الباب الخامس في الاشتراك
13 paragraphs · vol. 1, p. 261
- vol. 1, p. 261
الباب الخامس في الاشتراك اللفظ المشترك هو اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعا أولا من حيث هما كذلك فقولنا الموضوع لحقيقتين مختلفتين احترزنا به عن الأسماء المفردة وقولنا وضعا أولا احترزنا به عما يدل على الشئ بالحقيقة وعلى غيره بالمجاز وقولنا من حيث هما كذلك احترزنا به عن اللفظ المتواطئ فإنه يتناول الماهيات المختلفة لكن لا من حيث إنها مختلفة بل من حيث
-
إنها مشتركة في معنى واحد المسألة الأولى في بيان امكانه ووجوده
vol. 1, p. 262وجود اللفظ المشترك إما أن يكون واجبا أو ممتنعا أو جائزا وقال بكل واحد من هذه الأقسام قائل أما القائلون بالوجوب فقد احتجوا بأمرين الأول أن الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي لزم الاشتراك وإنما قلنا إن الألفاظ متناهية لأنها مركبة من الحروف المتناهية والمركب من المتناهي متناهي وإنما قلنا إن المعاني غير متناهية لأن الأعداد أحد أنواع المعاني وهي غير متناهية وأما أن المتناهي إذا وزع على غير المتناهي حصل الاشتراك فهو معلوم بالضرورة الثاني أن الألفاظ العامة كالوجود والشئ لا بد منها في اللغات ثم قد ثبت أن وجود كل شئ نفس ماهيته فيكون كل شئ مخالفا لوجود الآخر فيكون قول الموجود عليها بالاشتراك والجواب عن الأول بعد تسليم المقدمتين الباطلتين أن نقول الأمور التي يقصدها المسمون بالتسمية متناهية فإنهم لا
vol. 1, p. 263يشرعون في أن يسموا كل واحد من الأمور التي لا نهاية لها فإن ذلك مما لا يخطر ببالهم فكيف يقصدون تسميتها بل لا يقصدون إلا إلى تسمية أمور متناهية ويمكن أن يكون لكل واحد منها اسم مفرد وأيضا فكل واحد من هذه الألفاظ المتناهية إن دل على معان متناهية لم يكن جميع الألفاظ المتناهية دالا على معان غير متناهية لأن المتناهي إذا ضوعف مرات متناهية كان الكل متناهيا وإن دل كل واحد منها أو بعضها على معان غير متناهية فالقول به مكابرة وعن الثاني أنا لا نسلم أن الألفاظ العامة ضرورية في اللغات وإن سلمنا ذلك لا نسلم أن الوجود غير مشترك في المعنى وإن سلمنا لكن لم لا يجوز اشتراك الموجودات بأسرها في حكم واحد سوى الوجود وهو المسمى بتلك اللفظ العامة أما القائلون بالامتناع فقد قالوا المخاطبة باللفظ المشترك لا تفيد فهم المقصود على سبيل التمام وما يكون كذلك كان منشأ للمفاسد على ما سيأتي تقريره في مسألة أن الأصل عدم الاشتراك وما يكون منشأ للمفاسد وجب أن لا يكون والجواب
vol. 1, p. 264لا نزاع في أنه لا يحصل الفهم التام من سماع اللفظ المشترك لكن هذا القدر لا يوجب نفيه لأن أسماء الأجناس غير دالة على أحوال تلك المسميات لا نفيا ولا اثباتا والأسماء المشتقة لا تدل على تعين الموصوفات ألبتة ولم يلزم من ذلك جزم القول بأنها غير موضوعة فكذا هاهنا واذا بطل هذان القولان فنحن نبين الامكان أولا ثم الوقوع ثانيا أما
-
بيان الامكان فمن وجهين الأول أن المواضعة تابعة لأغراض المتكلم وقد يكون للانسان غرض في تعريف غيره شيئا على التفصيل وقد يكون غرضه تعريف ذلك الشئ على الاجمال بحيث يكون ذكر التفصيل سببا للمفسدة كما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال للكافر الذي سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت ذهابهما إلى الغار من هو فقال رجل يهديني السبيل ولأنه ربما لا يكون المتكلم واثقا بصحة الشئ على التعيين إلا أنه يكون واثقا
vol. 1, p. 265بصحة وجود أحدهما لا محالة فحينئذ يطلق اللفظ المشترك لئلا يكذب ولا يكذب ولا يظهر جهله بذلك فإن أي معنى يصح فله أن يقول إنه كان مرادي الثاني أن ما ذكروه من المفاسد لو صح فإنما يقدح في أن يضع الواضع لفظا لمعنيين على سبيل الاشتراك لكنه يجوز أن يوجد المشترك بطريق آخر وهو أن تضع قبيلة اسما لشئ وقبيلة أخرى ذلك الاسم لشئ آخر ثم يشيع الوضعان ويخفى كونه موضوعا للمعنيين من جهة القبيلتين وأما الوقوع فمن الناس من قال إن كل ما يظن مشتركا فهو إما أن يكون متواطئا أو يكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر كالعين فإنه وضع أولا للجارحة المخصوصة ثم نقل إلى الدينار لإنه في الغرة والصفاء كتلك الجارحة وإلى الشمس لأنها في الصفاء والضياء كتلك الجارحة وإلى الماء لوجود المعنيين فيه وعندنا أن كل ذلك ممكن والأغلب على الظن وقوع المشترك والدليل عليه أنا إذا سمعنا القرء لم نفهم أحد المعنيين من
-
غير تعيين بل بقي الذهن مترددا ولو كان اللفظ متواطئا أو حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر لما كان كذلك
vol. 1, p. 266فإن قلت لم لا يجوز أن يقال كان حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر ثم خفي ذلك قلت أحكام اللغات لا تنتهي إلى القطع المانع من الاحتمالات البعيدة وما ذكرتموه لا ينفي كونه حقيقة فيهما الآن وهو المقصود والله أعلم المسألة الثانية في أقسام اللفظ المشترك المفهومان إما أن يكونا متباينين كالطهر والحيض المسميين بالقرء أولا يكونا متباينين بل يكون بينهما تعلق وحينئذ لا يخلو إما أن يكون أحدهما جزءا من الآخر أو لا يكون فالأول مثل ما إذا سمي معنى عام باسم وسمي معنى خاص تحته بذلك الاسم فوقوع الاسم عليهما والحالة هذه يكون بالاشتراك مثل الممكن اذا قيل لغير الممتنع وقيل لغير الضروري فإن غير الممتنع أعم من غير الضروري فإذا قيل الممكن عليهما فهو بالاشتراك وأيضا فقوله على الخاص وحده قول بالاشتراك أيضا بالنظر إلى ما فيه من المفهومين المختلفين وأما إن لم يكن أحدهما جزءا من الآخر فلا بد وأن يكون أحدهما صفة للآخر وهو كما إذا سمي شخص أسود اللون بالأسود فان قول الأسود عليه من حيث إنه لقب ومن حيث إنه مشتق بالاشتراك ثم إذا نسبت ذلك الشخص إلى القار فإن اعتبرت لونه كان الأسود مقولا عليه
vol. 1, p. 267وعلى القار بالتواطؤ وإن اعتبرت اسمه كان الأسود مقولا عليه وعلى القار بالاشتراك دقيقة لا يجوز أن يكون اللفظ مشتركا بين عدم الشئ وثبوته لأن اللفظ لا بد وأن يكون بحال متى أطلق أفاد شيئا وإلا كان عبثا والمشترك بين النفي والاثبات لا يفيد إلا التردد بين النفي والاثبات وهذا معلوم لكل أحد المسألة الثالثة في سبب وقوع الاشتراك السبب الأكثري هو أن تضع كل واحدة من القبيلتين تلك اللفظة لمسمى آخر ثم يشتهر الوضعان فيحصل الاشتراك والأقلي أي هوأن يضعه واضع واحد لمعنيين ليكون المتكلم متمكنا من التكلم بالمجمل وقد سبق في الفصل السالف أن التكلم بالكلام المجمل من مقاصد العقلاء ومصالحهم وأما السبب الذي يعرف به كون اللفظ مشتركا فذلك إما الضرورة وهو ان يسمع تصريح أهل اللغة به
vol. 1, p. 268وإما النظر وذلك أنا سنذكر إن شاء الله تعالى الطرق الدالة على كون اللفظة حقيقة في مسماها فاذا وجدت تلك الطرق في اللفظة الواحدة بالنسبة إلى معنيين مختلفين حكمنا بالاشتراك ومن الناس من ذكر فيه طريقين آخرين أحدهما أن حسن الاستفهام يدل على الاشتراك لأن الاستفهام عبارة عن طلب الفهم وطلب الشئ حال حصوله محال
-
والفهم إنما لا يكون حاصلا لو كان اللفظ مترددا بين المعنيين الثاني قالوا استعمال الفظ في معنيين ظاهرا يدل على كونه حقيقة ف يهما وذلك يقتضي الاشتراك واعلم أنا سنبين إن شاء الله تعالى في باب العموم أن هذين الطريقين لا يدلان على الاشتراك المسألة الرابعة في أنه لا يجوز استعمال المشترك المفرد في معانيه على الجمع وذهب الشافعي والقاضي أبو بكر رضي الله عنهما إلى
vol. 1, p. 269جوازه وهو قول الجبائي والقاضي عبد الجبار بن أحمد وذهب آخرون إلى امتناعه وهو قول أبي هاشم وأبي الحسين البصري والكرخي ثم اختلفوا فمنهم من منع منه لأمر يرجع إلى القصد ومنهم من منع منه لأمر يرجع إلى الوضع وهو المختار
vol. 1, p. 270وقبل الخوض في الدليل لا بد من مقدمة وهي أنه ليس يلزم من كون اللفظ موضوعا لمعنيين على البدل أن يكون موضوعا لهما جميعا وذلك لأنا نعلم بالضرورة المغايرة بين المجموع وبين كل واحد من أفراده ولا يلزم أن يكون المجموع مساويا لكل واحد من أفراده في جميع الأحكام فلا يلزم من كون كل واحد من الشيئين مسمى باسم كون مجموعهما مسمى به اذا ثبتت هذه المقدمة فالدليل على ما قلنا أن الواضع إذا وضع لفظا لمفهومين على الانفراد فإما أن يكون قد وضعه مع ذلك لمجموعهما أو ما وضعه
-
لهما فإن قلنا إنه ما وضعه للمجموع فاستعماله لافادة المجموع استعمال اللفظ في غير ما وضع له وإنه غير جائز وإن قلنا إنه وضعه للمجموع فلا يخلو إما أن يستعمل لإفادة المجموع وحده أو لإفادته مع إفادة الأفراد فان كان الأول لم يكن اللفظ إلا لأحد مفهوماته لأن الواضع إن كان وضعه بازاء أمور ثلاثة على البدل وأحدها ذلك المجموع فاستعمال اللفظ فيه وحده لا يكون استعمالا للفظ في كل واحد من مفهوماته
vol. 1, p. 271فان قلت إنه يستعمل في إفادة المجموع والأفراد على الجمع فهو محال لأن افادته للمجموع معناه أن الاكتفاء لا يحصل إلا بهما وافادته للمفرد معناه أنه يحصل الاكتفاء بكل واحد منهما وحده وذلك جمع بين النقيضين وهو محال فثبت أن اللفظ المشترك من حيث إنه مشترك لا يمكن استعماله في إفادة مفهوماته على سبيل الجمع واحتج المجوزون بأمور أحدها أن الصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار ثم إن الله تعالى أراد بهذه اللفظة كلا معنييها في قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي وثانيها قوله تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في
-
السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب أراد بالسجود ها هنا الخضوع لأنه هو المقصود من الدواب
vol. 1, p. 272وأراد به أيضا وضع الجبهة على الأرض لأن تخصيص كثير من الناس بالسجود دون ما عداهم ممن حق عليه العذاب مع استوائهم في السجود بمعنى الخشوع يدل على أن الذي خصوا به من السجود هو وضع الجبهة على الأرض فقد صار المعنيان مرادين وثالثها قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء إذا أراد به الحيض والطهر لأن المرأة إذا كانت من أهل الاجتهاد فالله تعالى أراد منها الاعتداد بكل واحد منهما بدلا عن الآخر بشرط أن يؤدي اجتهادها إليه أو إلى الآخر ورابعها قال سيبويه قول القائل لغيره الويل لك دعاء وخبر فجعله مفيدا لكلا الأمرين والجواب عن هذه الوجوه بأسرها أن ما ذكروه لو صح لدل على أن هذه الألفاظ كما هي موضوعة للآحاد فهي موضوعة للجمع وإلا لكان الله تعالى قد استعمل اللفظ في غير مفهومه وهو غير جائز وعلى هذا التقدير يكون استعماله لإفادة الجمع استعمالا له في إفادة أحد
vol. 1, p. 273موضوعاته لا في إفادة الكل على ما بيناه والله أعلم فرعان
-
الأول بعض من أنكر استعمال المفرد المشترك في جميع مفهوماته جوز ذلك في لفظ الجمع أما في جانب الاثبات فكقوله للمرأة اعتدي بالأقراء والحق أنه لا يجوز لأن قوله اعتدي بالأقرا معناه اعتدي بقرء وقرء وقرء وإذا لم يصح أن يفاد بلفظ القرء كلا المدلولين لم يصح ذلك أيضا في الجمع الذي لا يفيد إلا عين فائدة الافراد وأما في جانب النفي فكذلك ايضا وفيه احتمال لأنا إنما منعناه من إفادة المعنيين في جانب الإثبات لما قلنا أن الواضع ما وضعه لهما جميعا وأما في جانب النفي فلم يقم دليل قاطع على أن الواضع ما استعلمه في إفادة نفيهما جميعا ويمكن أن يجاب عنه بأن النفي لا يفيد إلا رفع مقتضى الاثبات
vol. 1, p. 274فإذا لم يفد في جانب الاثبات إلا أمرا واحدا لم يرتفع عند حرف النفي إلا المعنى الواحد فأما إن أريد حمله على أن المراد منه لا تعتدي بما هو مسمى الأقراء فحينئذ يكون كون الحيض والطهر مسمى بالقرء وصفا معقولا مشتركا بينهما فيكون اللفظ على هذا التقدير متواطئا لا مشتركا الثاني أنا لو جوزنا أن يفاد باللفظ المشترك جميع معانيه فإنه لا يجب ذلك ونقل عن الشافعي رضي الله عنه والقاضي أبي بكر أنهما قالا
-
المشترك إذا تجرد عن القرائن المخصصة وجب حمله على جميع معانيه وفيه نظر لأنه إن لم يكن موضوعا للمجموع فلا يجوز استعماله فيه وإن كان موضوعا له فهو أيضا موضوع لكل واحد من الأفراد واللفظ دائر بين كل واحد من الفردين وبين المجموع فيكون الجزم بإفادته للمجموع دون كل واحد من الفردين ترجيحا لأحد الجائزين على الآخر من غير مرجح وهو محال
vol. 1, p. 275فإن قلت حمله على المجموع أحوط فيكون الأخذ به واجبا قلت القول بالاحتياط سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى المسألة الخامسة في أن الأصل عدم الاشتراك ونعنى به أن اللفظ متى دار بين الاشتراك وعدمه كان الأغلب على الظن عدم الاشتراك ويدل عليه وجوه أحدها أن احتمال الاشتراك لو كان مساويا لاحتمال الانفراد لما حصل التفاهم بين أرباب اللسان حالة التخاطب في أغلب الأحوال من غير استكشاف وقد علمنا حصول ذلك فكان الغالب حصول احتمال الانفراد وثانيها لو لم يكن الاشتراك مرجوحا لما بقيت الأدلة السمعية مفيدة ظنا فضلا عن اليقين لاحتمال أن يقال إن تلك الألفاظ مشتركة بين ما ظهر لنا منها وبين غيره وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المراد غير ما ظهر لنا وحينئذ لا يبقى التمسك بالقرآن والأخبار مفيدا للظن فضلا عن العلم
-
وثالثها أن الاستقراء دل على أن الكلمات في الأكثر مفردة لا مشتركة والكثرة تفيد ظن الرجحان
vol. 1, p. 276فان قلت لا نسلم أن الكلمات في الأكثر مفردة لأن الكلمة إما حرف أو فعل أو اسم أما الحرف فكتب النحو شاهدة بأنه مشترك وأما الفعل فهو إما الماضي أو المستقبل أو الأمر أما الماضي والمستقبل فهما مشتركان لأنهما تارة يستعملان في الخبر وأخرى في الدعاء ولأن صيغة المضارع مشتركة بين الحال والاستقبال وأما صيغة إفعل فالقول بأنها مشتركة بين الوجوب والندب مشهور وأما الأسماء ففيها اشتراك كثير فإذا ضممنا اليها الأفعال والحروف كانت الغلبة للاشتراك قلت الأصل في الألفاظ الأسماء والاشتراك نادر فيها بدليل أنه لو كان الاشتراك أغلب لما حصل فهم غرض المتكلم في الأكثر ولما لم يكن كذلك علمنا أن الغالب عدم الاشتراك ورابعها أن الاشتراك يخل بفهم القائل والسامع وذلك يقتضي أن لا يكون موضوعا بيان أنه يقتضي الخلل في الفهم أما في حق السامع فمن وجهين الأول أن الغرض من الكلام حصول الفهم وهو غير حاصل في المشترك لتردد الذهن بين مفهوماته
vol. 1, p. 277الثاني أن سامع اللفظ المشترك ربما يتعذر عليه الاستكشاف إما لأنه يهاب المتكلم أو لأنه يستنكف عن السؤال وإذا لم يستكشف فربما حمله على غير المراد فيقع في الجهل ثم ربما ذكره لغيره فيصير ذلك سببا لجهل جمع كثير ولهذا قال أصحاب المنطق إن السبب الأعظم في وقوع الأغلاط حصول اللفظ المشترك وأما في حق القائل فلأن الانسان إذا تلفظ باللفظ المشترك احتاج في تفسيره إلى أن يذكره باسمه المفرد فيقع تلفظه باللفظ المشترك عبثا ولأنه ربما ظن أن السامع متنبه للقرينة الدالة على تعيين المراد مع أن السامع لم يتنبه له فيحصل الضرر كمن قال لعبده أعط الفقير عينا على ظن أنه يفهم أن مراده الماء ثم إنه يعطيه الذهب فيتضرر السيد به فثبت بهذه الوجوه أن الاشتراك منشأ للمفاسد فهذه المفاسد إن لم تقتض امتناع الوضع فلا أقل من اقتضاء المرجوحية
vol. 1, p. 278وخامسها أن الانسان مضطر في بقائه إلى استعمال المفردات ولا حاجة به إلى المشترك فيكون المفرد أغلب في الوجود وفي الظن بيان الحاجة إلى المفردات أن الإنسان لا يستقل بتكميل مهمات معيشته بدون الاستعانة بغيره والاستعانة بالغير لا تتم إلا بإطلاع الغير على حاجته وقد عرفت أن ذلك لا يحصل إلا بالألفاظ وذلك التعريف لا يحصل إلا بالألفاظ المفردة وإنما قلنا إن الحاجة إلى المشترك غير ضرورية لأنهم إن احتاجوا إلى التعريف الاجمالي أمكنهم ذكر تلك المفردات مع لفظ الترديد وحينئذ يحصل المطلوب في اللفظ المشترك
-
وإذا ظهرت المقدمتان ثبت رجحان المفرد على المشترك في الوجود وفي الذهن وهو المطلوب والله أعلم المسألة السادسة فيما يعين مراد اللافظ باللفظ المشترك اللفظ المشترك إما أن توجد معه قرينة مخصصة أو لا توجد فإن لم توجد بقي مجملا لما ثبت من امتناع حمله على الكل وإن وجدت القرينة فتلك القرينة إما أن تدل على حال كل واحد من
vol. 1, p. 279مسميات اللفظ الغاءا أو اعتبارا أو على حال البعض الغاءا أو اعتبارا وإما على حال الكل م حيث هو كل الغاءا أو اعتبارا فهو مندرج تحت حال البعض لأن اللفظ إذا كان مفيدا لكل واحد من تلك الأفراد وللكل من حيث هو كل كان الكل أحد الأمور المسماة به فتكون القرينة الدالة عليه الغاءا أو اعتبارا دالة على حال بعض ما اندرج تحت تلك اللفظة ف أما القسم الأول وهو ما يفيد اعتبار كل واحد من تلك المعاني فتلك المعاني إما أن تكون متنافية أو لا تكون فان كانت متنافية بقي اللفظ مترددا بينها كما كان إلى أن يظهر المرجح وإن لم تكن متنافية ف قال بعضهم الأدلة المقتضية لحمل اللفظة على كل معانيها معارضة للدليل المانع من حمل اللفظ المشترك على كل معانيه فتعتبر بينهما الترجيحات وهذا خطأ لأن الدلالة المانعة من حمل اللفظ المشترك على كل معانيه دلالة قاطعة فلا تقبل المعارضة
vol. 1, p. 280سلمنا قبوله للمعارضة لكن لا معارضة ها هنا فان الدليلين اذا اقتضيا حمل اللفظ على كلا مدلوليه أمكن أن يكون اللفظ كما كان موضوعا لكل واحد منهما بالاشتراك فهو أيضا موضوع للجميع أو أن المتكلم قد تكلم به مرتين ومع هذين الاحتمالين زال التعارض وإذا بطل التعارض ثبت أنه متى قامت الدلالة على كون كل واحد منهما مرادا وجب حمله عليهما القسم الثاني وهو الذي يكون مفيدا الغاء كل واحد من تلك المعاني وحينئذ يجب حمل اللفظ على مجازات تلك الحقائق الملغاة ثم لا يخلو إما ان تكون تلك الحقائق الملغاة بحال لو لم تقم الدلالة على إلغائها كان البعض أرجح من البعض أو ليس الأمر كذلك فان كان الأول فمجازاتها إما أن تكون متساوية في القرب أو لا تكون متساوية فان تساوت المجازات في القرب وكانت إحدى الحقيقتين راجحة كان مجاز الحقيقة الراجحة راجحا
vol. 1, p. 281وان تفاوتت المجازات نظر فان كان مجازا الحقيقة الراجحة راجحا فلا كلام في رجحانه وان كان مجاز الحقيقة المرجوحة راجحا وقع التعارض بين المجازين لأن هذا المجاز وإن كان راجحا إلا أن حقيقته مرجوحة وذلك المجاز وإن كان مرجوحا إلا أن حقيقته راجحة
-
فقد اختص كل واحد منهما بوجه رجحان فيصار إلى الترجيح وأما إن كانت الحقائق متساوية فإما أن يكون أحد المجازين أقرب إلى حقيقته من المجاز الآخر أو لا يكون فإن كان الأول وجب العمل بالأقرب وإن كان الثاني بقيت اللفظة مترددة بين مجازات تلك الحقائق لما ثبت من امتناع حمل اللفظ على مجموع معانيه سواء كانت حقيقية أو مجازية القسم الثالث وهو الذي يدل على الغاء البعض فاللفظة المشتركة إما أن تكون مشتركة بين معنيين فقط أو أكثر فإن كان الأول فقد زال الإجمال لأن اللفظ لما وجب حمله على معنى ولا معنى له إلا هذان وقد تعذر حمله على ذلك فيتعين حمله على هذا
vol. 1, p. 282وإن كان الثاني وهو أن تكون المعاني أكثر من واحد فعند قيام الدليل على إلغاء واحد منها بقي اللفظ مجملا في الباقي وأما القسم الرابع وهو الذي يدل على اعتبار البعض فهذا يزيل الإجمال سواء كانت اللفظة مشتركة بين معنيين أو أكثر المسألة السابعة في أنه يجوز حصول اللفظ المشترك في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وأله وسلم والدليل على جوازه وقوعه وهو في قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وفي قوله تعالى والليل إذا عسعس
-
فانه مشترك بين الاقبال والادبار
vol. 1, p. 283واحتج المانع بأن ذلك اللفظ إما أن يكون المراد منه حصول الفهم أو لا يكون والثاني عبث والأول لا يخلو إما أن يكون المراد منه حصول الفهم بدون بيان المقصود أو مع بيانه والأول تكليف ما لا يطاق والثاني لا يخلو إما أن يكون البيان مذكورا معه أو لا يكون فإن كان الأول كان تطويلا من غير فائدة وهو سفه وعبث وإن كان الثاني أمكن أن لا يصل البيان إلى المكلف فحينئذ يبقى الخطاب مجهولا والجواب أن هذا غير وارد على مذهبنا في أن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد
vol. 1, p. 284وأما الجواب على أصول المعتزلة فسيأتي في مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب ان شاء الله تعالى