٧١ - باب: إثبات الذراعين والصدر
3 paragraphs · vol. 1, p. 355
- vol. 1, p. 355
قال عبد اللَّه: حدثني أبي، نا أبو أسامة، نا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنه- قال: خلق اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الملائكة من نور الذراعين والصدر (١) .
- (١)رواه الدارمي في "نقضه على المريسي" ص ٣٧٦ (١٩٢)، وأبو الشيخ في "العظمة" (١٥٣)، وابن منده في "الرد على الجهمية" (٧٨)، وأبو يعلى في "إبطال التأويلات" ١/ ٢٢١، ورواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ٢/ ١٧٨ (٧٤٤) من طريق ابن جريج، عن رجل، عن عروة بن الزبير أنه سأل عبد اللَّه بن عمرو: أي الخلق أعظم؟ قال: الملائكة. قال: من ماذا خلقت؟ قال: من. . الحديث بتمامه. قال البيهقي: هذا موقوف على عبد اللَّه بن عمرو، وراويه رجل غير مسمى، فهو منقطع، وقد بلغني أن ابن عيينة رواه عن هشام بن عروة عن أبهي عن عبد اللَّه بن عمرو، فإن صح ذلك فعبد اللَّه بن عمرو وقد كان ينظر في كتب الأوائل، فما لا يرفعه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يحتمل أن يكون مما رآه فيما وقع بيده من تلك الكتب، ثم لا ينكر أن يكون الصدر والذراعان من أسماء بعض مخلوقاته، وقد وجد في النجوم ما سمى ذراعين، وفي الحديث الثابت عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "خلق الملائكة من نور" هكذا مطلقًا. اهـ. قلت: هذا تأويل من البيهقي رحمه اللَّه، وإنقاص من قدر أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال الدارمي في "نقضه على المريسي": قلتَ: وقال بعضهم: من شعر الذراعين والصدر. فيقال لهذا المعارض: إذا كان هذا الحديث عندك من المنكرات التي تترك من أجله جل الروايات فلِمَ فسرته كأنك تثبته؟ فقلتَ: تأويله عندنا محتمل على ما يقال في أسماء النجوم الذي يسمى منها الذراع والجبهة. = = ويحكك أيها المعارض؛ استنكرت الحديث، وتفسيرك أنكر منه، أخلق اللَّه الملائكة من نور النجوم وشعرها التي تسمى الذراع والجبهة؟ ! أم للنجوم شعور فيخلق منها الملائكة؟ ! لقد أغربت بهذا التفسير على جميع المفسرين، وأندرت وكدت أن تقلب العربية ظهرها لبطنها إن جازت عنك هذِه المستحيلات: إن اللَّه خلق الملائكة من شعور النجوم التي تسمى ذراعًا! ! وقال القاضي أبو يعلى: غير ممتنع حمل الخبر على ظاهره في إثبات الذراعين والصدر إذ ليس في ذلك ما يُحيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأنا لا نُثبت ذراعين وصدرًا هي جوارح وأبعاض، بل نُثبت ذلك صفة كما أثبتنا اليدين والوجه والعين والسمع والبصر، وإن لم نعقل معناه. فإن قيل: عبد اللَّه بن عمرو لم يرفعه إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وإنما هو موقوف عليه فلا يلزم الأخذ به. قيل: إثبات الصفات لا يؤخذ إلا توقيفًا؛ لأن لا مجال للعقل والقياس فيها، فإذا رُوي عن بعض الصحابة فيه قول علم أنهم قالوه توقيفًا. فإن قيل: فقد قيل إن عبد اللَّه بن عمرو أصاب وسقين يوم اليرموك، وكان فيها من كتب الأوائل مثل "دانيال" وغيره، فكانوا يقولون له إذا حدثهم: حدثنا ما سمعت من رسول اللِّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا تحدثنا من وسقيك يوم اليرموك. فيحتمل أن يكون هذا القول من جملة تلك الكتب فلا يجب قبوله، وكذلك كان وهب بن منبه يقول: إنما ضل من ضل بالتأويل، ويرون في كتب "دانيال" أنه لما علا إلى السماء السابعة فانتهوا إلى العرش رأى شخصًا ذا وفرة فتأول أهل التشبيه على أن ذلك ربهم وإنما ذلك إبراهيم. قيل: هذا غلط لوجهين: أحدهما أنه لا يجوز أن يظن به ذلك؛ لأن فيه إلباس في شرعنا، وهو أنه يروي لهم ما يظنوه شرعًا لنا، ويكون شرعًا لغيرنا، ويجب أن نُنزه الصحابة عن ذلك. والثاني: إن شرعنا وشرع غيرنا سواء في الصفات؛ لأن صفاته لا تختلف باختلاف الشرائع. = = فإن قيل: يحتمل أن يكون ذلك صدرًا وذراعين لبعض خلقه؛ لأنه ذكر الذراعين والصدر مطلقًا، وقد وجد في النجو ما يسمى ذراعين وصدرًا، وتكون الفائدة في ذلك التنبيه على ما في قدرته من المخلوقات وإنشاء المخترعات. قيل: هذا غلط؛ لأنه ذكر الذراعين والصدر بالألف واللام، والألف واللام يدخلان للعهد أو للجنس، وليس يمكن حمله على الجنس؛ لأنه يقتضي كل ذراع وكل صدر، وليس هاهنا معهود من الخلق يشار إليه، فلم يبق إلا أن يحمل عليه سبحانه؛ لأنه أعرف المعارف، يبين صحة هذا أنه لما أراد تخصيص بعض الملائكة بفضيلة أو حكم عرَّفه باسمه نحو قوله تعالى {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: ٩٨] وقوله تعالى {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} [الشعراء: ١٩٣] ونحو ذلك؛ ولأن حمله على بعض خلقه يسقط فائدة التخصيص بالملائكة، فلما خصَّ الملائكة بالذكر علم أنه قصد تشريفهم، وإذا حُمل على بعض خلقه لم يكن لهم مزية. اهـ.
-
"السنة" لعبد اللَّه ٢/ ٤٧٥.
- vol. 1, p. 356
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .