المسألة الأولى في الواجب المخير

9 paragraphs · vol. 2, p. 159

  1. النظر الأول في الوجوب والبحث إما عن أقسامه أو أحكامه أما أقسامه فاعلم أنه بحسب المأمور به ينقسم إلى معين وإلى مخير وبحسب وقت المأمور به إلى مضيق وموسع وبحسب المأمور إلى واجب على التعيين وواجب على الكفاية المسألة الأولى قالت المعتزلة الأمر بالأشياء على التخيير يقتضي وجوب الكل على التخيير وقالت الفقهاء الواجب واحد لا بعينه واعلم أنه لا خلاف في المعنى بين القولين لأن المعتزلة قالوا المراد

    vol. 2, p. 159
  2. من قولنا الكل واجب على البدل هو إنه لا يجوز للمكلف الإخلال

    vol. 2, p. 160بجميعها ولا يلزمه الجمع بينها ويكون فعل كل واحد منها موكولا إلى اختياره والفقهاء عنوا بقولهم الواجب واحد لا بعينه هذا المعنى بعينه فلا يتحقق الخلاف أصلا بل ها هنا مذهب يرويه أصحابنا عن المعتزلة ويرويه المعتزلة عن أصحابنا واتفق الفريقان على فساده وهو أن الواجب واحد معين عند الله تعالى غير معين عندنا إلا أن الله تعالى علم أن المكلف لا يختار إلا ذلك الذي هو واجب عليه والدليل على فساد هذا القول أن التخيير معناه أن الشرع جوز له

    vol. 2, p. 161ترك كل واحد منها بشرط الإتيان بالآخر وكونه واجبا على التعيين عند الله تعالى معناه أنه تعالى منعه من تركه على التعيين والجمع بين جواز الترك وعدم جوازه متناقض فسح ما ادعيناه أنه يمتنع أن يكون كل واحد منها واجبا على التعيين فان قلت لا نسلم أن التخيير ينافي تعيينه عند الله تعالى بيانه أن الله تعالى وإن خير بين الكفارات لكنه علم أن المكلف لا يختار إلا ذلك الذي هو واجب فلا يحصل الإخلال بالواحب أو نقول لم لا يجوز أن يقال إن لاختيار المكلف تأثيرا في كون ذلك الفعل المختار واجبا أو نقول لا يمتنع أن يكون ما عدا ذلك الفعل المعين مباحا

  3. ويسقط به الفرض كما يقولون إن الإتيان بالفعل المحظور قد يسقط به الفرض كالصلاة في الدار المغصوبة قلت الجواب عن الأول أن الله تعالى لما خيرنا بين الأمرين فقد أباح لنا ترك كل واحد منهما بشرط الإتيان بالثاني ووجوبه على التعيين معناه

    vol. 2, p. 162أنه تعالى لم يجوز لنا تركه البتة فلو خير الله تعالى بينه وبين غيره مع أنه جعله واجبا على التعيين لكان قد جمع بين جواز الترك وبين المنع منه أما قوله إن لاختيار المكلف تأثيرا قلت لا نزاع في تحقق الوجوب قبل الاختيار فمحل الوجوب إن كان واحدا معينا فهو باطل لأن التخيير ينافي التعيين وإن كان واحدا غير معين فهو محال لأن الواحد الذي يفيد كونه غير معين ممتنع الوجود وما يكون ممتنع الوجود يمتنع أن يقع التكليف بفعله وإن كان الواجب هو الكل بشرط التغيير فذاك هو المطلوب قوله لم لا يجوز أن يسقط الواجب بفعل مال ليس بواجب قلنا لأن الأمة أجمعت على أن الآتي بواحدة من الخصال الثلاث المشروعة في الكفارة لو كفر بغيرها من الثلاث لأجزأته ولكان فاعلا لما وقع التكليف به وذلك يبطل ما ذكروه واحتج المخالف بأن لفعل الواجب أثرا ولتركه أثرا وكلا الأثرين يدلان على أن الواجب واحد

    vol. 2, p. 163أما طرف الفعل فقالوا هذا الفعل له صفات كونه بحيث يسقط الفرض به وكونه واجبا وكونه بحيث يستحق عليه ثواب الواجب وكونه

  4. الواجب وكونه بحيث ينوى بفعله أداء الواجب وكل هذه الصفات تقتضي أن يكون الواجب واحدا معينا فأولها سقوط الفرض فقالوا لو لم يكن الواجب واحد معينا لكان المكلف إذا أتى بكلها دفعة واحدة فإما أن يكون سقوط الفرض معللا بكل واحد منها فيكون قد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال لأن ذلك الأثر مع أحد المؤثرين يصير واجب الوجود بذاته وواجب الوجود بذاته يستحيل أن يكون واجب الوجود بغيره فهو مع هذا المؤثر يمتنع أن يكون معللا بالمؤثر الثاني ومع المؤئر الثاني يمتنع أن يكون معللا بالمؤثر الأول فإذا وجد المؤثران معا يلزم أن يستغنى بكل واحد منهما عن كل واحد منهما فيكون محتاجا إليهما معا وغينا عنهما معا وذلك محال وإما أن يكون سقوط الفرض بالمجموع فذلك محال لأنه يلزم أن يكون المجموع واجبا وقد فرضنا الإتيان بالكل غير واجب

    vol. 2, p. 164وإما أن يكون سقوط الفرض بواحد منها فذلك الواحد إما أن يكون معينا غير معين والأول باطل لأن الأثر المعين يستدعي مؤثرا معينا موجودا وكل موجود فهو في نفسه معين ولا إبهام البتة في الوجود الخارجي إنما الإبهام في الذهن فقط وإذا امتنع وجود واحد غير معين امتنع الإتيان به وإذا امتنع الإتيان به امتنع أن يكون الإتيان به علة لسقوط الفرض ولما بطل هذا ثبت أن علة سقوط الفرض هو الإتيان بواحد

  5. منها عند الله تعالى وهو المطلوب وثانيها كونه واجبا فإذا أتى المكلف بكلها فإما أن يكون المحكوم عليه بالوجوب مجموعها أو كل واحد منها وعلى التقديرين يلزم أن يكون الكل واجبا على التعيين لا على التخيير وهو باطل أو واحدا غير معين وهو باطل لأن غير المعين يمتنع وجوده فيمتنع إيجابه أو واحدا معينا في نفسه غير معلوم لنا وهو المطلوب

    vol. 2, p. 165وثالثها أن يستحق عليه ثواب الواجب فإذا أتى المكلف بكلها فإما أن يستحق ثواب الواجب على كل واحد منها أو على مجموعها وعلى التقديرين يلزم أن يكون الكل واجبا على التعيين وإما أن لا يستحق ثواب الواجب منها إلا على واحد فذلك الواحد إما أن يكون معينا أو غير معين والثاني محال لأن استحقاق ثواب الواجب على فعله حكم ثابت له معين والحكم الثابث المعين يستدعي محلا معينا ولأن فعل شئ غير معين محال فعلمنا أن ذلك الواحد معين في نفسه غير معلوم للمكلف وربما أوردوا هذا الكلام على وجه آخر وهو أنه إذا أتى بالكل فإما أن ينوي الوجوب في فعل كل واحد أو في فعل واحد دون الباقي وتمام التقرير كما تقدم وأما طرف الترك فأثره استحقاق العقاب فالمكلف إذا أخل بها بأسرها فإما أن يستحق العقاب على ترك كل واحد منها فيكون فعل كل واحد منها واجبا على التعيين هذا خلف

  6. أو على ترك واحد منها وهو إما أن يكون معينا أو غير معين والثاني محال أما أولا فلأنه إذا لم يتميز واحد منها عن الآخر بصفة الوجوب كان

    vol. 2, p. 166إسناد استحقاق العقاب إلى واحد منها دون الآخر ترجيحا لأحد طرفي الجائز على الآخر لمرجح وهو محال وأما ثانيا فلأن استحقاق العقاب على الترك حكم معين فيستدعي محلا معينا لاستحالة قيام المعين بغير المعين وأما ثالثا فلأن استحقاق العقاب على الترك يستدعي إمكان الفعل ولا إمكان لفعل شئ غير معين ولما بطل هذا القسم ثبت أنه معلل بترك واحد معين عند الله تعالى وهو المطلوب وأما الذين زعموا أن الواجب واحد غير معين فقد احتجوا عليه بأن الإنسان إذا عقد على قفيز من صبرة فالمعقود عليه قفيز واحد لا بعينه وإنما يتعين باختيار المشتري أخذ قفيز منها فقد صار الواحد الذي ليس بمتعين في نفسه معينا باختيار المكلف وكذا إذا طلق زوجة من زوجاته لا بعينها أو أعتق عبدا من عبيده لا بعينه وكذا القول في عقد الإمامة لرجلين دفعة واحدة والخاطبين

    vol. 2, p. 167لامرأة واحدة فإن الجمع فيه حرام والجواب عن الأول أنه يسقط الفرض عندنا بكل واحد منها

  7. قوله يلزم أن يجتمع على الأثر الواحد مؤثرات مستقلة قلنا هذه الأسباب عندنا معرفات لا موجبات ولا يمتنع أن يجتمع على المدلول الواحد معرفات كثيرة وعن الثاني إن أردت بقولك هي واجبة كلها أنه يلزم فعلها بعد أن صارت مفعولة فذلك محال وغير لازم ولا يبقى بعد هذا إلا أن يقال إنها قبل دخولها في الوجود هل كانت بحيث يجب تحصيلها إما على الجمع أو على البدل وجوابنا أن نقول أما الجمع فلا وأما البدل فنعم بمعنى أنها بعد وجودها يصدق عليها أنها كانت قبل وجودها بحيث يجب تحصيل أي واحد منها اختار المكلف بدلا عن صاحبه وذلك لا يقدح في قولنا وأيضا فهذه الشبهة والتي قبلها لازمة للمخالف إذا قال الواجب هو ما يختاره المكلف لأنه إذا أتى بالكل فقد اختار كلها فوجب أن يسقط الفرض بكل واحد منها وأن يكون كل واحد منها واجبا وحينئذ يلزمه ما أورده علينا

    vol. 2, p. 168وعن الثالث قال بعضهم إنه يستحق ثواب الواجب على فعل أكثرها ثوابا ويمكن أن يقال إنه يستحق على فعل كل واحد منها ثواب الواجب المخير لا ثواب الواجب المعين ومعناه إنه يستحق على فعلها ثواب فعل أمور كان له ترك كل واحد منها بشرط الإتيان بالآخر لا ثواب فعل أمور كان يجب عليه الإتيان بكل واحد منها على التعيين وعلى هذا التقدير يسقط السؤال

  8. وهو الجواب عن قوله كيف ينوي وعن الرابع قال بعضهم يستحق عقاب أدونها عقابا ويمكن أن يقال لم لا يجوز أن يستحق العقاب على ترك مجموع أمور كان المكلف مخيرا بين ترك أي واحد منها كان بشرط فعل الآخر وعن الخامس أنه ليس العقد بأن يتناول قفيزا من الصبرة أولى من أن يتناول القفيز الآخر لفقدان الاختصاص فوجب أن يكون كل قفيز منها قد تناوله العقد لكن على سبيل البدل عل معنى أن كل واحد منها لا اختصاص لذلك العقد به على التعيين وللمشتري أن يختار أي قفيز شاء وإذا اختاره تعين ملكه فيه فتعين الملك في القفيز المعين كسقوط الفرض في الكفارة

    vol. 2, p. 169وكذا إذا طلق زوجة من زوجاته لا بعينها أو أعتق عبدا من عبيده لا بعينه أن كل واحدة منهن طالق على البدل وكل واحد منهم يعتق على البدل على معنى أنه لا اختصاص للطلاق أو العتق بواحد معين وأن أي امرأة اختار مفارقتها تعينت الفرقة عليها وحلت له الأخرى وأي عبد اختار عتقه تعينت فيه الحرية وكان له استخدام الباقين والله أعلم فرع الأمر بالأشياء قد يكون على الترتيب وقد يكون على البدل وعلى التقديرين قد يكوة أحمد الجمع محرما ومباحا ومندوبا مثال المحرم في الترتيب أكل الميتة وأكل المباح وفي البدل تزويج المرأة من كفئين

  9. ومثال المباح في الترتيب الوضوء والتيمم وفي البدل ستر العورة بثوب بعد ثوب ومثال المندوب في الترتيب الجمع بين خصال كفارة الفطر وفي البدل الجمع بين خصال كفارة الحنث والله أعلم