المسألة الرابعة هل يفيد النهي الفساد؟

6 paragraphs · vol. 2, p. 291

  1. والسلف أجمعوا على أن الظلمة لا يؤمرون بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة ولا طريق إلى التوفيق بيهما إلا ما ذكرناه وهو مذهب القاضي أبي بكر رحمه الله والله أعلم المسألة الرابعة ذهب أكثر الفقهاء إلى أن النهي لا يفيد الفساد وقال بعض أصحابنا أنه يفيده وقال أبو الحسين البصري أنه يفيد الفساد في العبادات لا في

    vol. 2, p. 291
  2. المعاملات وهو المختار والمراد من كون العبادة فاسدة أنه لا يحصل الإجزاء بها أما العبادات فالدليل على أن النهي فيها يدل على الفساد أن نقول إنه بعد الإتيان بالفعل المنهي عنه لم يأت بما أمر به فبقي في العهدة

    vol. 2, p. 292إنما قلنا إنه لم يأت بما أمر به لأن المأمور به غير المنهي عنه كما تقدم بيانه فلم يكن الإتيان بالمنهي عنه إتيانا بالمامور به وإنما قلنا إنه وجب أن يبقى في العهدة لأنه تارك للمأمور به وتارك المأمور به عاص والعاصي يستحق العقاب على ما مر تقريره في مسألة أن الأمر للوجوب فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالفعل المنهي عنه سببا للخروج عن عهدة الأمر فإنه لا تناقض في أن يقول الشارع نهيتك عن الصلاة في الثوب المغصوب ولكن إن فعلته أسقطت عنك الفرض بسببه سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن النهي يقتضي الفساد لكنه معارض بدليلين الأول أن النهي لو دل على الفساد لدل عليه إما بلفظه أو بمعناه ولم يدل عليه في الوجهين فوجب أن لا يدل على الفساد أصلا أما أنه لا يدل عليه بلفظه فلأن اللفظ لا يفيد إلا الزجر عن الفعل والفساد معناه عدم الإجزاء وأحدهما مغاير للآخر وأما أنه لا يدل عليه بمعناه فلأن الدلالة المعنوية إنما تتحقق إذا

    vol. 2, p. 293كان لمسمى الشئ لازم فاللفظ الدال على الشئ دال على لازم المسمى بواسطة دلالته على المسمى وها هنا الفساد غير لازم للمنع لأنه لا استبعاد في أن يقول الشارع لا تصل في الثوب المغصوب ولو صليت صحت صلاتك ولا تذبح الشاة بالسكين المغصوب ولو ذبحتها بها حلت ذبيحتك وإذا لم تحصل الملازمة انتفت الدلالة المعنوية الثاني لو اقتضى النهي الفساد لكان أينما تحقق النهي تحقق الفساد لكن الأمر ليس كذلك بدليل النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة والوضوء بالماء المغصوب مع صحتهما والجواب قوله لم لا يجوز أن يكون الإتيان بالمنهي عنه سببا للخروج عن العهدة قلنا لأنه إذا لم يأت بالمأمور به بقي الطلب كما كان فوجب الإتيان به وإلا لزم العقاب بالدليل المذكور قوله الصلاة في الثوب المغصوب منهي عنها ثم إن الإتيان بها يقتضي الخروج عن العهدة

    vol. 2, p. 294قلنا الدليل الذي ذكرناه يقتضي أن لا يخرج الإنسان عن عهدة الأمر إلا بفعل المأمور به إلا أنه قد يترك العمل بهذا الدليل في بعض الصور لمعارض والفرق أن مماسة بدن الإنسا للثوب ليست جزءا من ماهية الصلاة ولا مقدمة لشئ من أجزائها وإذا كان كذلك كان آتيا بعين الصلاة المأمور بها من غير خلل في ماهيتها أصلا

  3. أقصى ما في الباب أنه أتى مع ذلك بفعل آخر محرم ولكن لا يقدح في الخروج عن العهدة أما المعارضة الآولى فجوابها أن النهي دل على أن المنهي عنه مغاير للمأمور به والنص دل على أن الخروج عن عهدة الأمر لا يحصل إلا بالإتيان بالمأمور به فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين أن الإتيان بالمنهي عنه لا يقتضي الخروج عن العهدة وأما المعارضة الثانية فنقول لا نسلم أن النهي في الصور التي ذكرتموها تعلق بنفس ما تعلق به

    vol. 2, p. 295الأمر بل بالمجاور وحيث صح الدليل أن الفعل المأتي به غير الفعل المنهي عنه فلا نسلم أنه لا يفيد الفساد والله أعلم وأما المعاملات فالمراد من قولنا هذا البيع فاسد إنه لا يفيد الملك فنقول لو دل النهي على عدم الملك لدل عليه إما بلفظه أو بمعناه ولا يدل عليه بلفظه لأن لفظ النهي لا يدل إلا على الزجر ولا يدل عليه بمعناه أيضا لأنه لا استبعاد في أن يقول الشارع نهيتك عن هذا البيع ولكن إن أتيت به حصل الملك كالطلاق في زمان الحيض والبيع وقت النداء وإذا ثبت أن النهي لا يدل على الفساد لا بلفظه ولا بمعناه وجب أن لا يدل عليه أصلا فإن قيل هذا يشكل بالنهي في باب العبادات فإنه يدل على الفساد

  4. ثم نقول لا نسلم أنه يدل عليه بمعناه وبيانه من وجهين الأول أن فعل المنهي عنه معصية والملك نعمة والمعصية تناسب المنع من النعمة وإلا لاحت المناسبة فمحل الاعتبار جميع المناهي الفاسدة

    vol. 2, p. 296الثاني أن المنهي عنه لا يجوز أن يكون منشأ المصلحة الخالصة أو الراجحة وإلا لكان النهي منعا عن المصلحة الخالصة أو الراجحة وإنه لا يجوز بقي أحد امور ثلاثة وهو أن يكون منشأ المفسدة الخالصة أو الراجحة أو المساوية وعلى التقديرين الأولين وجب الحكم بالفساد لأنه إذا لم يفد الحكم أصلا كان عبثا والعاقل لا يرغب في العبث ظاهرا فلا يقدم عليه فكان القول بالفساد سعيا في إعدام تلك المفسدة وعلى التقدير الثالث وهو التساوي كان الفعل عبثا والاشتغال بالعبث محذور عند العقلاء والقول بالفساد يفضي إلى دفع هذا المحذور فوجب القول به سلمنا أن ما ذكرته يدل على قولك لكنه معارض بالنص والإجماع والمعقول أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام

    vol. 2, p. 297من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد

  5. والمنهي عنه ليس من الدين فيكون مردودا ولو كان سببا للحكم لما كان مردودا وأما الإجماع فهو أنهم رجعوا في القول بفساد الربا وفساد نكاح المتعة إلى النهي وأما المعقول فمن وجهين الأول أن النهي نقيض الأمر لكن الأمر يدل على الإجزاء فالنهي يدل على الفساد الثاني أن النهي يدل على مفسدة خالصة أو راجحة والقول

    vol. 2, p. 298بالفساد سعي في إعدام تلك المفسدة فوجب أن يكون مشروعا قياسا على جميع المناهي الفاسدة والجواب قوله يشكل بالنهي في العبادات قلنا المراد من الفساد في باب العبادات أنها غير مجزئة والمراد منه في باب المعاملات إنه لا يفيد سائر الاحكام واذا اختلف المعنى لم يتجه أحدهما نقضا على الآخر قوله الملك نعمة فلا تحصل من المعصية قلنا الكلام عليه وعلى الوجه الثاني مذكور في الخلافيات وأما الحديث فنقول الطلاق في زمان الحيض يوصف بأمرين أحدهما أنه غير مطابق لأمر الله تعالى والثاني أنه سبب للبينونة أما الأول فالقول به إدخال في الدين ما ليس منه فلا جرم كان ردا

  6. وأما الثاني فلم قلت إنه ليس من الدين حتى يلزم منه أن

    vol. 2, p. 299يكون ردا فإن هذا عين المتنازع فيه وأما الإجماع فلا نسلم أن الصحابة رضي الله عنهم رجعوا في فساد الربا والمتعة إلى مجرد النهي بدليل أنهم حكموا في كثير من المنهيات بالصحة وعند ذلك لا بد وأن يكون أحد الحكمين لأجل القرينة وعليكم الترجيح ثم هو معنا لأنا لو قلنا إن النهي يدل على الفساد لكان الحكم بعدم الفساد في بعض الصور تركا للظاهر أما لو قلنا بأنه لا يقتضي الفساد لم يكن إثبات الفساد في بعض الصور لدليل منفصل تركا للظاهر فكان ما قلناه أولى قوله الأمر دل على الإجزاء فوجب أن يدل النهي على الفساد قلنا هذا غير لازم لإمكان اشتراك المتضادات في بعض الصور اللوازم ولو سلمنا ذلك لكان الأمر لما دل على الإجزاء وجب أن لا يدل النهي عليه لا أن يدل على الفساد والله أعلم