٩٧ - فصل: مناظرة الجهمية

64 paragraphs · vol. 1, p. 574

Page 2 of 2

  1. واحتج علي آخر بحديث الطنافسي عن الأعمش، عن جامع حديث عمران بن حصين: "إن اللَّه خلق الذكر" ؟ فقلت: هذا وهم فيه - يعني: الطنافسي- وأبو معاوية يقول: "كتب اللَّه الذكر" .

    قال: وكنت أصيح عليهم، وأرفع صوتي، وكان أهون علي من كذا وكذا، ذهب اللَّه بالرعب من قلبي، حتى لم أكن أبالي بهم ولا أهابهم، فلما يئسوا مني واجتمعوا علي، قال لي عبد الرحمن: ما رأيت مثلك قط، من صنع ما صنعت؟ ! قلت له: القرآن، قد اجتمعت أنا وأنتم على أنه كلام اللَّه، وزعمتم أنه مخلوق، فهاتوه من كتاب أو سنة، فقال لي ابن أبي دؤاد: وأنت تجد في كل شيء كتابًا وسنة؟

    vol. 1, p. 591
  2. فلما أيس مني قال: خذوه، وأدخل الأتراك أيديهم في أقيادي فجروني إلى موضع بعيد، وذكر قصة الضرب.

  3. "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٥٨ - ٢٦٢ (٤٣٦ - ٤٣٨)

    vol. 1, p. 592قال زرقان بن محمد سمعت أبا داود السجستاني يقول: لما جيء بعبد اللَّه بن عبد اللَّه الخراساني، وأحضر للمحنة، وأحمد بن حنبل محبوس،

    قال الخراساني: هذا الذي تدعوني إليه، اعرضوه علي.

    قال: تقول: القرآن مخلوق؟

    قال: هذا الذي تدعون إليه، علمه اللَّه ورسوله وجميع المؤمنين؟

    قالوا: نعم. قال: فوسعهم السكوت عنه؟

  4. فأطرق المعتصم مليًّا، ثم رفع رأسه فقال: نعم.

    قال: فما وسعكم ما وسع القوم؟ !

    قال: فقال المعتصم: أخلوا لي بيتًا، فأخلي له بيت، فطرح نفسه فيه على قفاه، ورفع رجليه مع الحائط وهو يقول: علمه اللَّه، وعلمه رسوله، والمؤمنون، ووسعهم السكوت عنه، وسعنا ما وسع القوم، صدق الخراساني، ما زال يقول ذلك ويردده يومه وليلته، لا يجد فيه حجة.

  5. فلما كان من الغد أمر بإحضار الجماعة ثم جلس على كرسيه وأحضر القوم، فبدأ الخراساني فأسكتهم وقطع حجتهم، فقال المعتصم: خلوا عن الخراساني.

    فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، إن هذا متى يخرج على هذه السبيل يفتن العامة، ويقول: غلبت أمير المؤمنين وغلبت قضاته وشيوخه وعلماءه، وقهرته وأدحضت حجته، فقال: صدقت يا أحمد، ثم قال: جروا برجله. فجروا برجله على وجهه إلى البيت الذي فيه أحمد بن حنبل، فتعلقت الرزة بغلصمته، فقال: اجذبوه. فانقطع رأسه.

    قال أحمد بن حنبل: فسمعت اللسان يقول في الرأس: غير مخلوق ثلاث مرات، ثم سكت.

    vol. 1, p. 593قال أحمد: فكان ذلك مما بصرني في أمري، وشجع به قلبي.

  6. "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣ (٤٥٥)

    قال سلامة بن جعفر الرملي: حدثنا العباس بن مشكويه الهمذاني، قال: أدخلت على الخليفة المتكنى بالواثق أنا وجماعة من أهل العلم، فأقبل بالمسألة علي من بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين إني رجل مروع ولا عهد لي بكلام الخلفاء من قبلك.

    فقال: لا تروع ولا بأس عليك، ما تقول في القرآن؟ فقلت: كلام اللَّه غير مخلوق، فقال: أشهد لتقولن مخلوقًا أو لأضربن عنقك.

    قال: فقلت: إنك إن تضرب عنقي فإنك في موضع ذلك إن جرت به المقادير من عند اللَّه، فتثبت علي يا أمير المؤمنين، فإما أن أكون عالمًا فتثبت حجتي، وإما أن أكون جاهلًا فيجب عليك أن تعلمني؛ لأنك أمير المؤمنين وخليفة اللَّه في أرضه، وابن عم نبيه.

    فقال: أما تقرأ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) } [القمر: ٤٩] ، {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) } [الفرقان: ٢] . قلت: يا أمير المؤمنين! الكلية في كتاب اللَّه خاص أم عام؟ قال: عام. قلت: لا، بل خاص، قال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل: ٢٣] فهل أوتيت ملك سليمان عليه السلام؟

  7. فحذفني بعمود كان بين يديه، ثم قال: أخرجوه فاضربوا عنقه. فأخرجت إلى قبة قريبة منه، فشد عليها كتافي، فناديت: يا أمير المؤمنين، إنك ضارب عنقي وأنا متقدمك، فاستعد للمسألة جوابًا.

    فقال: أخرجوا الزنديق وضعوه في أضيق المحابس.

  8. فأخرجت إلى دار العامة، فإذا أنا بابن أبي دؤاد يناظر الناس على خلق القرآن، فلما نظر إلي قال: يا خرمي!

    vol. 1, p. 594قلت: أنت والذين معك، وهم شيعة الدجال.

  9. فحبسني في سجن ببغداد يقال له: المطبق، فأرسل إلي جماعة من العلماء رقعة يشجعونني ويثبتونني على ما أنا عليه، فقرأت ما فيها، فإذا فيها:

    عليك بالعلم واهجر كل مبتاع ... وكل غاوٍ إلى الأهواء ميالِ

    ولا تميلن يا هذا إلى بدع ... يضل أصحابها بالقيل والقالِ

    إن القرآن كللام اللَّه أنزله ... ليس القرآن بمخلوق ولا بالِ

    لو أنه كان مخلوقا لصيره ... ريب الزمان إلى موت وإبطال

    وكيف يبطل ما لا شيء يبطله؟ ... أم كيف يبلى كلام الخالق العالي

    وهل يضيف كلام اللَّه من أحدٍ ... إلى البلى غير ضلال وجهالِ

    فلا تقل بالذي قالوا وإن سفهوا ... وأوثقوك بأقياد وأغلالِ

    ألم ترى العالم الصبار حيث بلي ... بالسوط هل حالٍ عن حالِ إلى حالِ

    فاصبر على كل ما يأتي الزمان به ... فالصبر سرباله من خير سربالِ

    vol. 1, p. 595يا صاحب السجن فكر فيم تحسبه ... أقاتل هو أم عون لقتالِ

    أم هل أتيت به رأسا لرافضة ... يرى الخروج لهم جهلًا على الوالي؟

    أم هل أصيب على خمرٍ ومعزفةٍ ... يصرف الكأس فيها كل ضلالِ؟

    ما هكذا هو بل لكنه ورع ... عف عفيف عن الأعراض والمالِ

    ثم ذكرني بعد أيام وأخرجني من السجن، وأوقفني بين يديه، وقال: عساك مقيمًا على الكلام الذي كنت سمعته منك؟

    فقلت: واللَّه يا أمير المؤمنين إني لأدعو ربي تبارك وتعالى في ليلي ونهاري ألا يميتني إلا على ما كنت سمعته مني.

    قال: أراك متمسكًا! قلت: ليس هو شيء قلته من تلقاء نفسي، ولكنه شيء لقيت فيه العلماء بمكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام والثغور، فرأيتهم على السنة والجماعة.

    فقال لي: وما السنة والجماعة؟ قلتُ: سألت عنها العلماء، فكل يخبر ويقول: إن صفة المؤمن من أهل السنة والجماعة أن يقول العبد مخلصًا: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاءت الأنبياء والرسل، ويشهد العبد على ما ظهر من لسانه وعقد عليه قلبه، والإيمان بالقدر خيره وشره من اللَّه، ويعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قد علم من خلقه ما هم فاعلون،

    vol. 1, p. 596وما هم إليه صائرون، فريق في الجنة وفريق في السعير، وصلاة الجمعة والعيدين خلف كل إمام بر وفاجر، وصلاة المكتوبة من غير أن تقدم وقتًا أو تؤخر وقتًا، وأن نشهد للعشرة الذين شهد لهم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من قريش بالجنة، والحب والبغض للَّه وفي اللَّه، وإيقاع الطلاق إذا جرى كلمة واحدة، والمسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة، والتقصير في السفر إذا سافر ستة عشر فرسخا بالهاشمي -ثمانية وأربعين ميلًا- وتقديم الإفطار وتأخير السحور، وتركيب اليمين على الشمال في الصلاة، والجهر بآمين، وإخفاء بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وأن تقول بلسانك. وتعلم يقينا بقلبك أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان اللَّه عليهم، والكف عما شجر بين أصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، والإيمان بالبعث والنشور، وعذاب القبر، ومنكر ونكير، والصراط، والميزان، وأن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، يخرج أهل الكبائر من هذه الأمة من النار، وأنه لا يخلد فيها إلا مشرك، وأن أهل الجنة يرون اللَّه بأبصارهم، وأن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) } [الزمر: ٦٧] . قال: فلما سمع هذا مني أمر بي فقلع لي أربعة أضراس، وقال: أخرجوه عني لا يفسد علي ما أنا فيه.

  10. فأخرجت فلقيت أبا عبد اللَّه -أحمد بن حنبل- فسألني عما جرى بيني وبين الخليفة فأخبرته، فقال: لا نسي اللَّه لك هذا المقام حين تقف بين يديه، ثم قال: ينبغي أن نكتب هذا على أبواب مساجدنا، ونعلمه أهلنا وأولادنا، ثم التفت إلى ابنه صالح فقال: اكتب هذا الحديث، واجعله في رق أبيض واحتفظ به، واعلم أنه من خير حديث كتبته إذا لقيت اللَّه

    vol. 1, p. 597يوم القيامة تلقاه على السنة والجماعة.

  11. "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٨ (٤٥٦)

  12. قال أبو عمر حمزة بن القاسم بن عبد العزيز الهاشمي الخطيب، كان في جامع منصور: حدثنا أبو علي -حنبل بن إسحاق بن حنبل- قال: حضرت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين عند عفان، وكان أول ما امتحن عفان، وسأله يحيى بعدما امتحن من الغد، فقال له: يا أبا عثمان، أخبرنا بما كلمك به إسحاق، وما كان مرده عليك؟

    فقال: يا أبا زكريا، لم أسود وجهك ولا وجوه أصحابك - يعني بذلك: أني لم أجب.

    فقال له: كيف كان؟ قال: قرأ علي الكتاب الذي كتب به المأمون من أرض الجزيرة من الرقة، فإذا فيه: امتحن عفان وادعه إلى أن يقول: القرآن - يعني: مخلوق- فإن أجاب فأقره على أمره، وإن لم يجبك إلى ما كتبت به فاقطع عنه الذي تجري عليه.

    قال عفان فلما قرأ علي قال لي إسحاق: ما تقول؟

  13. قرأت عليه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) } [الإخلاص: ١] .

    فقال لي إسحاق: يا شيخ، إن أمير المؤمنين يقول: إنك إن لم تجبه إلى ما يدعوك إليه يقطع عنك ما يجري عليك، وإن قطع عنك أمير المؤمنين قطعنا نحن أيضًا.

    فقال: قال عفان: فقلت له: فقول اللَّه: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) } [الذاريات: ٢٢] قال: فسكت عني، وانصرفت، فسر أبو عبد اللَّه بذلك ويحيى وأصحابهم.

    قال حنبل: فسمعت أبا عبد اللَّه بعد ذلك يقول: سبحان اللَّه! كان

    vol. 1, p. 598الناس يتكلمون - يعني: في هذين الشيخين- ويذكرونهما، وكنا من الناس في أمرهما ما اللَّه به عليم، قاما للَّه بأمر لم يقم به أحد مثل ما قاما به: عفان وأبو نعيم.

  14. "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤ (٤٦٣)

  15. نقل حنبل عن أحمد في كتاب "المحنة" أنه قال ذلك في المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله: "تجيء البقرة وآل عمران" (١) قالوا: والمجيء لا يكون إلا لمخلوق، فعارضهم أحمد بقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: ٢٢] {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} (٢) [الأنعام: ١٥٨] .

    1. (١)رواه الإمام أحمد ٥/ ٢٤٩، ومسلم (٨٠٤) من حديث أبي أمامة بلفظ "اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان".
    2. (٢)ذكره ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ١٦/ ٤٠٤ - ٤٠٥.
  16. "إبطال التأويلات" ٢/ ٣٩٦.

  17. [باقي أبواب الرد على الجهمية في المجلد التالي]

  18. مدونة الحنابلة (١)

    its page on Shamela
  19. الجامع لعلوم الإمام أحمد

    تأليف

    خالد الرباط - سيد عزت عيد - محمد أحمد عبد التواب

    (بمشاركة الباحثين بدار الفلاح)

  20. «قسم العقيدة ٢»

  21. [المجلد الرابع]

  22. جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة لدار الْفَلاح وَلَا يجوز نشر هَذَا الْكتاب بِأَيّ صِيغَة أَو تَصْوِيره PDF إِلَّا بِإِذن خطي من صَاحب الدَّار الْأُسْتَاذ/ خَالِد الرِّبَاط

    الطبعة الأولى

    ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م

    رقم الْإِيدَاع بدار الْكتب

    ١٩١٩٤/ ٢٠٠٩

    دَار الْفَلاح للبحث العلمي وَتَحْقِيق التراث

    ١٨ شَارِع أحمس - حَيّ الجامعة - الفيوم

    ت: ٠١٠٠٠٠٥٩٢٠٠

    [email protected]

    vol. 2, p. 2
  23. قسم العقيدة (٢)

    vol. 2, p. 5
  24. ١ - تابع: الرد على الجهمية

    ٢ - الإيمان بنبوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-

    ٣ - كتاب القدر

    ٤ - كتاب الفتن وأشراط الساعة

    ٥ - كتاب الإيمان باليوم الآخر

    ٦ - كتاب الصحابة