الباب الثالث في الخبر الذي يقطع بكونه كذبا

5 paragraphs · vol. 4, p. 291

  1. الباب الثالث في الخبر الذي يقطع بكونه كذبا وهو أربعة الأول الخبر الذي ينافي مخبره وجود ما علم بالضرورة سواء كان المعلوم بالضرورة حسيا أو وجدانيا أو بديهيا ومن هذا الباب قول القائل الذي لم يكذب قط أنا كاذب فهذا الخبر كذب لأن المخبر عنه بكونه كاذبا إما أن تكون الأخبار التي وجدت قبل هذا الخبر أو هذا الخبر والأول باطل لأن تلك الأخبار ما كانت كذبا فإخباره عن نفسه بكونه كاذبا فيها كذب والثاني باطل لأن الخبر عن الشئ يتأخر في الرتبة عن المخبر عنه فإن جعلنا الخبر عين المخبر عنه لزم تأخر الشئ عن نفسه في الرتبة وهو محال الثاني

    vol. 4, p. 291
  2. الخبر الذي يكون مخبره على خلاف الدليل القاطع ثم ذلك الخبر إما أن يحتمل تأويلا صحيحا أو لا يحتمله فإن احتمله فإما أن يحتمل تأويلا قريبا أو تأويلا متعسفا فإن كان قريبا جاز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تكلم به لإرادة ذلك

    vol. 4, p. 292المعنى كما في متشابهات الكتاب وإن كان متعسفا حكم إما بكذبه وإما بأنه كان معه زيادة أو نقصان يصح الكلام معه مع أنه لم ينقل وكذا القول فيما لا يقبل التأويل الثالث وهو في الحقيقة داخل تحت القسم الثاني الأمر الذي لو وجد لتوفرت الدواعي على نقله على سبيل التواتر إما لتعلق الدين به كأصول الشرع أو لغرابته كسقوط المؤذن من المنارة أو لهما جميعا كالمعجزات ومتى لم يوجد ذلك دل على كذبه والخلاف فيه مع الشيعة فإنهم جوزوا في مثل هذا الشئ أن لا يظهر لأجل الخوف والتقية لنا لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بين البصرة وبين بغداد بلدة أعظم منهما مع أن الناس ما أخبروا عنها ولجوزنا أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أوجب عشر صلوات لكن الأمة ما نقلت إلا خمسة ولما كان ذلك باطلا فكذا ما أدى إليه فإن قيل هذا الكلام ظلم لأن العلم بعدم هذه الأمور إما أن يكون متوقفا على العلم بأنه لو كان لوجب نقله أو لا يكون متوقفا عليه

  3. فإن كان الأول وجب أن يكون الشاك في الأصل شاكا في هذه الفروع لكن الناس كما يعلمون بالضرورة وجود بغداد والبصرة يعلمون بالضرورة عدم بلدة بينهما أكبر منهما والعلم الضروري لا يكون متوقفا على العلم النظري

    vol. 4, p. 293وإن كان الثاني فحينئذ العلم بعدم هذه البلدة غير متوقف على العلم بأنها لو كانت لنقلت فلا يلزم من عدم هذا عدم ذاك سلمنا توقف العلم بعدم هذه الأمور على العلم بأنها لو كانت لنقلت لكن ما ذكرتموه مثال واحد ولا يلزم من حصول الحكم في مثال واحد على وفق قولكم حصوله في كل الصور على وفق قولكم فإن قستم سائر الصور على هذه الصورة فقد بينا أن القياس لا يفيد اليقين لاحتمال أن يكون ما به فارق الأصل الفرع شرطا في الأصل أو مانعا في الفرع ثم الذي يبين أن الأمر ليس كذلك في كل الصور أمور أحدها أن إفراد الإقامة وتثنيتها من أظهر الأمور وأجلاها ثم إن ذلك لم ينقل بالتواتر وثانيها القول في هيئآت الصلاة من رفع اليدين والجهر بالتسمية كل ذلك أمور ظاهرة مع أنها لم تنقل نقلا متواترا وثالثها انشقاق القمر

  4. ونبوع الماء من بين الأصابع أمور عظيمة ثم إنها لم تنقل بالتواتر فإن قلت ذلك لأنهم استغنوا بنقل القرآن عن نقلها قلت لا نسلم حصول الاستغناء بنقل القرآن لأن كون القرآن معجزا أمر لا يعرف إلا بدقيق النظر والعلم بكون هذه الأشياء معجزات علم ضروري فكيف يقوم أحدهما مقام الآخر فلأن قلتم لا نزاع في حصول التفاوت من هذه الجهة ولكن لما كان القرآن دليلا قاطعا جاز أن يصير ظهوره واشتهاره سببا لفتور الدواعي عن نقل سائر المعجزات وإن كانت أظهر من القرآن فنقول لم لا يجوز أن يقال إن دلالة قوله تعالى إنما وليكم الله ورسوله

    vol. 4, p. 297ودلالة خبر الغدير والمنزلة على إمامة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وإن كانت خفية إلا أن ذلك صار سببا لفتور الدواعي عن نقل النص الجلي ورابعها أن أقاصيص الأنبياء المتقدمين والملوك الماضين ما نقلت نقلا متواترا وهو يقدح في قولكم والجواب قوله العلم بعدم الواقعة العظيمة أما أن يتوقف على العلم بأنها لو كانت لنقلت أو لا يتوقف قلنا يتوقف عليه

    vol. 4, p. 295
  5. قوله العلم بعدم بلدة بين البصرة وبغداد أكبر منهما علم ضروري وهذه القاعدة نظرية والضروري لا يستفاد من النظري

    vol. 4, p. 298قلنا لا نسلم أنه ضروري ولذلك فإن كل من ادعى نفي هذه البلدة إذا قيل له كيف عرفت عدمها فلا بد وأن يقول لأنها لو كانت موجودة لاشتهر خبرها كما اشتهر خبر بغداد والبصرة فعلمنا أن ذلك العدم مستفاد من هذا الأصل قوله ما ذكرته مثال واحد قلنا لم نذكر ذلك المثال لاختصاص دليلنا به بل للتنبيه على القاعدة الكلية قوله ينتقض بالإقامة قلنا اختلف أصحابنا في الجواب عنه على وجهين الأول وهو قول القاضي أبي بكر لعل المؤذن كان ينفرد مرة ويثنى أخرى فإن قلت فكان يجب أن ينقل بالتواتر كونه كذلك قلت يحتمل أن الراوي روى بعض ما رأى وأهمل الباقي لاعتقاده أن التساهل في مثل هذا الباب سهل ولا يتعلق به غرض أصلا في الدين نفيا وإثباتا والثاني لعلهم عرفوا أن هذه المسألة من الفروع التي لا يوجب الخطأ فيها كفرا ولا بدعة فلذلك تساهلوا فيها ولما تساهلوا فيها نسوا ما شاهدوه لا سيما وكانوا مشتغلين بالحروب العظيمة والذين شاهدوها في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم

    vol. 4, p. 299قتلوا وقلوا فصارت الرواية من باب الآحاد وأما اختلافهم في الجهر بالتسمية فعنه أيضا جوابان الأول لعل فعله فيه كان مختلفا الثاني أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا ابتدأ بالقراءة أخفى صوته ثم يعلو صوته على التدريج وعلى هذا التقدير يجوز أن يسمع جهره بالتسمية القريب دون البعيد وأما سائر المعجزات قلنا لعل الذين شاهدوا تلك الأشياء كانوا قليلين فلا جرم ما حصل النقل المتواتر فأما الذين سمعوا النص الجلي في الإمامة فان كانوا قليلين صارت الرواية من الآحاد فلا تكون حجة قطعية وإن كانوا بالغين حد التواتر وجب ظهور النقل وأما أقاصيص سائر الأنبياء فإنما لم تنقل بالتواتر لأنه لا يتعلق بروايتها غرض أصلي في الدين بخلاف النص الجلي في الإمامة الرابع الخبر الذي يروي في وقت قد استقرت فيه الأخبار فإذا فتش عنه فلم يوجد في بطون الكتب ولا في صدور الرواة علم أنه لا أصل له وأما في عصر الصحابة حين لم تكن قد استقرت الأخبار فإنه يجوز أن