تحرير هذه المسألة، وبيانها، وتقرير أدلتها

4 paragraphs · vol. 6, p. 168

  1. المسألة العاشرة الاستدلال بعدم ما يدل على الحكم على عدم الحكم طريقة عول عليها بعض الفقهاء وتحريره أن الحكم الشرعي لا بد له من دليل والدليل إما نص أو إجماع أو قياس ولم يوجد واحد من هذه الثلاثة فوجب أن لا يثبت الحكم إنما قلنا أن الحكم الشرعي لابد له من دليل لأن الله تعالى لو أمرنا بشئ ولا يضع عليه دليلا لكان ذلك تكليف ما لا يطاق وإنه غير جائز وإنما قلنا إن الدليل إما نص أو إجماع أو قياس لثلاثة أوجه أحدها قصة معاذ فإنها تدل على انحصار الأدلة في الكتاب والسنة والقياس

    vol. 6, p. 168
  2. زدنا فيه الإجماع بدليل منفصل فيبقى الباقي على الأصل وثانيها أن الأدلة الدالة على الأحكام كانت معدومة في الأزل وقد بينا أن الأصل في كل أصل تحقق بقاؤه على ما كان فهذا الدليل يقتضي أن لا يوجد شئ من أدلة الأحكام ترك العمل به في النص والإجماع والقياس فوجب أن يبقى فيما عدا هذه الثلاثة على الأصل

    vol. 6, p. 169وثالثها أنه لو حصل نوع آخر من الأدلة لكان ذلك من الأمور العظام لأن ما يجب الرجوع اليه في الشرع نفيا وإثباتا في الوقائع الحاضرة والمستقبلة لا شك أنه من الأمور العظام فلو كان ذلك موجودا لوجب اشتهاره ولو كان كذلك لعرفناه بعد البحث والطلب فلما لم نجد شيئا آخر سوى هذه الثلاثة علمنا الانحصار وإنما قلنا أنه لم يوجد واحد من هذه الثلاثة لما سنبينه أما النص فلوجهين أحدهما أنا اجتهدنا في الطلب فما وجدنا وهذا القدر عذر في حق المجتهد بالإجماع فوجب أن يكون عذرا في حق المناظر لأنه لا معنى للمناظرة إلا بيان ما لأجله قال بالحكم وثانيهما أنه لو وجد في المسألة نص لعرفه المجتهدون ظاهرا ولو عرفوه لما حكموا على خلافه ظاهرا فحيث حكموا على خلافه علمنا عدمه

  3. أما الإجماع فهو منفي لأن المسألة خلافية ولا إجماع مع الخلاف وأما القياس فمنفي لوجهين أحدهما أن القياس لا بد فيه من أصل والأصل هو الصورة الفلانية والفارق الفلاني موجود ومع الفارق لا يمكن القياس أقصى ما في الباب أن يقال لم لا يجوز القياس على صورة أخرى

    vol. 6, p. 170فنقول لأنا بعد الطلب لم نجد شيئا يمكن القياس عليه إلا هذه الصورة وهذا القدر عذر في حق المجتهد فوجب أن يكون عذرا في حق المناظر على ما بيناه وثانيهما أن سائر الأصول كانت معدومة فوجب بقاؤها على العدم تمسكا بالاستصحاب فهذا تمام تقرير هذه الدلالة واعلم أن كل مقدمة لا يمكن تمشية الدليل إلا بها فلو كانت تلك المقدمة مستقلة بالإنتاج فلا كان التمسك بها في أول الأمر أولى ورأينا أن هذه الدلالة لا يمكن تمشيتها إلا بإحدى مقدمتين إحداهما أن عدم الوجدان بعد الطلب يدل على عدم الوجود وثانيهما أن الأمر الفلاني كان معدوما فيحصل الآن ظن بقائه على العدم

  4. وهاتان المقدمتان لو صحتا لكانتا مستقلتين بإنتاج المطلوب فإنه يقال في أول المسألة الحكم الشرعي لا بد له من دليل ولم يوجد الدليل لأني اجتهدت في الطلب وما وجدته وذلك يدل على عدم الوجود أو يقال ولم يوجد الدليل لأن هذه الدلائل كانت معدومة في الأزل