القسم الأول في إثبات أن القياس حجة

69 paragraphs · vol. 5, p. 21

Page 2 of 2

  1. وهذا الذي قاله الأصحاب جيد إلا أن الخصم لو كابر وقال لا أسلم خروج هذا المجموع عن كونه خبر واحد قلنا هب أنه كذلك فأيش يلزم قوله المسألة علمية قطعية فلا يجوز إثباتها بدليل ظني قلنا لا نسلم أنها قطعية بل هي عندنا ظنية لأن هذه المسألة عملية والظن قائم مقام العلم في وجوب العلم ألا ترى أنه لا فرق بين

    vol. 5, p. 87أن يعلم بالمشاهدة وجود الغيم الرطب المنذر بالمطر الذي يجب التحرز منه وبين أن يخبر بوجود مثل هذا الخيم مخبر لمن لا يمكنه مشاهدة الغيم في أنه يلزمه التحرز منه فكذا هاهنا لا فرق بين أن يتواتر النقل عن الشرع في أنا مأمورون بالقياس وبين أن يخبر نا به من يظن صدقه في وجوب العمل بالقياس وإن لم نعلم صدق المخبر بذلك وهذا الجواب قاطع للشغب بالكلية قوله على الوجه الأول لا يجوز أن يكون المراد من قول عمر اعرف الأشباه والنظائر الأمر بمعرفة ماهية كل جنس لئلا يدخل تحت النص المذكور في ذلك الجنس ما ليس منه ولا يخرج عنه ما هو منه قلنا مقدمة هذا الكلام ومؤخرته تبطل هذا الاحتمال وهو قول عمر رضي الله عنه الفهم عندما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في كتاب الله ولا سنة نبيه ثم اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك عند ذلك ثم اعمد إلى أحبها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق فيما ترى فمن تأمل هذا الكلام عرف أنه صريح في الأمر بالقياس الشرعي وهو الجواب أيضا عن قوله لم لا يجوز أن يكون المراد منه تشبيه

    vol. 5, p. 86
  2. الفرع بالأصل في أنه لا يثبت حكمه إلا بالنص قوله على الوجه الثاني لم لا يجوز أن يكون المراد منه أنه لم لا يسمى الجد أبا مجازا حتى يدخل تحت قوله وورثه أبواه كما سمى النافلة ابنا حتى دخل تحت قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم

    vol. 5, p. 88قلنا لا يجوز أن يكون إنكار ابن عباس على زيد لأجل امتناعه من المجاز في أحد الموضعين دون الثاني لأن حسن المجاز في أحد الموضعين لا يوجب حسنه في الموضع الثاني وبتقدير التساوي في الحسن لكن القطع به في أحد الموضعين لا يوجب القطع به في الموضع الثاني وإذا ثبت أن هذا الإنكار غير متوجه على التفرقة في إطلاق الاسم المجازى ثبت أنه متوجه على التفرقة في الحكم الشرعي فيكون ذلك تصريحا بالقياس الشرعي قوله لو كان المراد هو الحكم الشرعي لما نسبه إلى مفارقة التقوى قلنا لعل هذا القياس كان جليا عند ابن عباس وكان من مذهبه أن الخطأ في مثل هذا القياس يقدح في التقوى وأيضا فذلك محمول على المبالغة قوله على الوجه الثالث لم قلت إن مبالغتهم في تعظيم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوجب إظهار النص قلنا استقراء العرف يشهد به فإن من حكم بحكم غريب يخالفه فيه جمع يوافقونه على تعظيم شخص معين ووجد ذلك الإنسان حجة من قول ذلك الإنسان العظيم فإنه لابد أن يذكر لهم ذلك القول ويصرح به

    vol. 5, p. 89قوله إنما يذكر عند الحاجة إلى ذكره قلنا والحاجة إلى ذكره حاصلة مطلقا لأن من يعتقد أن مذهبه ثابت بالنص فلا بد أن يعلم أن مخالفه إنما خالفه إما لا لطريق أو لطريق مرجوح بالنسبة إلى طريقه أو مساوله أو راجح عليه وعلى التقديرين الأولين كان مخالفه مخالفا للنص وعلى التقدير الثالث يكون فرض كل واحد منها التوقف فتكون الفتوى بأحدهما محظورا وعلى التقدير الرابع يكون مخالفا للنص فإذن من أثبت مذهبه بالنص فإنه لا بد وأن يعتقد فيمن خالفه أو في نفسه كونه مخالفا للنص لكن شدة إنكارهم على مخالفة النص تقتضي شدة احترازهم عنها ولا طريق إلى ذلك الاحتراز إلا بذكر ذلك النص فثبت أن شدة تعظيمهم للرسول ص توجب عليهم أن يذكروا نصوصه على الإطلاق وبهذا ظهر الجواب عن قوله أنه لا يجب ذكر النصوص الخفية لأن الدليل الذي ذكرناه مطرد في الكل قوله لو أثبتوا مذاهبهم بالقياس لوجب عليهم أن يذكروه قلنا الفرق من وجوه

    vol. 5, p. 90أحدها أن إنكارهم على مخالف النص أقوى من إنكارهم على مخالف القياس فلم يلزم من ترك أقل الانكارين لأنه ترك أعظمها

  3. وثانيها أن الخواطر مستقلة بمعرفة العلل القياسية فلا يجب التنبيه عليها وهي غير مستقلة بمعرفة النصوص وذلك يقتضى وجوب التنبيه عليها فإن قلت لو لم يجب التنبيه على العلل القياسية لما حسنت المناظرات قلت ليس كل ما لا يجب لا يحسن وثالثها أن النصوص يجب اتباعها فيجب نقلها والأقيسة لا يجب اتباعها فلا يجب نقلها لأن عندنا كل مجتهد مصيب ورابعها أن النصوص يمكن الإخبار عنها على كل حال وأما الأمارات فقد يتعذر التعبير عنها وإن كانت مفيدة للظن مثل الأمارات في قيم المتلفات وأروش الجنايات ولذلك لا يتمكن المقوم من أن يذكر أمارة ملخصة في تقدير القيمة بالقدر المعين

    vol. 5, p. 91فإن قلت أليس أن فقهاء هذا الزمان يعبرون عن هذه الأمارات قلت المتأخر في كل علم يلخص ما لم يلخصه أخبرنا المتقدم سلمنا أنه يجب عليهم ذكر تلك الأقيسة لكن يجب ذكرها صريحا أو تنبيها الأول ممنوع والثاني مسلم وهاهنا قد نبهوا على العلل بالإشارة إلى الأصول التي ذكروها بيانه

  4. أنهم اتفقوا على أنه حكم قوله أنت على حرام أما أن يكون حكمه حكم الطلاق أو الظهار أو اليمين وعلة ذلك ظاهرة وهى أن قوله أنت على حرام لفظ موضوع للتحريم فيؤثر فيه إذا توجه إلى الزوجة كهذه المسائل ثم أن كل واحد منهم رجح الأصل الذي اختاره فمنهم رجح الاحتياط فجعله طلاقا ثلاثا ومنهم من رجح بالمتيقن فجعله طلقة واحدة ومنهم من جعله ظهارا لمشابهته إياه في اقتضاء التحريم ومباينته لصرائح الطلاق وكناياته ثم جعل كفارته كفارة الظهار أخذا بالاحتياط لأنها أغلظ من كفارة اليمين ومنهم من رجح بأن كفارة اليمين أقل الكفارات فيوجبها أخذا بالأقل

    vol. 5, p. 92فظهر أن ذكر هذه الأصول منبه على كيفية قياساتهم قوله لم قلت لو أظهروا تلك النصوص لوجب اشتهارها قلنا لأن هذه المسائل من المسائل التي يكثر وقوعها فكانت الحاجة إلى معرفة حكم الله تعالى فيها بالدليل شديدة وما كان كذلك فإن الدواعى تتوفر على حفظ النصوص الواردة فيها فهذا إن لم يفد القطع فلا أقل من الظن قوله تدعى أن تلك النصوص لو نقلت لعرفتها أنت أو لعرفه أحد ممن في هذا الزمان قلنا ندعى قسما ثالثا وهو أن يكون مشهورا في الكتب بحيث يجده كل من حاول طلبه

  5. قوله من ذهب إلى أنه يمين تمسك بقوله تعالى لم تحرم ما أحل الله لك إلى قوله قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم قلنا أن قوله تعالى لم تحرم ما أحل الله لك لا يدل على أنه إذا حرم فماذا حكمه ثم إن دل فإنما يدل على مذهب مسروق وأما قوله تعالى قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم فنقول ليس في

    vol. 5, p. 93الآية إلا أنه عليه الصلاة والسلام حرم ما أحل الله له فيجوز أن يكون قد حرمه بلفظ اليمين بأن كان قد حلف بأنه لا يقرب مارية بل هذا أولى لأن اليمين القسم بالله ولا شبهة في أن قوله أنت على حرام ليس قسما بالله فثبت أن هذه الآية لا دلالة فيها على حكم هذه المسألة وأيضا فلو نزلت هذه الآية بسبب قوله لماريه يا أنت على حرام لكان ذلك نصا في الباب وذلك يمنع من ذهاب كل واحد منهم في هذه المسألة إلى قول آخر لما بينا أن شدة إنكارهم على من خالف نصوصه يمنع منه قوله من حمله على الطلقات الثلاث جعله ككنايات الطلاق قلنا لاشك أن قوله أنت على حرام ليس من صرائح الطلاق وما أجمعوا على أنه من كنايات الطلاق فإذن لابد وأن يقال إن حكم هذا الكلام مثل حكم الصرائح والكنايات وهذا التشبيه نفس القياس بل لا نزاع في أنه بعد ثبوت هذه المشابهة يندرج تحت قوله إذا طلقتم النساء وقوله الطلاق

  6. مرتان قوله من حمله على الطلقة الواحدة فإنما حمله عليها أخذا بالمتيقن قلنا هذا إنما يثبت بعد أن نجعله من صرائح الطلاق أو كناياته

    vol. 5, p. 94وحينئذ فلا بد فيه من القياس قوله من حمله على الظهار فقد أجراه مجرى الظهار قلنا إن أردتم به أنه أجراه مجرى الظهار في الحكم فهذا هو القياس وإن أردتم غيره فبينوه قوله إن مسروقا تمسك بالبراءة الأصلية قلنا لا نسلم بل قاسه على قصتة من ثريد فإنه حكى عنه أنه قال لا فرق عندي بينه وبين قصعة من ثريد وأيضا فإن مسروقا كان من التابعين فإما أن يقال إنه عاصر الصحابة حين اختلفوا في هذه المسألة أو ما عاصرهم في ذلك الوقت فإن كان الأول كانت الصحابة تاركين للبراءة الأصلية بسبب القياس لما بينا أنهم ما ذهبوا إلى مذاهبهم لأجل النص وذلك يقتضى عمل بعض الصحابة بالقياس ولا مطلوب في هذا المقام إلا ذلك وإن كان الثاني كان إجماعهم حجة عليه

    vol. 5, p. 95قوله هب أنهم ما ذهبوا إلى تلك المذاهب لأجل النص فلم قلت ذهبوا إليها للقياس

  7. قلنا لأن كل من قال الصحابة لم يرجعوا في تلك الأقاويل إلى البراءة الأصلية ولا إلى النصوص الجلية أو الخفية قال إنهم عملوا فيها بالقياس هذا تمام الكلام في الوجه الثالث قوله على الوجه الرابع إن الرأى في أصل اللغة ليس للقياس قلنا هذا مسلم لكنا ندعى أنه في عرف الشرع اختص بالقياس وهذا وإن كان خلاف الأصل لكن الدليل قام عليه فإنكم رويتم عنهم كلاما كثيرا في ذم الرأى وقد ساعدنا خصومنا على أن المراد منه ذم القياس فعلمنا أن عرف الشرع يقتضي تخصيص اسم الرأى بالقياس وهذا تمام الكلام في المقدمة الأولى قوله إنهم صرحوا بالإنكار قلنا نعم ولكن التوفيق ما ذكروا قوله روايات الإنكار صريحة وروايات الاعتراف غير صريحة قلنا هب إنها غير صريحة لفظا لكنها صريحة بحسب الدلالة المذكورة فلم قلت إنه يبقى ما ذكرتموه من الترجيح قوله لعل المنكر انقلب مفردة وبالعكس قلنا لو وقع ذلك لاشتهر لأنه من الأمور العجيبة فحيث لم يشتهر

    vol. 5, p. 96دل على أنه لم يقع قوله لعلهم سكتوا خوفا قلنا استقراء حال الصحابة يفيد ظنا غالبا بشدة انقيادهم للحق

  8. وأما قدح النظام فيهم فقد سبق الجواب عنه في باب الأخبار قوله يجوز أن يكون سكوتهم لعدم علمهم بكونه حقا أو باطلا قلت هب أنهم كانوا متوقفين فيه في أول الأمر ولكن الظاهر أن بعد انقضاء الأعصار يظهر لهم كونه حقا أو باطلا قوله لعل كل واحد منهم اعتقد أن غيره أولى بالإنكار قلنا لا بد وأن يكون واحد منهم أولى بذلك أو يكون الكل في درجة واحدة وكيفما كان فأجماعهم لو على ترك الإنكار إجماع على الخطأ قوله حصل الرضا دفعة أولا دفعة قلنا الأصل في كل ثابت بقاؤه على ما كان قوله لا نعلم أنهم بأي أنواع القياس تمسكوا قلنا الإجماع الظاهر حاصل في أن القياس المناسب حجة قوله لم قلت إنه يلزم من جواز العمل بالقياس للصحابة جوازه لنا قلنا لا نعرف أحدا قال بالفرق فيكون الإجماع حاصلا ظاهرا فهذا تمام الكلام في هذه الطريقة

    vol. 5, p. 97وإنما استقصينا القول فيها جوابا وسؤالا لأنا رأينا الأصوليين يعولون عليها في كثير من مسائل هذا العلم وقد ذكرناها أيضا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب فأردنا أن نعرف مقدار قوتها وقد ظهر أنها لو أفادت شيئا ما أفادت إلا ظنا ضعيفا وأنه ليس الأمر كما يعتقده الجمهور من أنه يفيد إجماعا قاطعا المسلك السادس تقرير الإجماع على وجه آخر فنقول

  9. نعلم بالضرورة اختلاف الصحابة في المسائل الشرعية فإما أن يكون ذهابهم إلى ما ذهبوا إليه لا لطريق فيكون ذلك إجماعا على الخطأ وإنه غير جائز أو لطريق وهو إما أن يكون عقليا أو سمعيا لا يجوز أن يكون عقليا لأن العقل لا دلالة فيه إلا على البراءة الأصلية ويستحيل أن يكون قول واحد من المختلفين قولا بالبراءة الأصلية فثبت أنه كان سمعيا وهو إما أن يكون قياسيا أو نصا أو غيرهما أما القياس فهو المطلوب وأما النص فغير جائز لأن مخالف النص يستحق العقاب العظيم لقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها

    vol. 5, p. 98ونحن نعلم بالضرورة أن المختلفين منهم في المسائل الشرعية ما كان كل واحد منهم يعتقد في صاحبه كونه مستحقا للعقاب العظيم بسبب تلك المخالفة وأما الذي ليس بنص ولا قياس فباطل لأن كل من قال من الأمة إنهم لم يتمسكوا في تقرير أقوالهم بشئ من النصوص الجلية أو الخفية ولا بالبراءة الأصلية قال إنهم تمسكوا بالقياس فلو قلنا إنهم قالوا بتلك الأقاويل بشئ غير هذين القسمين كان ذلك قولا غير قولى كل الأمة وهو باطل فهذه الدلالة وإن كان يتوجه عليها كثير مما توجه على الوجه الذي

  10. قبله إلا أن كثيرا من تلك الأسئلة ساقط عنها المسلك السابع وهو المعقول أن القياس يفيد ظن الضرر فوجب جواز العمل به

    vol. 5, p. 99بيان الوصف أن من ظن أن الحكم في الأصل معلل بكذا وعلم أو ظن حصول ذلك الوصف في الفرع وجب أن يحصل له الظن بأن حكم الفرع مثل حكم الأصل ومعه علم يقيني بأن مخالفة حكم الله تعالى سبب العقاب فتولد من ذلك الظن وهذا العلم ترك العمل به سبب للعقاب فثبت أن القياس يفيد ظن الضرر بيان التأثير أن العاقل يعلم ببديهة عقله أنه لا يمكنه الخروج عن

    vol. 5, p. 100النقيضين ولا يمكنه الجمع بينهما بل يجب لا محالة ترجيح أحدهما على الآخر ونعلم بالضرورة أن ترجيح ما غلب على ظنه خلوه عن المضرة على ما غلب على ظنه اشتماله على المضرة أولى من العكس ولا معنى لجواز العمل بالقياس إلا هذا القدر فإن قيل دليلكم مبني على إمكان ما يدل على أن الحكم في الأصل معلل بعلة ثم على وجود ذلك الوصف في الأصل ثم على إمكان ما يدل على حصول ذلك الوصف في الفرع ثم على إنه يلزم من حصول ذلك الوصف في الفرع ظن حصول ذلك الحكم فيه

  11. وتقرير هذه المقامات الخمس سيأتي في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى سلمنا حصول هذا الظن فلم قلتم إن العمل به واجب قوله لأن ترجيح الخالى عن الضرر على المشتمل عليه متعين في بديهة العقل

    vol. 5, p. 101قلنا هذا منقوض بما أنه لا يجب على القاضي أن يعمل بقول الشاهد الواحد إذا غلب على ظنه صدقه وأن يعمل في الزنا بقول الشاهدين إذا غلب على ظنه صدقهما وبما إذا ظهرت مصلحة لا يشهد باعتبارها حكم شرعي ألبتة وبما إذا ادعى الرجل الذي غلب على الظن صدقه للنبوة وبما إذا غلب على ظن الدهرى واليهودى أو النصراني والكافر قبح هذه الأعمال الشرعية فإن غلبة الظن حاصلة في هذه الصور ولا يجوز العمل بها فإن قلت المظنة إنما تفيد الظن إذا لم يقم دليل قاطع على فسادها وفي هذه الصور قد قامت الدلالة على فسادها فلا يبقى الظن قلت فعلى هذا التقدير القياس إنما يفيد ظن دفع الضرر إذا لم يوجد دليل يدل على فساد القياس فيصير نفى ما يدل على فساد القياس جزءا من المقتضى لظن الضرر فعليكم أن تثبتوا أنه لم يوجد ما يدل على نفى القياس حتى يمكنكم ادعاء حصول ظن الضرر وبعد المجاوزة عن النقض نقول متى يجب الاحتراز عن الضرر

    vol. 5, p. 102المظنون إذا أمكن تحصيل العلم به أم إذا لم يمكن الأول ممنوع فإن الشئ الذي أمكن تحصيل العلم به فالاكتفاء بالظن مع جواز كونه خطأ اقدام على ما لا يؤمن كونه قبيحا مع إمكان الاحتراز عنه وهو غير جائز بالاتفاق والثاني مسلم ولكن إنما يجوز الاكتفاء بالظن في الوقائع الشرعية إذا بينتم أنه لا طريق إلى تحصيل العلم بها ألبتة وذلك إنما يصح لو ثبت أنه لم يوجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله ص ما يدل على احكام تلك الوقائع ولم يوجد في الزمان إمام معصوم يعرفنا تلك الأحكام فان بتقدير وجود أحد هذه الأمور كان تحصيل اليقين بالحكم ممكنا سلمنا إنه لا طريق إلى تحصيل العلم بها لكن لما قلت إنه لم يوجد ما يقتضى ظنا هو أقوى من الظن الحاصل بالقياس فان بتقدير إمكان ذلك كان التعويل على القياس اكتفاء بأضعف الظنين مع القدرة على تحصيل الأقوى وأنه غير جائز ثم نقول إن دل على ما ذكرتموه على صحة القياس فمعنا ما يدل على

    vol. 5, p. 103فساده وهو الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وإجماع العترة والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى لا تقدموا بين يدي الله ورسوله والقول بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وأله وسلم وقوله تعالى وأن تقولوا على الله مالا تعلمون ولا تقف ما ليس لك به علم والقول بالحكم في الفرع لأجل القياس قول بالمظنون

  12. لا بالمعلوم وأيضا قال الله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله تعالى وأيضا قال الله تعالى ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ما فرطنا في الكتاب من شئ فهذه الآية دالة على اشتمال الكتاب على الأحكام الشرعية بأسرها فإذن كل ما ليس في الكتاب وجب أن لا يكون حقا وعند ذلك نقول ما دل عليه القياس إن دل عليه الكتاب فهو ثابت بالكتاب لا بالقياس

    vol. 5, p. 104وإن لم يدل عليه الكتاب كان باطلا وأقوى ما تمسكوا به من الآيات قوله تعالى إن الظن لا يغني من الحق شيئا وجه الاستدلال به أن في القياس الشرعي لا بد وأن يكون تعليل الحكم في الأصل وثبوت تلك العلة في الفرع ظنيا ولو وجب العمل بالقياس لصدق على ذلك الظن أنه أغنى من الحق شيئا وذلك يناقض عموم النفى فإن قلت يشكل التمسك بهذه النصوص بالفتوى والشهادات وأمارات القبلة قلت تخصيص العام في بعض الصور لا يخرجه عن كونه حجة وأما السنة فخبران الأول

  13. قوله عليه الصلاة والسلام تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا الثاني قوله عليه الصلاة والسلام تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة

    vol. 5, p. 105أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحرمون الحلال ويحللون الحرام فإن قلت خبر الواحد لا يعارض الدليل العقلى الذي ذكرناه قلت الدليل الذي ذكرتموه هو أن القياس يفيد الضرر المظنون فيجب الاحتراز عنه ولا شك أن خبر الواحد يفيد الظن فإذا ورد في المنع من القياس أفاد ظن أن التمسك به سبب الضرر وذلك يوجب الاحتراز عنه وأما إجماع الصحابة فهو أنه نقل عن كثير منهم التصريح بذم القياس على ما تقدم بيانه ولم يظهر من أحد منهم الإنكار على ذلك الذم وذلك يدل على انعقاد الإجماع على فساد القياس فإن قلت هذا معارض بأنه نقل عنهم أنهم اختلفوا في مسائل مع إنه لا طريق لهم إلى تلك المذاهب إلا القياس قلت ما ذكرناه أولى لأن التصريح راجح على ما ليس بتصريح وأما إجماع العترة فلأنا كما نعلم بالضرورة بعد مخالطة

    vol. 5, p. 106أصحاب النقل أن مذهب الشافعي رضي الله عنه وأبي حنيفة ومالك رحمهما الله القول بالقياس فكذا نعلم بالضرورة أن مذهب أهل

  14. البيت كالصادق يكون والباقر إنكار القياس وقد تقدم في باب الإجماع أن إجماع العترة حجة وأما المعقول فمن وجوه الأول لو جاز العمل بالقياس لما كان الاختلاف منهيا عنه لكنه منهي عنه فالعمل بالقياس غير جائز بيان الملازمة أن العمل بالقياس يقتضى اتباع الأمارات وذلك يقتضى وقوع الاختلاف لا محالة ووقوع ذلك شاهد على صحة ما قلناه بيان أنه لا تجوز المخالفة قوله تعالى ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم الثاني أن الرجل لو قال أعتقت غانما لسواده فقيسوا عليه لم يعتق سائر عبيده السود فضلا عما إذا لم يأمر بالقياس فإذا قال الله تعالى حرمت الربا في البر فكيف يجوز القياس عليه فهذا كله كلام من لم يمنع القياس عقلا

    vol. 5, p. 107أما المانعون منه عقلا فقد ذكرنا أن منهم من خص ذلك المنع بهذا الشرع أما المانعون منه عقلا فقد ذكرنا أن منهم من خص ذلك المنع بهذا الشرع ومنهم من منعه في كل الشرائع

  15. أما الأول فهو قول النظام واحتج عليه بأن مدار هذا الشرع على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات وذلك يمنع من القياس في هذا الشرع بيان الأول بصور إحداهما أنه جعل بعض الأزمنة والأمكنة أشرف من بعض مع استواء الكل في الحقيقة قال الله تعالى ليلة القدر خير من ألف شهر وفضل الكعبة على سائر البقاع وثانيتها جعل التراب طهورا مع أنه ليس بغسال مع بل يزيد في تشويه الخلقة وثالثتها فرض الغسل من المنى والرجيع أنتن منه ورابعتها نهانا عن إرسال السبع على مثله وأقوى منه ثم أباح إرساله على البهيمة الضعيفة وخامستها نقص من صلاة المسافر الشطر مما كان عدده أربعا وترك ما كان ركعتين

    vol. 5, p. 108وسادستها أسقط الصوم والصلاة على الحائض ثم أوجب عليها قضاء الصوم مع أن الصلاة أعظم قدرا من الصوم

  16. وسابعتها جعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن والمائة من الجوارى الحسان لا يحصن وثامنتها حرم النظر إلى شعر العجوز الشوهاء مع أنها لا تفتن الرجال الشبان ألبتة وأباح النظر إلى محاسن الأمة الحسناء مع لأنها تفتن الشيخ وتاسعتها قطع سارق القليل وعفى عن غاصب الكثير وعاشرتها جلد بالقذف بالزنا ولم يجلد بالقذف بالكفر وحادية عشرها قبل في الكفر والقتل شاهدين ولم يقبل في الزنا إلا أربعة وهو دونهما وثانية عشرها جلد قاذف الحر الفاجر وعفا عن قاذف العبد العفيف وثالثة عشرها أوجب على الصبية المتوفى عنها زوجها العدة وفرق في العدة بين

    vol. 5, p. 109الموت والطلاق مع أن حال الرحم لا يختلف فيهما ورابعة عشرها جعل استبراء الأمة بحيضة والحرة المطلقة بثلاث حيض وخامس عشرها يخرج الريح من موضع الغائط وفرض تطهير موضع آخر مع أن غسل

  17. ذلك المكان أولى إذا ثبت هذا فنقول إن مدار القياس على أن الصورتين لما تماثلتا في الحكمة والمصلحة وجب استواؤهما في الحكم لكن هذه المقدمة لو كانت حقة لامتنع التفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات في تلك الصور فلما لم يمتنع ذلك علمنا فساد تلك المقدمة وإذا فسدت تلك المقدمة بطل القول بالقياس وأما الذين منعوا من القياس في كل الشرائع فقد عرفت أنهم ثلاث فرق الفرقة الأولى الذين أنكروا كون القياس طريقا إلى الظن وهؤلاء قد تمسكوا بوجوه أحدها أن البراءة الأصلية معلومة والحكم الثابت بالقياس إما أن يكون على وفق البراءة الأصلية أو لا على وفقها فإن كان على وفقها لم يكن في القياس فائدة

    vol. 5, p. 110وان كان على خلافها كان ذلك القياس معارضا للبراءة الأصلية لكن البراءة الأصلية دليل قاطع والقياس دليل ظنى والظنى إذا عارض اليقينى كان الظنى باطلا فيلزم كون القياس باطلا وثانيها أن القياس لا يتم في شئ من المسائل إلا إذا سلمنا أن الأصل في كل شئ بقاؤه على ما كان إذ لو لم يثبت ذلك فهب أن الشارع أمر بالقياس ولكن كيف يعرف أنه بقى ذلك التكليف

  18. وإذا نص على حكم الأصل فكيف يعرف أن ذلك الحكم باق في هذا الزمان فثبت أن القياس لا يتم إلا مع المساعدة على هذا الأصل إذا ثبت ذلك فنقول الحكم المثبت بالقياس إما أن يكون نفيا أو إثباتا فإن كان نفيا فلا حاجة فيه إلى القياس لأنا علمنا أن هذا الحكم كان معدوما في الأزل والأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان فيحصل لنا ظن ذلك العدم فيكون إثبات ذلك الظن بالقياس مرة أخرى عبثا فإن قلت ثبوته بدليل لا يمنع من ثبوته بدليل آخر قلت نعم ولكن بشرط ان لا يفتقر الدليل الثاني إلى الأول وأما إذا افتقر إلية كان التمسك بالدليل الثاني تطويلا محضا من غير فائدة وأما إن كان الحكم المثبت بالقياس إثباتا فنقول قد بينا أن قولنا إن الأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان يقتضي ظن عدم ذلك الحكم

    vol. 5, p. 111في الحال فلو اقتضى القياس ثبوته في الحال مع أن القياس متفرع على تلك المقدمة لزم وقوع التعارض بين تلك المقدمة التي هي الأصل وبين القياس الذي هو الفرع ولا شك أن في مثل هذا التعارض يجب ترجيح الأصل على الفرع فوجب القطع هاهنا بسقوط القياس وثالثها أن القياس لا يفيد ظن الحكم إلا إذا ظننا كون الحكم في الأصل معللا بالوصف الفلانى وذلك الظن محال لما سيأتي في الباب الثاني أن تعليل الحكم الشرعي محال الفرقة الثانية الذين سلموا أن القياس يفيد الظن لكنهم قالوا لا يجوز التكليف بإتباع

  19. الظن قالوا لأن الظن قد يخطئ وقد يصيب فالأمر به أمر بما يجوز أن يكون خطأ وذلك غير جائز الفرقة الثالثة الذين قالوا يجوز التكليف بإتباع الظن لكنه غير جائز هاهنا قالوا لأن الاكتفاء بالقياس اقتصار على أدون البابين مع القدرة على أعلاهما وذلك غير جائز إنما قلنا إنه اقتصار على أدون البابين لأنا نعلم بالضرورة أن تنصيص صاحب الشرع أظهر في باب البيان من التفويض إلى القياس

    vol. 5, p. 112وإنما قلنا إنه مع القدرة على أعلاهما لأنه لا امتناع في التنصيص على أحكام القواعد الكلية واحترزنا بهذا عن الشهادة والفتوى وقيم المتلفات وأروش الجنايات والتمسك بالأمارات في معرفة القبلة والأمراض والأرباح والأمور الدنيوية لأن هذه الأشياء تختلف بأختلاف الأشخاص والأوقات والأمكنة والاعتبارات فالتنصيص عليها كالتنصيص على مالا نهاية له وهو محال وإنما قلنا إن الاقتصار على أدون البابين مع القدرة على أعلاهما غير جائز لأنه إذا لم يقع البيان على أقصى الوجوه حسن من المكلف أن يحمل اليقين على صعوبة البيان لا على تقصير نفسه فالإتيان بكمال البيان إزاحة لعذر المكلف فيكون كاللطف سعيد وترك المفسدة في الوجوب والجواب أما النقوض فقد ذكرنا أن الدليل الشرعي لما قام على عدم الالتفات إلى تلك المظان لم يبق الظن

  20. قوله فحينئذ يصير عدم الدليل المبطل للقياس جزء من المقتضى قلنا ليس كل ما وجدده يمنع من عمل المقتضى كان عدمه جزء من المقتضي فإن الذي يمنع الثقيل من النزول لا يصير عدمه جزء المقتضى للنزول لاستحالة كون العدم من العلة الوجودية قوله جواز الرجوع إلى الظن في الشرعيات مشروط بعدم التمكن من تحصيل العلم

    vol. 5, p. 113قلنا لا نسلم فإنه إذا حصل الظن الغالب بسبب القياس بأشتمال بكر أحد الطرفين على المفسدة والآخر على المصلحة فإلى أن يستقصى في طلب العلم لابد في الحال من أن يرجح أحد الطرفين على الآخر لامتناع ترك النقيضين وصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز ترجيح المرجوح فتعين ترجيح الراجح وهو الجواب أيضا عن الإمام المعصوم وأما المعارضات فنقول أما التمسك بالآيات فالجواب عنها أن الدلالة لما دلت على وجوب العمل بهذا الظن صار كأن الله تعالى قال مهما ظننت أن هذه الصورة تشبه تلك الصورة في علة الحكم فاعلم قطعا أنك مكلف بذلك الحكم وحينئذ يكون الحكم معلوما لا مظنونا ألبتة وأما الأحاديث فهي معارضة بالأحاديث الدالة على العمل بالقياس وطريق التوفيق أن نصرف الأمر بالقياس إلى بعض أنواعه والنهي إلى نوع آخر وأما إجماع الصحابة فقد سبق الجواب عنه

  21. وأما إجماع العترة فممنوع وروايات الإمامية معارضة بروايات الزيدية فانهم ينقلون عن الأئمة جواز العمل بالقياس قوله العمل بالقياس يستلزم وقوع الاختلاف

    vol. 5, p. 114قلنا وكذا العمل بالأدلة العقلية والنصوص يستلزم وقوع الخلاف فما هو جوابكم هناك فهو جوابنا هاهنا قوله لو قال لوكيله أعتق غانما لسواده فإنه لا يعتق عليه كل عبيده السود قلنا إنه لو صرح بعد ذلك فقال قيسوا عليه سائر عبيدي لم يعتق عليه سائر عبيده ولو نص الله تعالى على حكم ثم قال قيسوا عليه فلا نزاع في جواز القياس فظهر الفرق بين الصورتين والسبب فيه أن حقوق العباد مبنية على الشح والضنة لكثرة حاجاتهم وسرعة رجوعهم عن دواعيهم وصوار فهم وأما شبه النظام فجوابها أن غالب أحكام الشرع معلل برعاية المصالح المعلومة والخصم إنما بين خلاف ذلك في صور قليلة جدا وورود الصور النادرة على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن كما أن الغيم الرطب إذا لم يمطر نادرا لا يقدح في ظن نزول المطر منه

    vol. 5, p. 116قوله البراءة الأصلية معلومة والقياس دليل ظنى والظن لا يعارض اليقين قلنا ينتقض ذلك بجواز العمل بالفتوى والشهادة وتقويم المقومين وبجواز العمل بالظن في الأمور الدنيوية

  22. قوله القياس إما أن يرد على وفق حكم الأصل أو على خلافه قلنا ينتقض بالأمور المذكورة قوله الظن قد يخطئ وقد يصيب قلنا ينتقض بالأمور المذكورة قوله الاكتفاء بالقياس اكتفاء بأدون البابين مع القدرة على أعلاهما قلنا إنه كذلك فلم لا يجوز فإن قالوا لأنه لطف واللطف واجب

    vol. 5, p. 117قلنا الكلام على هذه الطريقة سبق في باب الإجماع على الاستقصاء المسألة الثانية قال النظام النص على علة الحكم يفيد الأمر بالقياس وهو قول أبي الحسين البصري وجماعة من الفقهاء ومنهم من أنكره وهو المختار وقال أبو عبد الله البصري أن كانت العلة علة في الفعل لم يكن التنصيص عليها تعبدا بالقياس وأن كانت علة في الترك كان التنصيص عليها تعبدا بالقياس لنا أن قوله حرمت الخمر لكونها مسكرة يحتمل أن تكون العلة هي الإسكار وأن تكون العلة هي إسكار الخمر بحيث يكون قيد كونه مضافا إلى الخمر معتبرا في العلة وإذا احتمل الأمرين لم يجز القياس إلا عند أمر

  23. مستأنف بالقياس فإن قيل لا نسلم أن قيد كون الإسكار في ذلك المحل يحتمل أن يكون جزء من العلة فإنا لو جوزنا ذلك للزمنا تجويز مثله في العقليات حتى نقول هذه الحركة إنما اقتضت المتحركية لقيامها بهذا المحل فالحركة القائمة لا بهذا المحل لا تكون علة للمتحركية

    vol. 5, p. 118قد سلمنا إمكان كونه معتبرا في الجملة لكن العرف يدل على سقوط هذا القيد عن درجة الاعتبار لأن الأب إذا قال لأبنه لا تأكل هذه الحشيشة لأنا سم يقتضى منعه من أكل حشيشة تكون سما وإذا ثبت ذلك في العرف ثبت مثله في الشرع لقوله عليه الصلاة والسلام ما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن سلمنا أنه غير ساقط في العرف إلا أن الأغلب على الظن سقوطه لأن علة الحكم وجب أن تكون منشأ الحكمة ولا مفسدة في كون الإسكار قائما بهذا المحل أو بذاك بل منشأ المفسدة كونه مسكرا فقط فإذا غلب على ظننا ذلك وجب الحكم به احترازا عن الضرر المظنون سلمنا أن هذا القيد غير ظاهر لكن دليلكم إنما يتمشى فيما إذا قال الشارع حرمت الخمر لكونها مسكرة أما لو قال علة حرمة الخمر إنما هي الإسكار لا يبقى ذلك الاحتمال سلمنا أن دليلكم يمنع من القياس لكن هاهنا ما يدل على جوازه فإن قول الشارع حرمت الخمر لكونها مسكرة يقتضى إضافة الحرمة إلى الإسكار وذلك يدل على أن العلة هي الإسكار فوجب أن يترتب الحكم عليه أينما وجد

  24. وأما من فرق بين الفعل والترك فقد قال إن من ترك أكل رمانة لحموضتها وجب عليه أن يترك أكل كل رمانة حامضة أما من أكل رمانة لحموضتها لا يجب عليه أن يأكل كل رمانة حامضة والجواب قوله هذا الاحتمال قائم في الحركة

    vol. 5, p. 119قلنا إن عنيت بالحركة معنى يقتضى المتحركية فهذا المعنى يمتنع فرضه بدون المتحركية وإن عنيت بالحركة شيئا آخر بحيث يبقى فيه هذا الاحتمال فهناك نسلم أنه لابد في إبطال ذلك الاحتمال من دليل منفصل قوله العرف يقتضى إلغاء هذا القيد قلنا ذاك إنما عرف بالقرينة وهي أن شفقته تمنع من تناول كل ما يقتضى ضررا فلم قلت أن هذا المعنى حاصل في العلة المنصوصة قوله الغالب على الظن إلغاء هذا القيد قلنا هب أن الأمر كذلك ولكن إنما يلحق الفرع بالأصل لأنه لما غلب على ظننا كونه في معناه ثم الدليل دل على وجوب الاحتراز من الضرر المظنون فحينئذ يجب علينا أن نحكم في الفرع بمثل حكم الأصل ولكن هذا هو الدليل الذي دل على كون القياس حجة فالتنصيص على علة الحكم لا يقتضى ثبات مثله في الفرع إلا مع الدليل الدال على وجوب العمل بالقياس قوله لو صرح بأن العلة هي الإسكار لا يبقى فيه هذا الاحتمال قلنا في هذه الصورة نسلم أنه أينما حصل الإسكار حصلت

  25. الحرمة لكن ذلك ليس بقياس لأن العلم بأن الإسكار من حيث هو إسكار

    vol. 5, p. 120يقتضى الحرمة يوجب العمل بثبوت هذا الحكم في كل محالة ولم يكن العلم بحكم بعض تلك المحال متأخرا عن العلم بالبعض فلم يكن جعل البعض فرعا والآخر أصلا أولى من العكس فلا يكون هذا قياسا بل إنما يكون قياسا لو قال حرمت الخمر لكونها مسكرة فحينئذ يكون العلم بثبوت هذا الحكم في الخمر أصلا للحكم به في النبيذ ومتى قال على هذا الوجه انقدح الاحتمال المذكور قوله إن قوله حرمت الخمر لكونها مسكرة يقتضى إضافة الحرمة إلى نفس الأسكار قلنا لا نسلم فلعل قيد كون الاسكار فيه معتبر في العلية على ما حققناه قوله من ترك أكل رمانة لحموضتها يجب عليه أن يترك الكل قلنا لا نسلم لاحتمال أن يكون الداعي له إلى الترك لا مطلق حموضة الرمانة بل حموضة هذه الرمانة وإنها غير حاصلة في سائر الرمانات وفي سلمناه ولكن لا فرق في ذلك بين الفعل والترك قوله من أكل رمانة لحموضتها لا يجب عليه أن يأكل كل رمانة حامضة

    vol. 5, p. 121قلنا ذاك لأنه ما أكلها لمجرد حموضتها بل لأجل حموضتها مع

  26. قيام الاشتهاء الصادق لها وخلو المعدة عن الرمان وعلمه بعدم تضرره بها وهذه القيود بأسرها لم توجد في أكل الرمانة الثانية المسألة الثالثة إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه قد يكون ظاهرا جليا وقد لا يكون كذلك فالأول كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف ومن الناس من قال المنع من التأفيف منقول بالعرف عن موضوعه اللغوى إلى المنع من أنواع الأذى لنا وجهان الأول أن المنع من التأفيف لو دل عليه لدل عليه إما بحسب الموضوع اللغوى أو بحسب الموضوع العرفي والأول باطل بالضرورة لأن التأفيف غير الضرب فالمنع من التأفيف لا يكون منعا من الضرب والثاني أيضا باطل لأن النقل العرفي خلاف الأصل وأيضا فلو ثبت أن النقل في العرف لما حسن من الملك إذا استولى على عدوه أن ينهى الجلاد عن صفعه والاستخفاف به وإن كان يأمره بقتله وإذا بطلت دلالة اللفظ عليه علمنا أن تحريم الضرب مستفاد من القياس

    vol. 5, p. 122واحتج المخالف بأمور أحدها

  27. لو كان مستفادا من القياس لوجب فيمن لا يقول بصحة القياس أن لا يعلم ذلك وثانيها أنه يلزم أن لا يعلم العاقل حرمة ضربهما لو منعه الله عن القياس الشرعي وثالثها أجمعنا على أن قوله فلان لا يملك حبة يفيد في العرف أنه لا شئ له ألبتة وكذا قولهم لا يملك نقيرا ولا قطميرا يفيد أنه ليس له شئ ألبتة وإن كان النقير في أصل اللغة عبارة عن النقرة التي على ظهر النواة والقطمير عبارة عما في شق النواة وكذلك قولهم فلان مؤتمن على قنطار فإنه يفيد في العرف كونه أمينا على الإطلاق وإنما حكمنا في هذه الألفاظ بالنقل العرفى لتسارع الفهم إلى هذه المعاني العرفية فوجب أن تكون حرمة التأفيف موضوعة في العرف للمنع من الإيذاء لتسارع الفهم إليه والجواب عن الأول أن القياس قد يكون يقينيا وقد يكون ظنيا أما الأول فكمن علم علة الحكم في الأصل ثم علم حصول مثل تلك العلة في الفرع فإنه لابد وأن يعلم ثبوت الحكم في الفرع

    vol. 5, p. 123أما الثاني فكما إذا كانت إحدى المقدمتين أو كلاهما مظنونة والقياس في هذه المسألة من النوع الأول فلا جرم لا يمكن أن يكون القادح في صحة القياس الظنى قادحا في صحة هذا القياس

  28. وهذا هو الجواب بعينه عن الثاني أما الثالث فقوله ليس لفلان حبة يفيد نفى الأكثر من الحبة لأن الأكثر من الحبة يوجد فيه الحبة أما ما نقص من الحبة فلا يتعرض له كلامه وأما النقير والقطمير فقد حكمنا فيه بالنقل العرفي للضرورة ولا ضرورة في مسألتنا وأما قوله فلان مؤتمن على قنطار فأنما يفيد كونه مؤتمنا على ما دون القنطار لأن ما دون القنطار داخل في القنطار فأما ما فوقه فلا يدخل فيه المسألة الرابعة ثبوت الحكم في الأصل إما أن يكون يقينيا أو لا يكون فإن كان يقينيا استحال أن يكون ثبوت الحكم في الفرع أقوى منه لأنه ليس فوق اليقين درجة أما إذا لم يكن يقينيا فثبوت الحكم في الفرع إما أن يكون أقوى من ثبوته في الأصل أو مساويا له أو دونه

    vol. 5, p. 124مثال الأول قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف فإن تحريم الضرب وهو الفرع أقوى ثبوتا من تحريم التأفيف الذي هو الأصل ومثال الثاني قوله عليه الصلاة والسلام لا يبولن أحدكم في الماء الراكد فأنا نقيس عليه ما إذا بال في الكوز ثم صبه في الماء الراكد ولا تفاوت بين الحكم في الأصل والفرع وهذا هو الذي يسمى بالقياس في معنى الأصل ومثال الثالث جميع الأقيسة التي يتمسك الفقهاء بها في مباحثهم وأما مراتب التفاوت فهي بحسب مراتب الظنون ولما كانت مراتب

  29. الظنون محصورة فكذا القول في مراتب هذا التفاوت