدلالة ولا لأمارة بل لشبهة وكم من المبطلين من