المسألة الثانية النهي يفيد التكرار

3 paragraphs · vol. 2, p. 281

  1. ظاهر النهي التحريم وفيه المذاهب التي ذكرناها في أن الأمر للوجوب لنا قوله تعالى وما نهاكم عنه فانتهوا أمر بالانتهاء عن المنهي عنه والأمر للوجوب فكان الانتهاء عن المنهي واجبا وذلك هو المراد من قولنا النهي للتحريم والله أعلم المسألة الثانية المشهور أن النهي يفيد التكرار

    vol. 2, p. 282ومنهم من أباه وهو المختار لنا أن النهي قد يراد منه التكرار وهو متفق عليه وقد يراد منه المرة الواحدة كما يقول الطبيب للمريض الذي شرب الدواء لا تشرب الماء ولا تأكل اللحم أي في هذه الساعة ويقول المنجم لا تفصد ولا تخرج إلى الصحراء أي في هذا اليوم ويقول الوالد لولده لا تلعب صلى الله عليه وسلم أي في هذا اليوم والاشتراك والمجاز خلاف الأصل فوجب جعل النهي حقيقة في القدر المشترك الثاني أنه يصح أن يقال لا تأكل السمك أبدا وأن يقال لا تأكل اللحم في هذه الساعة وأما في الساعة الأخرى فكل والأول ليس بتكرار والثاني ليس بنقض فثبت أن النهي لا يفيد التكرار احتج المخالف بأمور أحدها أن قوله لا تضرب يقتضي امتناع المكلف من إدخال ماهية الضرب في الوجود والامتناع من إدخال هذه الماهية في الوجود إنما يتحقق

    vol. 2, p. 281
  2. إذا امتنع من إدخال كل أفرادها في الوجود إذ لو أدخل فردا من أفرادها

    vol. 2, p. 283في الوجود وذلك الفرد مشتمل على الماهية فحينئذ يكون قد أدخل تلك الماهية في الوجود وذلك ينافي قولنا إنه امتنع من إدخال تلك الماهية في الوجود وثانيها أن قوله لا تضرب يعد في عرف اللغة مناقضا لقوله إضرب لأن تمام قولنا إضرب حاصل في قولنا لا تضرب مع زيادة حرف النهي لكن قولنا إضرب يفيد طلب الضرب مرة واحدة فلو كان قولنا لا تضرب يفيد الانتهاء أيضا مرة واحدة لما تناقضا لأن النفي والإثبات في وقتين لا يتناقضان فلما كان مفهوم النهي مناقضا لمفهوم الأمر وجب أن يتناول النهي كل الأوقات حتى تتحقق المنافاة وثالثها أن قوله لا تضرب لا يمتنع حمله على التكرار وقد دل الدليل على حمله على التكرار فوجب المصير إليه إنما قلنا إنه لا يمتنع حمله على التكرار لأن كون الإنسان ممتنعا عن فعل المنهي عنه أبدا ممكن ولا عسر فيه

    vol. 2, p. 284وأما أن الدليل دل عليه فلأنه ليس في الصيغة دلالة على وقت دون وقت فوجب الحمل على الكل دفعا للإجمال بخلاف الأر فإنه يمتنع حمله على التكرار لإفضائه إلى المشقة والجواب عن الأول إنه لا نزاع في أن النهي يقتضي امتناع المكلف عن إدخال تلك الماهية في الوجود ولكن الامتناع عن إدخال تلك الماهية في الوجود قدر مشترك بين الامتناع عنه دائما وبين الامتناع

  3. عنه لا دائما كما تقدم بيانه واللفظ الدال على القدر المشترك لا دلالة له على ما به يمتاز كل واحد من القسمين عن الثاني فإذن لا دلالة في هذا اللفظ على الدوام البتة وعن الثاني إنك إن أردت بقولك إن الأمر والنهي دلا على مفهومين متناقضين أن هذا يدل على الإثبات وذلك يدل على النفي فهذا مسلم ولكن مجرد النفي والاثبات لا يتنافيان إلا بشرط اتحاد الوقت فإن قولك زيد قائم زيد ليس بقائم لا يتناقضان لأنه متى صدق الإثبات في وقت واحد فقد صدق الإثبات ومتى صدق النفي في وقت آخر فقد صدق النفي