المسألة الثالثة وفروعها في ماهية الطلب
11 paragraphs · vol. 2, p. 18
- vol. 2, p. 18
ومن الناس من لم يعتبر هذا القيد الأخير المسألة الثالثة في ماهية الطلب اعلم أن تصور ماهية الطلب حاصل لكل العقلاء على سبيل الاضطرار فإن من لم يمارس شيئا من الصنائع العلمية ولم يعرف الحدود والرسوم قد يأمر وينهى ويدرك تفرقة بديهية بين طلب الفعل وبين طلب الترك وبينهما وبين المفهوم من الخبر ويعلم أن ما
-
يصلح جوابا لأحدهما لا يصلح جوابا للآخر ولولا أن ماهية الطلب متصورة تصورا بديهيا وإلا لما صح ذلك ثم نقول معنى الطلب ليس نفس الصيغة لأن ماهية الطلب لا تختلف باختلاف النواحي والأمم وكان يحتمل في الصيغة التي وضعوها للخبر أن يضعوها للأمر وبالعكس فماهية الطلب ليست نفس الصيغة ولا شيئا من صفاتها بل هي ماهية قائمة بقلب المتكلم تجري مجرى علمه وقدرته وهذه الصيغ المخصوصة دالة عليها ويتفرع على هذه القاعدة مسائل
vol. 2, p. 19المسألة الأولى أن تلك الماهية عندنا شئ غير الإرادة وقالت المعتزلة هي إرادة المأمور به لنا وجوه أولها أن الله تعالى ما أراد من الكافر الإيمان وقد أمره به فدل على أن حقيقة الأمر غير حقيقة الإرادة وغير مشروطة بها وإنما قلنا إنه تعالى ما أراد منه الإيمان لوجهين أحدهما أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فلو آمن لزم انقلاب علمه جهلا وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فصدور الإيمان منه محال والله تعالى عالم بكونه محالا والعالم بكون الشئ محال الوجود لا يكون مريدا له بالاتفاق فثبت أن الله تعالى لا يريد الإيمان من الكافر وتمام الأسئلة والأجوبة على هذا الوجه سيأتي في مسألة تكليف ما لا يطاق إن شاء الله تعالى
-
الثاني هو أن صدور الفعل عن العبد يتوقف على وجود الداعي والداعي مخلوق لله تعالى دفعا للتسلسل وعند حصول الداعي يجب وقوع الفعل وإلا لزم وقوع الممكن لا عن مرجح أو افتقاره إلى
vol. 2, p. 20داعية أخرى وإلا لزم التسلسل إذا كانت الداعية مخلوقة لله تعالى وعند وجود الداعي يجب حصول الفعل فالله تعالى خلق في الكافر ما يوجب الكفر فلو أراد في هذه الحالة وجود الإيمان لزم كونه مريدا للضدين وذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا فثبت بهذين الوجهين أن الله تعالى ما أراد الإيمان من الكافر وأما أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان فذلك مجمع عليه بين المسلمين وإذا ظهرت المقدمتان ثبت أنه وجد الأمر بدون الإرادة وإذا ثبت ذلك ثبت أن حقيقة الأمر مغايرة لحقيقة الإرادة وغير مشروطة بها فإن قيل ما المراد من قولك أمر الكافر بالإيمان إن أردت به أنه أنزل لفظا يدل على كونه مريدا لعقابه في الآخرة إذا لم يصدر منه الإيمان فهذا مسلم لكن معناه نفس إرادة العقاب لا غير فلا يحصل مطلوبكم من أنه أمر بما لم يرد وإن عنيت شيئا آخر فاذكره سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه ما أراد الإيمان ولا نسلم أن إيمانه محال وسيأتي تقرير هذا المقام في مسألة تكليف ما لا يطاق سلمناه لكن لا نسلم أن المحال غير مراد بيانه هو أن الإرادة من جنس الطلب وإذا جوزت طلب
vol. 2, p. 21المحال مع العلم بكونه محالا فلم لا تجوز إرادته مع العلم بكونه محالا والجواب قوله الأمر بالشئ عبارة عن الإخبار عن إرادة عقاب تاركه قلت لو كان كذلك لتطرق التصديق والتكذيب إلى قوله آمنوا لأن الخبر من شأنه قبول ذلك ولأن سقوط العقاب جائز أما عندنا فبالعفو وأما عندهم ففي الصغائر قبل التوبة وفي الكبائر بعدها ولو تحقق الخبر عن وقوع العقاب لما جاز ذلك قوله لم قلت إن إرادة المحال ممتنعة قلنا هذا متفق عليه بيننا وبينكم وأيضا فلأن الإرادة صفة من شأنها ترجيح أحد طرفي الجائز على الآخر وذلك في المحال محال والعلم به ضروري وثانيها أن الرجل قد يقول لغيره إني أريد منك هذا الفعل لكنني لا آمرك به ولو كان الأمر هو الإرادة لكان قوله أريد منك الفعل ولا آمرك به جاريا مجرى أن يقال أريد منك الفعل ولا أريده منك وقوله آمرك بهذا الفعل ولا أمرك به ومعلوم أن ذلك صريح
vol. 2, p. 22التناقض دون الأول وثالثها أن الحكيم قد يأمر عبده بشئ في الشاهد ولا يريد منه أن يأتي بالمأمور به لإظهار تمرده وسوء أدبه فإن قلت ذلك ليس بأمر وإنما تصور بصورته قلت التجربة إنما تحصل بالأمر فدل على أنه أمر
-
ورابعها أنه سيظهر إن شاء الله تعالى في باب النسخ أنه يجوز نسخ ما وجب من الفعل قبل مضي مدة الامتثال فلو كان الأمر والنهي عبارتين عن الإرادة والكراهة لزم أن يكون الله تعالى مريدا كارها للفعل الواحد في الوقت الواحد من الوجه الواحد وذلك باطل بالاتفاق واحتج الخصم بوجهين الأول أن صيغة إفعل موضوعة لطلب الفعل وهذا الطلب إما الإرادة أو غيرها والثاني باطل لأن الطلب الذي يغاير الأرادة لو صح القول به لكان أمرا خفيا لا يطلع عليه إلا الأذكياء لكن العقلاء من أهل اللغة وضعوا هذه اللفظة للطلب الذي يعرفه كل واحد وما ذاك إلا الإرادة فعلمنا أن هذه الصيغة موضوعة للإرادة الثاني أن أرادة المأمور به لو لم تكن معتبرة في الأمر لصح الأمر بالماضي والواجب والممتنع قياسا على الخبر فإن إرادة المخبر عنه لما
vol. 2, p. 23لم تكن معتبرة في الخبر صح تعلق الخبر بكل هذه الأشياء والجواب عن الأول لا نسلم أن الطلب النفساني الذي يغاير الإرادة غير معلوم للعقلاء فإنهم قد يأمرون بالشئ ولا يريدونه كالسيد الذي يأمر عبده بشئ ولا يريده ليمهد عذره عند السلطان وعن الثاني أنه لا بد من الجامع وعلى أن القائل بتكليف ما لا يطاق يجوزه والله أعلم المسألة الثانية أن هذا الطلب معنى يقتضي ترجيح جانب الفعل على جانب الترك أو جانب الترك على جانب الفعل وعلى التقديرين فالترجيح قد يكون مانعا من الطرف الآخر كما في
-
الوجوب والحظر وقد لا يكون كما في الندب والكراهة والتفاوت بين أصل الترجيح وبين الترجيح المانع من النقيض تفاوت بالعموم والخصوص وأيضا فهنا لفظ دال على أصل الترجيح ولفظ دال على الترجيح المانع من النقيض وعلى التقديرين فالمعتبر إما اللفظ الدال عليه كيف كان اللفظ وإما اللفظة العربية
vol. 2, p. 24فها هنا أقسام ستة أحدها أصل الترجيح وثانيها الترجيح المانع من النقيض وثالثها ورابعها مطلق اللفظ الدال على الأول أو الثاني وخامسها وسادسها اللفظة العربية الدالة على الأول أو الثاني ثم أنت بالخيار في إطلاق لفظ الأمر على أيها شئت أو عليها بأسرها أو على طائفة منها بحسب الاشتراك فهذا حظ البحث العقلي وأما البحث اللغوي فهو أن نقول جعل الأمر اسما للصيغة الدالة على الترجيح أولى من جعله اسما لنفس الترجيح ويدل عليه وجوه أحدها أن أهل اللغة قالوا الأمر من الضرب إضرب ومن النصر
vol. 2, p. 25أنصر جعلوا نفس الصيغة أمرا وثانيها لو قال إن أمرت فلانا فعبدي حر ثم أشار بما يفهم منه مدلول
-
هذه الصيغة فإنه لا يعتق ولو كان حقيقة الأمر ما ذكرتم لزم العتق ولا يعارض هذا الحكم بما إذا خرس وأشار فإنه يعتق لأنا نمنع هذه المسألة وثالثها أنا لو جعلناه حقيقة في الصيغة كان مجازا في المدلول تسمية للمدلول باسم الدليل ولو جعلناه حقيقة في المدلول كان مجازا في الدليل تسمية للدليل باسم المدلول والأول أولى لأنه يلزم من فهم الدليل فهم المدلول أما لا يلزم من فهم المدلول فهم الدليل بل فهم دليل معين ورابعها أن الإنسان الذي قام بقلبه ذلك المعنى ولم ينطق بشئ لا يقال إنه أمر ألبتة بشئ وإذا قيل أمر فلان بكذا تبادر الذهن إلى اللفظ دون ما في
vol. 2, p. 26القلب وذلك يدل على أن لفظ الأمر اسم للصيغة لا للمدلول احتج المخالف بالآية والأثر والشعر والمعقول أما الآية فقوله تعالى إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون الله تعالى كذبهم في شهادتهم ومعلوم أنهم كانوا صادقين في النطق اللساني فلا بد من إثبات كلام في النفس ليكون الكذب عائدا إليه وأما الأثر فقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه زورت في نفسي كلاما فسبقني إليه أبو بكر
vol. 2, p. 27وأما الشعر فقول الأخطل
-
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا وأما المعقول فهو إن هذه الألفاظ مفردات فلو سميت كلاما لكانت إنما سميت بذلك لكونها معرفات للمعنى النفساني فكان يجب تسمية الكتابة والإشارة كلاما وإنه باطل والجواب عن الأول أن الشهادة هي الإخبار عن الشئ مع العلم به فلما لم يكونوا عالمين به فلا جرم كذبهم الله تعالى في ادعائهم كونهم شاهدين وعن الثاني أن قوله زورت في نفسي كلاما أي خمرته كما يقال قدرت في نفسي دارا وبناء
vol. 2, p. 28وعن الثالث أنا لا نسلم كون الشعر عربيا محضا ولو سلمناه فمعناه أن المقصود من الكلام ما حصل في القلب وعن الرابع أنه قياس في اللغة فلا يقبل فرع الآمر اسم لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب أو اللفظ العربي الدال على مطلق الطلب والحق هو الأول لأن الفارسي إذا طلب من عبده شيئا بلغته فإن العربي يسميه أمرا ولو حلف لا يأمر فأمر بالفارسية يحنث في يمينه وأما أنه اسم لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب أو لمطلق اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض فالحق هو الثاني وذلك إنما يظهر ببيان أن الأمر للوجوب المسألة الثالثة دلالة الصيغة المخصوصة على ماهية الطلب يكفي في تحققها الوضع من غير حاجة إلى إرادة أخرى وهو قول الكعبي
-
لنا وجهان أحدهما أن هذه الصيغة لفظة وضعت لمعنى فلا تفتقر
vol. 2, p. 29في إفادتها لما هي موضوعة له إلى الإرادة كسائر الألفاظ مثل دلالة السبع والحمار على البهيمة المخصوصة فإنه لا حاجة فيها إلى الإرادة وثانيهما أن الطلب النفساني أمر باطن فلا بد من الاستدلال عليه بأمر ظاهر والإرادة أمر باظن في مفتقرة إلى المعرف كافتقار الطلب إليه فلو توقفت دلالة الصيغة على الطلب على تلك الإرادة لما أمكن الاستدلال بالصيغة على ذلك الطلب ألبتة احتج المخالف بأنا نميز بين ما إذا كانت الصيغة طلبا وبين ما إذا كانت تهديدا ولا مميز إلا الإرادة والجواب أنها حقيقة في الطلب مجاز في التهديد فكما أن الأصل في كل الألفاظ إجراؤها على حقائقها إلا عند قيام دلالة صارفة فكذا ها هنا المسألة الرابعة ذهب أبو علي وأبو هاشم إلى أن إراردة المأمور به تؤثر في صيرورة صيغة إفعل أمرا وهذا خطأ من وجهين الأول أن الآمرية لو كانت صفة للصيغة لكانت إما أن تكون حاصلة لمجموع الحروف وهو محال لأنه لا وجود لذلك المجموع
vol. 2, p. 30وإما لأحادها هذه فيلزم أن يكون كل واحد من الحروف التي ائتلفت صيغة الأمر منها أمرا على الاستقلال وهو محال الثاني إن صيغة إفعل دالة بالوضع على معنى وذلك المعنى هو
-
أرادة المأمور فإذا كانت الإرادة نفس المدلول وجب أن لا تفيد الصيغة الدالة عليها صفة قياسا على سائر المسميات والأسماء المسألة الخامسة قال جمهور المعتزلة الآمر يجب أن يكون أعلى رتبة من المأمور حتى يسمى الطلب أمرا وقال أبو الحسين البصري المعتبر هو الاستعلاء لا العلو وقال أصحابنا لا يعتبر العلو ولا الاستعلاء
vol. 2, p. 31لنا قوله تعالى حكاية عن فوعون أنه قال لقومه فماذا تأمرون مع أنه كان أعلى رتبة منهم وقال عمرو بن العاص لمعاوية أمرتك أمرا حازما فعصيتني وكان من التوفيق قتل ابن هاشم وقال دريد بن الصمة لنظرائه ولمن هم فوقه
vol. 2, p. 32أمرتهم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد حتى ضحى الغد وقال حباب بن المنذر يخاطب يزيد بن المهلب أمير خراسان والعراق أمرتك أمرا حازما فعصيتني فأصبحت مسلوب الإمارة نادما فهذه الوجوه دالة على أن العلو غير معتبر وأما أن الاستعلاء غير معتبر فلأنهم يقولون فلان أمر فلانا
vol. 2, p. 33على وجه الرفق واللين
-
نعم إذا بالغ في التواضع يمتنع إطلاق الاسم عرفا وإن ثبت ذلك لغة واحتج المخالف على أن العلو معتبر بأنه يستقبح في العرف أن يقول القائل أمرت الأمير أو نهيته ولا يستقبحون أن يقال سألته أو طلبت منه ولولا أن الرتبة معتبرة وإلا لما كان كذلك وأما أبو الحسين فقال اعتبار الاستعلاء أولى من اعتبار العلو لأن من قال لغيره إفعل على سبيل التضرع إليه لا يقال إنه أمره وإن كان أعلى رتبة من المقول إليه من قال لغيره إفعل على سبيل الاستعلاء لا على سبيل التذلل يقال إنه أمره وإن كان المقول له أعلى رتبة منه ولهذا يصفون من هذا سبيله بالجهل والحمق من حيث أمر من هو أعلى رتبة منه واعلم أن مدار هذا الكلام على صحة الاستعلاء وأصحابنا يمنعون منه والله أعلم
vol. 2, p. 34المسألة السادسة لفظ الأمر قد يقام مقام الخبر وبالعكس أما أن الأمر يقام مقام الخبر فكما في قوله عليه الصلاة والسلام إذا لم تستح فاصنع ما شئت معناه صنعت ما شئت وأما أن الخبر يقام مقام الأمر فكما في قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء
vol. 2, p. 35والسبب في جواز هذا المجاز أن الأمر يدل على وجود الفعل كما أن
-
الخبر يدل عليه أيضا فبينهما مشابهة من هذا الوجه فصح المجاز وأيضا تجوز إقامة النهي مقام الخبر وبالعكس أما الأول فكقوله عليه الصلاة والسلام لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر معناه لا تنكحوها إلى غاية استئمارها وأما الثاني فكقوله ص لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها وكما في قوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون
vol. 2, p. 36وجه المجاز أن النهي يدل على عدم الفعل كما أن هذا الخبر يدل على عدمه فبينهما مشابهة من هذا الوجه والله أعلم