المسألة الأولى فيما يكون فيه لفظ الأمر حقيقة

4 paragraphs · vol. 2, p. 9

  1. المسألة الأولى: اتفقوا على أن لفظة الأمر حقيقة في القول المخصوص واختلفوا في كونه حقيقة في غيره فزعم بعض الفقهاء أنه حقيقة في الفعل أيضا والجمهور على أنه مجاز فيه وزعم أبو الحسين البصري أنه مشترك بين القول المخصوص وبين الشئ وبين الصفة وبين الشأن والطريق والمختار أنه حقيقة في القول المخصوص فقط لنا إنا أجمعنا على أنه حقيقة في القول المخصوص فوجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعا للاشتراك ومن الناس من استدل على أنه ليس حقيقة في الفعل بأمور أحدها لو كان لفظ الأمر حقيقة في الفعل لاطرد فكان يسمى الأكل أمرا والشرب أمرا وثانيها ولكان يشتق للفاعل اسم الآمر وليس كذلك لأن من قام أو قعد لا يسمى آمرا

    vol. 2, p. 10وثالثها أن للأمر لوازم ولم يوجد شئ منها في الفعل فوجب أن لا يكون الأمر حقيقة في الفعل بيان الأول أن الأمر يدخل فيه الوصف بالمطيع والعاصي وضده النهي ويمنع منه الخرس والسكوت لأنهم يستهجنون في الأخرس والساكت أن يقال وقع منه أمر وعدوا الأمر مطلقا من أقسام الكلام كما عدوا الخبر مطلقا منه وكل ذلك ينافي كون الأمر حقيقة إلا في القول ورابعها أنه يصح نفي الأمر عن الفعل فيقال إنه ما أمر به ولكن فعله وهذه الوجوه ضعيفة أما الأول فلأنا لا نسلم أن من شأن الحقيقة الاطراد وقد تقدم بيان هذا المقام سلمناه لكن لا نسلم أنه لا يصح أن يقال للأكل والشرب أمر وعن الثاني ما تقدم في باب المجاز أن الاشتقاق غير واجب في كل الحقائق

    vol. 2, p. 11وعن الثالث أن العرب إنما حكموا بتلك الصفات في الأمر بمعنى القول فإن ادعيتم أنهم حكموا به في كل ما يسمى أمرا فهو ممنوع وعن الرابع لا نسلم أنهم جوزوا نفيه مطلقا واحتج القائلون بأنه حقيقة في الفعل بوجهين أحدهما أن أهل اللغة يستعملون لفظة الأمر في الفعل وظاهر

    vol. 2, p. 9
  2. الاستعمال الحقيقة بيان الاستعمال القرآن والشعر والعرف أما القرآن فقوله سبحانه وتعالى حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور والمراد منه العجائب التي فعلها الله تعالى وقوله تعالى أتعجبين من أمر الله وأراد به الفعل وقوله وما أمر فرعون برشيد وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر وقوله تجري في البحر بأمره وقوله مسخرات بأمره وأما الشعر فقوله لأمر ما يسود من يسود

    vol. 2, p. 12وأما العرف فقول العرب في خبر الزباء لأمر ما جدع قصير أنفه ويقولون أمر فلان مستقيم وأمره غير مستقيم وإنما يريدون طرائقه وأفعاله وأحواله ويقولون هذا أمر عظيم كما يقولون خطب عظيم ورأيت من فلان أمرا هالني

    vol. 2, p. 13وأما أن الأصل في الإطلاق الحقيقة فقد تقدم وثانيهما أنه قد خولف بين جمع الأمر بمعنى القول وبين جمعه بمعنى الفعل فيقال في الأول أوامر وفي الثاني أمور والاشتقاق علامة الحقيقة واحتج أبو الحسين على قوله بأن من قال هذا أمر لم يدر السامع أي

  3. هذه الأمور أراد فإذا قال هذا أمر بالفعل أو أمر فلان مستقيم أو تحرك هذا الجسم لأمر أو جاء زيد لأمر عقل السامع من الأول القول ومن الثاني الشأن ومن الثالث أن الجسم تحرك لشئ ومن الرابع أن زيدا جاء لغرض من الأغراض وتوقف الذهن عند السماع يدل على أنه متردد بين الكل والجواب عن الأول أنا لا نسلم استعمال هذا اللفظ في الفعل من حيث إنه فعل أما قوله تعالى حتى إذا جاء أمرنا فلم لا يجوز أن يكون المراد منه القول أو الشأن والفعل يطلق عليه اسم الأمر لعموم كونه شأنا لا لخصوص كونه فعلا

    vol. 2, p. 14وكذا الجواب عن الآية الثانية وأما قوله تعالى وما أمر فرعون برشيد فلم لا يجوز أن يكون المراد هو القول بل الأظهر ذلك لما تقدم من قوله فاتبعوا أمر فرعون أي أطاعوه فيما أمرهم به سلمنا أنه ليس المراد منه القول فلم لا يجوز أن يكون المراد شأنه وطريقه وأما قوله تعالى وما أمرنا إلا واحدة فنقول لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره أما أولا فلأنه يلزم أن يكون فعل الله تعالى واحدا وهو باطل وأما ثانيا فلأنه يقتضي أن يكون كل فعل الله تعالى لا يحدث إلا

  4. كلمح بالبصر في السرعة ومعلوم أنه ليس كذلك وإذا وجب صرفه عن الظهر علمنا أن المراد منه تعالى من شأنه أنه إذا أراد شيئا وقع كلمح البصر وأما قوله تجري في البحر بأمره مسخرات بأمره فلا يجوز حمل الأمر هاهنا على الفعل لأن الجري والتسخير إنما حصلا

    vol. 2, p. 15بقدرته لا بفعله فوجب حمله على الشأن والطريق سلمنا أن لفظ الأمر مستعمل في الفعل فلم قلت إنه حقيقة فيه فإن قلتم لأن الأصل في الكلام الحقيقة قلنا والأصل عدم الاشتراك على ما تقدم وقد تقدم بيان أنه إذا دار اللفظ بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى والجواب عن الثاني لم لا يجوز أن تكون الأمور جمعا للأمر بمعنى الشأن لا بمعنى الفعل سلمناه لكن لا نسلم أن الجمع من علامات الحقيقة على ما تقدم بيانه فأما ما احتج به أبو الحسين فهو بناء على تردد الذهن عند سماع تلك اللفظة بين تلك المعاني وذلك ممنوع فإن الذي يزعم أنه حقيقة في القول يمنع من ذلك التردد اللهم إلا إذا وجدت قرينة مانعة من حمل اللفظ على القول كما إذا استعمل في موضع لا يليق به القول فحينئذ ذلك قرينة في أن المراد منه غير القول والله أعلم