المبحث الثاني: من آثار الإمام أحمد
96 paragraphs · vol. 1, p. 61
Page 1 of 3
- vol. 1, p. 61
سبق أن أشرنا لنهي الإمام أحمد عن كتابة فتاويه؛ حبًا في التمسك بالأثر وكراهة لتأليف الكتب التي تحتوي على الرأي والتفريعات الفقهية، وكان ينصح أصحابه بذلك.
قال عثمان بن سعيد: قال لي أحمد بن حنبل: لا تنظر في كتب أبي عبيد، ولا فيما وضع إسحاق، ولا سفيان، ولا الشافعي، ولا مالك، وعليك بالأصل (١) .
قال ابن الجوزي: كان الإمام أحمد لا يرى وضع الكتب، وينهى أن يكتب كلامه ومسائله، ولو رأى ذلك لكانت له تصانيف كثيرة، ولنقلت عنه كتب، فكانت تصانيفه المنقولات (٢) .
- (١)"المناقب" ص ٢٤٩.
- (٢)"المناقب" ص ٢٤٨.
-
ولقد تعجب ولده عبد اللَّه من هذا الموقف؛ فقال: قلت لأبي: لم كرهت وضع الكتب، وقد عملت "المسند" ؟ فقال: عملت هذا الكتاب إمامًا، إذا اختلف الناس في سنة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- رجع إليه (٣) .
- (٣)"طبقات الحنابلة" ٢/ ١٣.
-
وجواب الإمام يوضح لنا سبب النهي، وهو أن النهي عن كتابة كتب الرأي أو الفتاوى، لا عن كتابة السنة والأثر.
- vol. 1, p. 62
والناظر لما تركه الإمام أحمد لا يراه يخرج عن ذلك، وإليك بيانه:
- أولًا: الكتب المطبوعة:
-
١ - " المسند" : قال حنبل بن إسحاق: جمعنا عمي لي ولصالح ولعبد اللَّه وقرأ علينا "المسند" وما سمعه منه يعني ثانيا غيرنا، وقال لنا: هذا كتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديث فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فارجعوا إليه فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة (١) .
قال الحافظ ابن كثير: لا يوازي "مسند أحمد" كتابٌ مسندٌ في كثرته وحُسن سياقته (٢) .
- (١)"طبقات الحنابلة" ١/ ٣٨٥.
- (٢)"البَاعث الحَثيث" ص ٢٩.
- * أهم المؤلفات التي صُنفت على "المسند" :
-
- " الأوائل من المسند" لابن أبي عاصم أحمد بن عمرو الشيباني (ت ٢٨٧ هـ) ومنه نسخة في الظاهرية.
-
- "غريب الحديث على مسند أحمد بن حنبل" لأبي عمرو محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم المعروف بغلام ثعلب (ت ٣٤٥ هـ) .
-
- "ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج أحاديثهم أحمد بن حنبل في المسند" للحافظ ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) ، طبع بتحقيق الدكتور عامر حسن صبري.
-
- "خصائص المسند" للإمام المحدث أبي موسى المديني (ت ٥٨١ هـ) .
-
- "الانتصار لمسند الإمام أحمد" لعبد المغيث بن زهير بن علوي الحربي (ت ٥٨٣ هـ) .
- vol. 1, p. 63
- "تجريد ثلاثيات المسند" للإمام المحدث محب الدين إسماعيل بن عمر المقدسي (ت ٦١٣ هـ) .
-
- "نفثات صدر المُكَمَّد وقُرَّة عين المُسَهَّد بشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد" للشيخ محمد السفاريني الحنبلي.
-
- "الكمال في تراجم من له رواية في مسند الإمام أحمد ممن ليس لهم ذكر في تهذيب الكمال" لأبي المحاسن شمس الدين محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني (ت ٧٦٥ هـ) .
-
- وقد اختصر المسند سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن الشافعي المتوفى سنة ٨٠٤ هـ.
-
- "غاية المُقْصَد في زوائد المسند" لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ) .
-
- "ترتيب مسند أحمد على حروف المعجم" لأبي بكر محمد بن عبد اللَّه ابن عمر المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٨٢٠ هـ.
-
وقد ذكر ابن الجزري رحمه اللَّه بعض العلماء الذين عنوا بترتيب المسند، فقال: أما ترتيب هذا المسند، فقد أقام اللَّه تعالى لترتيبه شيخنا خاتمة الحفاظ الإمام الصالح الورع أبا بكر محمد بن عبد اللَّه بن المحب الصامت رحمه اللَّه تعالى، فرتبه على معجم الصحابة، ورتب الرواة كذلك، كترتيب كتاب الأطراف، تعب فيه تعبًا كثيرًا.
-
ثم إن شيخنا الإمام مؤرخ الإسلام، وحافظ الشام عماد الدين أبا الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير رحمه اللَّه تعالى أخذ هذا الكتاب المرتب من مؤلفه، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي، وأجهد نفسه كثيرًا، وتعب فيه تعبًا عظيمًا، فجاء
vol. 1, p. 64لا نظير له في العالم، وأكمله إلا بعض مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن يكمله، فإنه عوجل بكفّ بصره. وقال لي رحمه اللَّه تعالى: لا زلت أكبّ فيه في الليل، والسراج يُنّوْنص، حتى ذهب بصري معه (١) .
- (١)"المصعد الأحمد" ص ٣٩.
-
- "تهذيب المسند وترتيبه على الأبواب" لقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمد بن سليمان الحنبلي الشهير بابن زُرَيْق المتوفى سنة ٨٤١ هـ.
-
- أطراف الأحاديث التي اشتمل عليها المسند للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، سماه: "أطراف المُسْند المُعْتلي بأطراف المسند الحنبلي" .
-
- "القول المسَدَّد في الذبّ عن مسند الإمام أحمد" للحافظ ابن حجر العسقلاني.
-
- "ذيل القول المُسَدَّد في الذبّ عن مسند الإمام أحمد" لقاضي الملك محمد صبغة اللَّه المدراسي الهندي.
-
- "المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد" للحافظ شمس الدين بن الجزري المتوفى سنة (٨٨٣ هـ) .
-
- "عقود الزبرجد على مسند أحمد" لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) ، وهو بإعراب ما يشكل ألفاظه.
-
- اختصره عمر بن أحمد الشماع (ت ٩٣٦ هـ) ، وسماه: "در المنتقد من مذهب أحمد" .
-
- "شرح المسند" وألّف في ذلك حاشية نفيسة عليه العالم المحدث المحقق أبو الحسن نور الدين محمد بن عبد الهادي (ت ١٣٩ هـ) .
- vol. 1, p. 65
- "الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد على أبواب صحيح البخاري" لعلي بن الحسين بن عروة زُكْنون المتوفى سنة ٨٣٧ هـ، وقد شرحه بمئة وعشرين مجلدًا، يوجد في المكتبة الظاهرية نحو أربعين مجلدًا منها، بلغت صفحاتها نحوًا من عشرة آلاف، وثمانمائة صفحة، ومنها أجزاء في دار الكتب المصرية.
-
وقد عُمل له مشروع لإخراجه برعاية مؤسسة خيرية، وقد جمعوا من الكتاب أكثر من مائة مجلد، وكان لنا نصيب في بدايات العمل به قبل أن يتوقف ثم يعود، لكن هذا جعلنا على اطلاع بمضمون بعض أجزاء الكتاب، وقد كنتُ كتبت بذلك للمشرف بملاحظاتي على المشروع بصورة مختصرة، لكن المشروع تعثر أصلا بعد فترة من بدئه، ثم كتبتُ في ذلك مقالة، ثم تراجعت عن نشرها لأمور ألمت بي، وبخاصة مع انشغالي بمحنة " التوضيح لابن الملقن " ، ولكني لم أجد بُدًّا من إيرادها في هذا الموضع:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قولي في كتاب "الكواكب الدراري"
-
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه
أما بعد
فقد شاركت في بدايات مراحل تحقيق "الكواكب الدراري" لابن عروة، وكانت لي ملاحظات على الكتاب من خلال المجلدين السادس، والثالث والعشرين، ومن خلال تحقيق كتابين أُعتمد فيهما على نسخ من "الكواكب" :
ولتصور طريقة الكتاب أذكر باختصار منهجه في المجلدين المذكورين:
vol. 1, p. 66- في المجلد السادس: المؤلف في هذا المجلد يبوب غالبا على أبواب صحيح البخاري، لكنه أحيانًا يلجأ لأبواب أبي داود، أو ابن ماجه، وهذا قليل. وبعد ص ١١٩ من المخطوط يشرح موضوع الأبواب وهو الجهاد وينقل من "المغني" لابن قدامة. ثم يعود مرة أخرى للمسند.
-
- في المجلد (٢٣) ينقل بعض التراجم من "تهذيب الكمال" فيذكر أحد رواة حديث من الأحاديث التي أوردها، ثم يقول: وفي الباب: . . ويذكر بعض الرواة (باسم عبد الرحمن مثلا) من "تهذيب الكمال" .
-
نقل المصنف فصولا من كتاب ابن تيمية "بطلان التحليل" .
- بالنسبة للأحاديث:
-
- يحاول أن يستوعب أحاديث الباب وكل روايات الحديث من المسند، ورغم ذلك تفوته بعض الروايات.
-
- يلتزم المصنف بنقل الحديث بالنص سندًا ومتنًا وتقع له بعض التصحيفات القليلة جدا، وربما السقط، وباستقراء الفروق بينه وبين "المسند" المطبوع اتضح أن الموجود في المسند المطبوع دائما أصح.
-
- معظم التعليقات بنهاية الأبواب مأخوذة من "النهاية في غريب الحديث" .
-
أما بالنسبة للشرح أو (فقه الأحاديث) فهو هنا -في السادس- وفي المجلد (٢٣) مأخوذ من "المغني" و "تهذيب الكمال" و "البداية والنهاية" و "بطلان التحليل" وبصورة غير دقيقة كما سأبين.
-
- أما القيمة العلمية للكتاب فبالنسبة لهذين المجلدين فأنا لا أجد فيه فائدة قوية -اللهم إلا مسألة إخراج التراث للنور، وغيره أولى- فالكتاب لا يُعتمد عليه في استيعاب الروايات، ولكن تراجع فقط بعض الروايات
vol. 1, p. 67التي لا توجد في المسند للنظر فيها، وهي الفائدة المرجوة من المجلد (٦) .
-
وباقي المجلد شرح للأحاديث دون تعيين حديث الباب المشروح. وهو بصورة أوضح في المجلد (٢٣) إذ يقوم المصنف بتناول الموضوع الذي عرض أحاديثه، ولبيان ذلك بدقة نحتاج للاطلاع على باقي المجلدات، لكن الذي تبيّن لي من شرحه أنه ينقل من "المغني" ويحاول الاختصار بحذف الأدلة -ولعل ذلك باعتبار أنه أورد أحاديث الباب- وهو بهذا نوع من الاختصار، وليس له منهج محدد فيه، فهو أحيانا ينقل الكلام بالنص، وأحيانا يحذف الأدلة سواء من الأحاديث التي تقدمت أو من المعقول. وأحيانا لا يحذف. وأحيانا يحذف كلاما فيُخل بالمعنى. وذِكر الأمثلة على ذلك يطول، لكن من يعمل بأي جزء سيجد ذلك واضحًا.