القول في الشروط المختلف فيها

10 paragraphs · vol. 4, p. 429

  1. المسألة الأولى خبر الواحد إذا عارضه القياس فإما أن يكون خبر الواحد يقتضي تخصيص القياس أو القياس يقتضي تخصيص خبر الواحد وإما أن يتنافيا بالكلية فإن كان الأول فمن يجيز تخصيص العلة يجمع بينهما ومن لا يجيزه يجري هذا القسم مجرى ما إذا تنافيا بالكلية وإن كان الثاني كان ذلك تخصيصا لعموم خبر الواحد بالقياس وأنه جائز لأن تخصيص عموم الكتاب والسنة المتواترة بالقياس لما كان جائزا فها هنا أولى وأما الثالث وهو ما إذا كان كل واحد منهما مبطلا لكل مقتضيات الآخر فنقول ذلك القياس لا بد وأن يكون أصله قد ثبت بدليل وذلك الدليل إما أن

    vol. 4, p. 431
  2. يكون هو ذلك الخبر أو غيره فإن كان الأول فلا نزاع أن الخبر مقدم على القياس وإن كان الثاني فهذا يحتمل وجوها ثلاثة وذلك لأن القياس يستدعي أمورا ثلاثة

    vol. 4, p. 432أحدها ثبوت حكم الأصل وثانيها كونه معللا بالعلة الفلانية وثالثها حصول تلك العلة في الفرع ثم لا يخلو كل واحد من هذه الثلاثة إما أن تكون قطعية أو ظنية أو بعضها قطعي وبعضها ظني فإن كان الأول كان القياس مقدما على خبر الواحد لا محالة لأن هذا القياس يقتضي القطع وخبر الواحد يقتضي الظن ومقتضى القطع مقدم على مقتضى الظن وإن كان الثاني كان الخبر لا محالة مقدما على القياس لأن الظن كلما كان أقل كان بالأعتبار أولى وإن كان الثالث فهذا يحتمل أقساما كثيرة ونحن نعين منها صورة واحدة وهي أن يكون دليل ثبوت الحكم في الأصل قطعيا إلا أن كونه معللا بالعلة المعينة ووجود تلك العلة في الفرع ظنيا فها هنا اختلفوا فعند الشافعي رضي الله عنه الخبر راجح وعند مالك رحمه الله القياس راجح

    vol. 4, p. 433وقال عيسى بن أبان إن كان راوي الخبر ضابطا عالما وجب تقديم خبره

  3. على القياس وإلا كان في غير محل الاجتهاد وقال أبو الحسن البصري طريق ترجيح أحدهما على الآخر الاجتهاد فإن كانت أمارة القياس أقوى عنده من عدالة الراوي وجب المصير إليها وإلا فبالعكس ومن الناس من توقف فيه لنا وجوه الأول أن الصحابة كانوا يتركون اجتهادهم لخبر الواحد من ذلك قصة عمر رضي الله عنه في الجنين حتى قال كدنا نقضي فيه برأينا وفيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضا ترك اجتهاده في المنع من توريث المرأة من ديه زوجها وأيضا قال أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا

    vol. 4, p. 434وأيضا فإن أبا بكر رضي الله عنه نقض حكما حكم فيه برأيه لحديث سمعه من بلال فإن قلت إن أبن عباس رد خبر أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا استيقظ أحدكم من نومه حتى قال فما نصنع بمهراسنا قلت ظاهر هذا القول لا يقتضي رد الخبر وإنما هو وصف للمشقة في العمل بموجبه مع عظم المهراس سلمنا أنه ترك هذا الحديث لكن إنما تركه لأنه لا يمكن الأخذ به من حيث لا يمكن قلب المهراس على اليد

  4. فإن قلت ليس فيه تكليف ما لا يطاق لأنه كان يمكنهم غسل أيديهم من إناء اخر ثم ادخالها في المهراس قلت ومن أين يعلم أن قياس الأصول يقضي غسل اليدين من ذلك الإناء حتى يكون قد رد الخبر لذلك القياس الثاني أن قصة معاذ تقتضي تقديم الخبر على القياس الثالث أن التمسك بالخبر لا يتم إلا بثلاث مقدمات

    vol. 4, p. 435إحداها ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثانيتها دلالته على الحكم وثالثها وجوب العمل به والمقدمة الأولى ظنية والثانية والثالثة يقينية وأما التمسك بالقياس فلا يتم إلا بخمسن أن مقدمات أحداها ثبوت حكم الأصل وثانيتها كونه معللا بالعلة الفلانية وثالثتها

  5. حصول تلك العلة في الفرع ورابعتها عدم المانع في الفرع عند من يجيز تخصيص العلة وخامستها وجوب العمل بمثل هذه الدلالة والمقدمة الأولى والخامسة يقينية

    vol. 4, p. 436وأما الثانية والثالثة والرابعة فظنية وإذا كان كذلك كان العمل بالخبر أقل بالخبر أقل ظنا من العمل بالقياس فوجب أن يكون الخبر راجحا فإن قلت إذا كانت الأمارة الدالة على ثبوت الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ضعيفة والإمارات الدالة على المقدمات الثلاثة الظنية في جانب القياس قوية بحيث يتعارض ما في أحد الجانبين من الكمية بما في الجانب الآخر من الكيفية فها هنا يتعين الاجتهاد والرجوع إلى الترجيح قلت لو خلينا والعقل لكان الأمر كما ذكرت إلا أن الدليلين الأولين منعا منه المسألة الثانية إذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عمل بخلاف موجب الخبر فالخبر إما أن يكون متناولا للرسول صلى الله عليه وسلم أو غير متناول له فإن لم يتناوله لم يخل من أن يكون قد قامت الدلالة على أن حكمنا وحكمه صلى الله عليه وسلم فيه سواء أو لم تقم الدلالة على ذلك فإن لم يقم عليه دليل جاز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مخصوصا بذلك

  6. الحكم وعلى هذا التقدير لا يكون بين فعله وبين الخبر تناف فلا يرد الخبر لأجله وإن قامت الدلالة على أن حكمه صلى الله عليه وسلم وحكمنا فيه سواء نظر في الخبرين فإن أمكن تخصيص أحدهما بالآخر فعل وإن لم يمكن كان أحدهما متواترا عمل بالتواتر

    vol. 4, p. 437وإن لم يكونا متواترين عمل فيهما بالترجيح المسألة الثالثة عمل أكثر الأمة بخلاف الخبر لا يوجب رده وعمل أكثر الأمة بموجب الخبر لا يوجب قبوله لأن أكثر الأمة بعض الأمة وقول بعض الأمة ليس بحجة إلا أن ذلك وإن لم يكن حجة فإنه من المرجحات المسألة الرابعة الحفاظ إذا خالفوا الراوي في بعض ذلك الخبر فقد اتفقوا على أن ذلك لا يقتضي المنع من قبول ما لم يخالفوه فيه لأن ظاهر حاله الصدق ولم يوجد معارض فوجب قبوله وأما القدر الذي خالفوه فيه فالأولى أن لا يقبل لأنه وإن جاز أن يكونوا سهوا وحفظ هو لكن الأقوى أنه سها وحفظوا هم لأن السهو على الواحد أجوز منه على الجماعة

    vol. 4, p. 438المسألة الخامسة خبر الواحد إذا تكاملت شروط صحته هل يجب عرضه على الكتاب

  7. قال الشافعي رضي الله عنه لا يجب لأنه لا تتكامل شروطه إلا وهو غير مخالف للكتاب وعند عيسى بن أبان يجب عرضه عليه لقوله صلى الله عليه وسلم إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه المسألة السادسة لا شبهة في أن الناسخ يجب أن يكون غير مقارن للكتاب فإن علم أن خبر الواحد غير مقارن للكتاب لم يقبل لما ثبت أن نسخ الكتاب بخبر الواحد لا يجوز وإن شك فيه قبل عند القاضي عبد الجبار قال لأن الصحابة رفعت بعض أحكام القرآن لأخبار الآحاد ولم تسأل هل كانت مقارنة أم لا

    vol. 4, p. 439المسألة السابعة اختلفوا فيما إذا كان مذهب الراوي بخلاف روايته فالأول هو قول بعض الحنفية الراوي للحديث العام إذا خصه رجع إليه لأنه لما شاهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان أعرف بمقاصده ولذلك حملوا رواية أبي هريرة فولوغ الكلب أنه يغسل سبعا على الندب لأن أبا هريرة كان يقتصر على الثلاث الثاني وهو قول الكرخي أن ظاهر الخبر أولى

  8. والثالث أنه إن كان تأويل الراوي بخلاف ظاهر الحديث رجع إلى الحديث وإن كان هو أحد محتملات الظاهر رجع إلى تأويله وهو ظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه والرابع وهو قول القاضي عبد الجبار إن لم يكن لمذهبه وتأويله وجه إلا أنه علم بالضرورة قصد النبي صلى الله عليه وسلم إليه وجب المصير إليه وإن لم يعلم ذلك بل جوزنا أن يكون قد صار إليه لنص أو قياس وجب النظر في ذلك فإن اقتضى ما ذهب إليه صير إليه وإلا فلا وكذا إن كان الحديث مجملا وبينه الراوي كان بيانه أولى

    vol. 4, p. 440حجة الشافعي رضي الله عنه أن المقتضى وهو ظاهر اللفظ قائم والمعارض الموجود وهو مخالفة الراوي لا يصلح أن يكون معارضا لاحتمال أن يكون قد تمسك في تلك المخالفة بما ظنه دليلا مع أنه لا يكون كذلك فإن قلت الظاهر من دينه أنه لا يخالف إلا لدليل قلت دينه يمنعه عن الخطأ عمدا لا سهوا وغلطا وليس ها هنا ظاهر يدل على أنه كان من العلم بحيث لا يعرض له ذلك الخطأ المسألة الثامنة خبر الواحد إما أن يقتضي علما أو عملا فإن اقتضى علما فإما أن يكون في الأدلة القاطعة ما يدل عليه أو لا

  9. يكون فإن كان الأول جاز قوله لأنه لا يمتنع أن يكون عليه الصلاة والسلام قاله واقتصر به على آحاد الناس واقتصر بغيرهم على الدليل الآخر وإن كان الثاني وجب رده سواء اقتضى مع العلم عملا أو لم يقتضه لأنه لما كان التكليف فيه بالعلم مع إنه ليس له صلاحية إفاده العلم كان

    vol. 4, p. 441ذلك تكليفا بما لا يطاق اللهم إلا أن يقال لعله عليه الصلاة والسلام أوجب العلم به على من شافهه دون من لم يشافهه فإن ذلك جائز فأما إذا اقتضى عملا وكان البلوي به عاما فعندنا لا يجب رده وعند الحنفية يجب رده لنا وجوه أحدها عموم قوله تعالى ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وقوله إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا وثانيها أن خبر الواحد العدل في هذا الباب يفيد ظن الصدق فيكون العمل دافعا لضرر مظنون فيكون واجبا وثالثها رجوع الصحابة إلى عائشة رضي الله عنها في التقاء الختانين مع أن ذلك مما تعم به البلوي

    vol. 4, p. 442ورابعها

  10. أن البلوي عام بمعرفة أحكام القئ والرعاف والقهقهة في الصلاة ووجوب الوتر مع أنهم يقبلون خبر الواحد فيه وليس يعصمهم من ذلك أنه قد تواتر النقل بالوتر لأن وجوبها يعم به البلوي ولم يتواتر نقله واحتجوا بالإجماع والمعقول أما الإجماع فهو أن أبا بكر رد حديث المغيرة في الجدة ورد عمر خبر أبي موسى في الاسئذان وأما المعقول فهو أنه لو كان صحيحا لأشاعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولأوجب نقله على جهة التواتر مخافة أن لا يصل إلى من كلف به فلا يتمكن من العمل به ولو فعل ذلك لتوافرت على الدواعي إلى نقله على جهة التواتر والجواب عن الأول أنه أنما كان يجب ذلك الذي قلتم لو لم يقبلوا فيه إلا خبرا متواترا فأما إذا لم يقبلوا خبر الواحد وقبلوا خبر الأثنين فلا وقد قبلوا خبر الاثنين فيه فلم ينفعكم ذلك وعن الثاني أن ذلك يجب أن لو كان يتضمن علما أو أوجب العمل به على كل حال

    vol. 4, p. 443فأما إذا أوجبه بشرط أن يبلغه فليس فيه تكليف ما لا طريق إليه ولو وجب ذلك فيما تعم به البلوي لوجب في غيره لجواز أن لا يصل إلى من كلف به فإن قلتم هناك إنه كلف العمل به بشرط أن يبلغه قيل لكم مثله فيما تعم به البلوى