الباب الثالث في الأسماء المشتقة

8 paragraphs · vol. 1, p. 237

  1. الباب الثالث في الأسماء المشتقة والنظر في ماهية الاسم المشتق وفي أحكامه أما الماهية فقال الميداني رحمه الله الاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسبا في المعنى والتركيب فترد أحدهما إلى الآخر واركانه أربعة أحدها اسم موضوع لمعنى وثانيها شئ آخر له نسبة إلى ذلك المعنى وثالثها مشاركة بين هذين الاسمين في الحروف الأصلية

    vol. 1, p. 237
  2. ورابعها تغيير يلحق الاسم في حرف فقط أو حركة فقط أو فيهما معا وكل واحد من الأقسام الثلاثة فإما ان يكون بالزيادة أو بالنقصان أو بهما معا فهذه تسعة أقسام

    vol. 1, p. 238أحدها زيادة الحركة وثانيها زيادة الحرف وثالثها زيادتهما معا ورابعها نقصان الحركة وخامسها نقصان الحرف وسادسها نقصانهما معا وسابعها زيادة الحرف مع نقصان الحركة وثامنها زيادة الحركة مع نقصان الحرف وتاسعها أن تزاد فيه حركة وحرف وتنقص منه أيضا حركة وحرف فهذه الأقسام الممكنة وعلى اللغوي طلب امثلة ما وجد منها أما الأحكام فنذكرها في مسائل المسألة الأولى أن صدق المشتق لا ينفك عن صدق المشتق منه خلافا لأبي علي وأبي هاشم فإن العالم والقادر والحي اسماء مشتقة من العلم والقدرة والحياة

    vol. 1, p. 239ثم إنهما يطلقان هذه الأسماء على الله تعالى وينكران حصول العلم والقدرة والحياة لله تعالى لأن المسمى بهذه الأسامي هي المعاني التي توجب العالمية والقادرية والحيية وهذه المعاني غير ثابتة لله تعالى فلا يكون لله تعالى علم وقدرة وحياة مع أنه عالم قادر حي وأما أبو الحسين فإنه لا يتقرر معه هذا الخلاف لأن المسمى عنده بالقدرة نفس القادرية وبالعلم العالمية وهذه الأحكام

  3. حاصلة لله تعالى فيكون لله تعالى علم وقدرة لنا أن المشتق مركب والمشتق منه مفرد والمركب بدون المفرد غير معقول المسألة الثانية اختلفوا في أن بقاء وجه الاشتقاق هل هو شرط لصدق اسم المشتق والأقرب

    vol. 1, p. 240أنه ليس بشرط خلافا لأبي علي بن سيناء من الفلاسفة وأبي هاشم من المعتزلة لنا أن بعد انقضاء الضرب يصدق عليه أنه ليس بضارب واذا صدق ذلك وجب أن لا يصدق عليه أنه ضارب بيان الأول أنه يصدق عليه أنه ليس بضارب في هذه الحال وقولنا ليس بضارب جزء من قولنا ليس بضارب في هذه الحال ومتى صدق الكل صدق كل واحد من أجزائه فإذن صدق عليه أنه ليس بضارب وبيان الثاني أنه لما صدق عليه ذلك وجب أن لا يصدق عليه أنه ضارب لأن قولنا ضارب يناقضه في العرف ليس بضارب بدليل أن من قال فلان ضارب فمن أراد تكذيبه وإبطال قوله قال إنه ليس بضارب ولولا أنه نقيض الأول وإلا لما استعملوه لنقض الأول ولما ثبت كونهما موضوعين لمفهومين متناقضين وقد صدق أحدهما فوجب أن لا يصدق الآخر

    vol. 1, p. 241فإن قيل لا نسلم أنه يصدق عليه بعد انقضاء الضرب أنه ليس بضارب

  4. قوله لأنه يصدق عليه أنه ليس بضارب في هذه الحال ومتى صدق عليه ذلك صدق عليه أنه ليس بضارب قلنا حكم الشئ وحده يجوز أن يكون مخالفا لحكمه مع غيره فلا يلزم من صدق قولنا ليس بضارب في الحال صدق قولنا ليس بضارب سلمنا أنه يصدق عليه أنه ليس بضارب فلم لا يصدق عليه أنه ضارب

    vol. 1, p. 242بيانه أن قولنا فلان ضارب فلان ليس بضارب ما لم نعتبر فيه اتحاد الوقت لم يتناقضا ولا يجوز ايراد أحدهما لتكذيب الآخر سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على قولكم لكنه معارض بوجوه الأول أن الضارب من حصل له الضرب وهذا المفهوم أعم من قولنا حصل له الضرب في الحال أو في الماضي لأنه يمكن تقسيمه اليهما ومورد القسمة مشترك بين القسمين ولا يلزم من نفي الخاص نفي المشترك فإذن لا يلزم من نفي الضاربية في الحال نفي الضاربية مطلقا الثاني أن أهل اللغة اتفقوا على أن اسم الفاعل إذا كان في تقدير الماضي لا يعمل عمل الفعل ولولا أن اسم الفاعل يصح اطلاقه لفعل وجد في الماضي وإلا لكان هذا الكلام لغوا الثالث أنه لو كان حصول المشتق منه شرطا في كون الاسم المشتق حقيقة لما كان اسم المتكلم والمخبر واليوم والأمس وما يجري مجراها حقيقة في شئ أصلا واللازم باطل فالملزوم مثله

    vol. 1, p. 243بيان الملازمة أن الكلام اسم لمجموع الحروف المتوالية لا لكل واحد منها ومجموع تلك الحروف لا وجود له أصلا بل الموجود منه أبدا ليس إلا الحرف الواحد فلو كان شرط كون الاسم المشتق حقيقة حصول المشتق منه لوجب أن لا يصير هذا الاسم المشتق حقيقة ألبتة فإن قلت لم لا يجوز أن يقال الكلام اسم لكل واحد من تلك الحروف سلمنا أنه ليس كذلك فلم لا يجوز أن يقال حصول المشتق مه شرط في كون المشتق حقيقة إذا كان ممكن الحصول فأما إذا لم يكن كذلك فلا أو نقول شرط كون المشتق حقيقة حصول المشتق منه إما لمجموعه أو لأجزائه وهاهنا إن امتنع أن يكون للمجموع وجود لكنه لا يمتنع ذلك للآحاد أو نقول لم لا يجوز أن يقال هذه الألفاظ ليست حقائق في شئ من المسميات أصلا

    vol. 1, p. 244قلت الجواب عن الأول أن ذلك باطل باجماع أهل اللغة وأيضا فالالزام عائد في لفظ الخبر فإنه لا شك في أن كل واحد من حروف الخبر ليس خبرا وكذلك كل واحد من أجزاء الشهر والسنة ليس بشهر ولا سنة وعن الثاني أن أحدا من الأمة لم يقل بهذا الفرق فيكون باطلا

  5. وعن الثالث أن هذه الألفاظ مستعملة وكل مستعمل فإنه إما أن يكون حقيقة أو مجازا وكل مجاز فله حقيقة فإذن هذه الألفاظ حقائق في بعض الأشياء وقد علم بالضرورة أنها ليست حقائق فيما عدا هذه المعاني فهي حقائق فيها الرابع الايمان مفسر إما بالتصديق أو العمل أو الاقرار أو مجموعها

    vol. 1, p. 245والشخص حين ما لا يكون مباشرا لشئ من هذه الأشياء الثلاثة يسمى مؤمنا حقيقة فلولا أن حصول ما منه الاشتقاق ليس شرطا لصدق المشتق وإلا لما كان كذلك والجواب قوله يجوز أن يختلف حال الشئ بسبب الانفراد والتركيب قلنا مدلول الألفاظ المركبة ليس إلا المركب الحاصل من المفردات التي هي مدلولات الألفاظ المفردة قوله وحدة الزمان معتبرة في تحقق التناقض قلنا هذا لا نزاع فيه لكنا ندعي أن قولنا ضارب يفيد الزمان المعين وهو الحاضر بدليل ما ذكرنا أن إحدى اللفظتين مستعملة في رفع الأخرى أما أولا فلأنا نعلم بالضرورة من أهل اللغة أنهم متى حاولوا تكذيب المتلفظ باحدى اللفظتين لا يذكرون إلا اللفظة الأخرى ويكتفون بذكر كل واحدة منهما عند محاولة تكذيب الأخرى ولولا اقتضاء كل واحدة

    vol. 1, p. 246منهما للزمان المعين وإلا لما حصل التكاذب وأما الثانية فلأن كلمة ليس موضوعة للسلب فإذا قلنا ليس بضارب فلا بد وأن يفيد سلب ما فهم من قولنا ضارب وإلا لم تكن لفظة ليس مستعملة للسلب وإذا ثبت أن كل واحدة من هاتين اللفظتين موضوعة لرفع مقتضى الأخرى وجب تناولهما لذلك الزمان المعين وإلا لم يحصل التكاذب ثم لا نزاع في أن ذلك الزمان ليس هو الماضي ولا المستقبل فتعين أن يكون الحاضر قوله في المعارضة الأولى ثبوت الضرب له أعم من ثبوته له في الحاضر أو الماضي بدليل صحة التقسيم إليهما قلنا كما يمكن تقسيمه إلى الماضي والحاضر يمكن تقسيمه إلى المستقبل فإنه يمكن أن يقال ثبوت الضرب له أعم من ثبوته له في الحال أو في المستقبل فإن كان ما ذكرته يقتضي كون

    vol. 1, p. 247الضارب حقيقة لمن حصل له الضرب في الماضي فليكن حقيقة لمن سيوجد الضرب منه في المستقبل وإن لم يوجد ألبتة لا في الحاضر ولا في الماضي فإنه باطل بالاتفاق قوله ثانيا إن أهل اللغة قالوا اسم الفاعل إذا أفاد الفعل الماضي لا يعمل عمل الفعل قلنا وقد قالوا أيضا إذا أفاد الفعل المستقبل عمل عمل الفعل فيلزم أن يكون الاسم المشتق حقيقة فيما سيوجد فيه المشتق منه ولا

  6. شك في فساده قوله ثالثا يلزم أن لا يكون اسم المخبر حقيقة أصلا قلنا المعتبر عندنا حصوله بتمامه إن أمكن أو حصول آخر جزء من أجزائه ودعوى الاجماع على فساد هذا التفصيل ممنوعة قوله رابعا الشخص يسمى مؤمنا وإن لم يكن مشتغلا في الحال بمسمى الايمان قلنا لا نسلم أن ذلك الاطلاق حقيقة والدليل عليه إنه لا يجوز أن يقال في أكابر الصحابة إنهم كفرة لأجل

    vol. 1, p. 248كفر كان موجودا قبل إيمانهم ولا لليقظان إنه نائم لأجل نوم كان موجودا قبل ذلك والله أعلم المسألة الثالثة اختلفوا في أن المعنى القائم بالشئ هل يجب أن يشتق له منه اسم والحق والتفصيل فإن المعاني التي لا أسماء لها مثل أنواع الروائح والآلام فلا شك أن ذلك غير حاصل فيها وأما التي لها اسماء ففيها بحثان أحدهما أنه هل يجب أن يشتق لمحالها منها أسماء الظاهر من مذهب المتكلمين منا أن ذلك واجب فإن المعتزلة لما قالت إن الله تعالى يخلق كلامه في جسم قال أصحابنا لهم لو كان كذلك لوجب أن يشتق لذلك المحل اسم المتكلم من ذلك الكلام وعند المعتزلة أن ذلك غير واجب وثانيهما أنه إذا لم يشتق لمحله منه اسم فهل يجوز أن يشتق لغير ذلك

  7. المحل منه اسم فعند أصحابنا لا وعند المعتزلة نعم لأن الله تعالى يسمى متكلما بذلك الكلام واستدلت المعتزلة لقولهم في الموضعين بأن القتل والضرب

    vol. 1, p. 249والجرح قائم بالمقتول والمضروب والمجروح ثم إن المقتول لا يسمى قاتلا فإذن محل المشتق منه لم يحصل له اسم الفاعل وحصل ذلك الاسم لغير محله وأجيبوا عنه بأن الجرح ليس عبارة عن الأمر الحاصل في المجروح بل عن تأثير قدرة القادر فيه وذلك التأثير حكم حاصل للفاعل وكذا القول في القتل وأجابت المعتزلة عنه بأنه لا معنى لتأثير القدرة في المقدور إلا وقوع المقدور إذ لو كان التأثير أمرا زائدا لكان إما أن يكون قديما وهو محال لأن تأثير الشئ في الشئ نسبة بينهما فلا يعقل ثبوته عند عدم واحد منهما أو محدثا فيفتقر إلى تأثير آخر فيلزم التسلسل

    vol. 1, p. 250والذي يحسم مادة الإشكال أن الله تعالى خالق العالم واسم الخالق مشتق من الخلق والخلق نفس المخلوق والمخلوق غير قائم بذات الله تعالى والدليل على أن الخلق عين المخلوق أنه لو كان غيره لكان إن كان قديما لزم قدم العالم وإن كان محدثا لزم التسلسل

  8. ومما يدل على أنه ليس من شرط المشتق منه قيامه بمن له الاشتقاق أن المفهوم من الاسم المشتق ليس إلا أنه ذو ذلك المشتق منه ولفظ ذو لا يقتضي الحلول ولأنه لفظة اللابن والتامر والمكي والمدني والحداد مشتقة من أمور يمتنع قيامها بمن له الاشتقاق

    vol. 1, p. 251المسألة الرابعة مفهوم الأسود شئ ما له السواد فأما حقيقة ذلك الشئ فخارج عن المفهوم فإن علم علم بطريق الالتزام والذي يدل عليه أنك تقول الأسود جسم فلو كان مفهوم الأسود أنه جسم ذو سواد لتنزل ذلك منزلة ما يقال الجسم ذو السواد يجب أن يكون جسما والله أعلم بالصواب