ذكر ما تعلق به المانعون
5 paragraphs · vol. 6, p. 137
- vol. 6, p. 137
المسألة الخامسة اختلفوا في أنه هل يجوز أن يقول الله تعالى للنبي ص
-
أو للعالم احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب فقطع بوقوعه مويس بن عمران وقطع جمهور المعتزلة بامتناعه وتوقف الشافعي رضي الله عنه في امتناعه وجوازه وهو المختار وصحة هذا التوقف لا تظهر إلا بالاعتراض على أدلة القاطعين أما المانعون ففقد تعلقوا تارة بما يدل على امتناع وقوعه وأخرى بما يدل على عدم وقوعه أما الوجه الأول فتقريره أن من أجاز هذا التكليف إما أن يجعل الاختيار
vol. 6, p. 138مما تتم به المصلحة أو يجعل الفعل مصلحة في نفسه ثم يختاره المكلف والأول باطل لوجهين أحدهما أن على هذا التقدير يسقط التكليف لأن المكلف متى قال إن اخترته فافعله وإن لم تختره فلا تفعله فهذا محض إباحة وثانيهما أن المكلف لا ينفك عن الفعل والترك ولا يجوز تكليف المرء بما لا يمكنه الإنفكاك عنه بخلاف التخيير في الكفارات الثلاث فإنه يمكنه الانفكاك عنها أجمع وأما الثاني فهو باطل من وجوه أربعة أولها أنه إما أن يجوز له الحكم على هذا الوجه في الحوادث الكثيرة أو
-
في الحادثة والحادثتين وفي والأول محال لأنه يمتنع حصول الإصابة بالاتفاق في الأشياء الكثيرة ولهذا لا يجوز أن يقال للأمي اكتب مصحفا فإنك لا تخط بيمينك إلا ما يطابق ترتيب القرآن وللجاهل أخبر فإنك لا تخبر إلا بالصدق ولولا ما ذكرناه لبطلت دلالة الفعل المحكم على علم فاعله وبطلت دلالة أخبار الغيب على النبوة وأما الوجه الثاني وهو أن يجوز ذلك في القليل دون الكثير فهو
vol. 6, p. 139باطل لأن كل من جوزه في القليل جوزه في الكثير ومن منع منه في الكثير منع منه في القليل فالقول بالفرق خرق للإجماع وثانيها وهو أنه إنما يحسن القصد إلى الفعل إذا علم أو ظن كونه حسنا فلا بد وأن يتميز له الحسن من القبح قبل الإقدام على الفعل فإذا لم تتقدم هذه الأمارة المميزة كان التكليف باختيار الحسن دون القبيح تكليفا بما لا يطاق فإن قلت إنما يميز بين الحسن والقبيح بأن يقال له قد علمنا بأنك لا تختار شيئا إلا وهو حسن قلت فهذا يقتضي أنه إنما يعلم حسنه بعد فعله له وهو إذا فعله زال التكليف عنه فالحاصل أن التمييز بين الحسن والقبيح لا بد وأن يكون متقدما على الاختيار وإلا وقع التكليف بما لا يطاق وإذا قال الله تعالى إنك لا تحكم إلا بالصواب فها هنا التمييز بين
-
الحسن والقبيح لا يحصل إلا بعد الفعل والشئ الذي يجب أن يكون متقدما ليس هو الذي يجب أن يكون متأخرا وثالثها لو جاز أن يقول له احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب لجاز أن يكلفه
vol. 6, p. 140تصديق النبي وتكذيب المتنبي من غير دليل ألبتة بل يكله فيه إلى رأيه ولجاز ذلك في الإخبار فيقول أخبر فإنك لا تخبر إلا عن حق ولجاز أن يصيب في مسائل الأصول من غير تعلم ألبتة ولجاز أن يفوض إليه تبليغ أحكام الله تعالى من غير وحي نزل عليه وكل ذلك باطل بالإجماع ورابعها لو جاز ذلك في حق العالم لجاز في حق العامي وبالإجماع لا يجوز أما الذي يدل على عدم الوقوع فأمران الأول لو كلن الرسول ص مأمورا بأن يحكم على وفق أرادته من غير دليل لما كان منهيا عن اتباع هواه لأنه لا معنى لاتباع الهوى إلا الحكم بكل ما يميل قلبه إليه لكنه كان منهيا عن اتباع الهوى لقوله تعالى ولا تتبع الهوى وما ينطق عن الهوى فإن قلت لما قيل له احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب كان ذلك نصا من الله تعالى على كل ما يميل قلبه إليه فلا يكون ذلك اتباعا للهوى قلت فعلى هذا التقدير صار اتباع الهوى في حقه غير ممكن ولو كان
-
كذلك فلم نهي عنه الثاني لو قيل له احكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب لما قيل له لم فعلت