[ما ينبغي للعاقل]
43 paragraphs · vol. 4, p. 781
Page 1 of 2
- vol. 4, p. 781
قَوْلُهُ: [مَحَلُّ مُرُورٍ] : تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى مَمَرٍّ.
-
قَوْلُهُ: [إلَى آخِرِ مَا قَالَ] : لَا مَعْنَى لَهُ فَالْمُنَاسِبُ حَذْفُهُ.
-
قَوْلُهُ: [الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ] : تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَيِّ التَّفْسِيرِيَّةِ.
-
قَوْلُهُ: [وَعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ] : أَيْ مَصْحُوبًا بِعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ وَالْأَعْمَالَ وَحْدَهُمَا لَا يَكْفِيَانِ الْعَبْدَ فِي النَّجَاةِ بِدُونِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»
- vol. 4, p. 782
{وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر: ٤٣] : أَيْ الْكَافِرِينَ أَصْحَابُ الْعَذَابِ الْمُؤَبَّدِ. وَمَنْ أَسْرَفَ بِالذَّنْبِ مَعَ الْإِيمَانِ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَلَا يُؤَبَّدُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ وَنَتَوَسَّلُ بِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجِيرَنَا مِنْ النَّارِ. (فَيَنْبَغِي) مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ (لِلْعَاقِلِ) الْمُتَّصِفِ بِالْعَقْلِ نُورٌ إلَى آخِرِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ (أَنْ يَتَجَافَى عَنْ دَارِ الْغُرُورِ) يَتَبَاعَدُ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِمَّا هُوَ زِينَةٌ ظَاهِرِيَّةٌ وَنِقْمَةٌ بَاطِنِيَّةٌ مِمَّا يُخَالِفُ الشَّرْعَ فَلَا يَعْتَنِي بِجَمْعِهَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ» فَيَلْزَمُ تَرْكُ مَا يُشْغِلُ مِنْهَا وَالْغُرُورُ مَا يَغُرُّ ثُمَّ يَزُولُ وَقِيلَ الْبَاطِلُ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: ١٨٥] أَيْ لَذَّاتُهَا وَزَخَارِفُهَا شَيْءٌ يَتَمَتَّعُ بِهِ الْمَغْرُورُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَغْرُورَ مَغْبُونٌ كَمَنْ دَلَّسَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ حَتَّى غَرَّهُ فِي شِرَاءِ مَعِيبٍ وَهَذَا إنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا لِلْآخِرَةِ وَإِلَّا فَهِيَ مَمْدُوحَةٌ (بِتَرْكِ
ــ
[حاشية الصاوي]
-
قَوْلُهُ: [وَلَا يُؤَبَّدُ] : أَيْ لَا يَخْلُدُ فِيهَا قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ:
وَجَائِزٌ تَعْذِيبُ بَعْضٍ ارْتَكَبَ ... كَبِيرَةً ثُمَّ الْخُلُودُ مُجْتَنَبْ
قَوْلُهُ: [مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ] : أَيْ فَالْوُجُوبُ فِي التَّجَافِي عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالنَّدْبُ فِي التَّجَافِي عَنْ الْمَكْرُوهَاتِ وَخِلَافُ الْأُولَى.
-
قَوْلُهُ: [إلَى آخِرِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ] : أَيْ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ، وَلَهُ شُعَاعٌ مُتَّصِلٌ بِالدِّمَاغِ تُدْرِكُ بِهِ النَّفْسُ الْعُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ وَالنَّظَرِيَّةَ هَذَا هُوَ أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ.
-
قَوْلُهُ: [مَنْ لَا دَارَ لَهُ] : أَيْ فِي الْآخِرَةِ.
-
قَوْلُهُ: [مَنْ لَا مَالَ لَهُ] : أَيْ فِي الْآخِرَةِ.
-
وَقَوْلُهُ: [مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ] : أَيْ كَامِلًا.
-
قَوْلُهُ: [فَيَلْزَمُ تَرْكُ مَا يُشْغِلُ مِنْهَا] : أَيْ يَجِبُ تَرْكُ كُلِّ مُشْغِلٍ عَنْ اللَّهِ حَيْثُ كَانَ فِي الشُّغْلِ بِهِ ضَيَاعُ الْوَاجِبَاتِ وَالْوُقُوعُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ.
-
قَوْلُهُ: [كَمَنْ دَلَّسَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ] إلَخْ: قَالَ فِي بُرْدَةِ الْمَدِيحِ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
وَيَا خَسَارَةَ نَفْسٍ فِي تِجَارَتِهَا ... لَمْ تَشْتَرِ الدِّينَ بِالدُّنْيَا وَلَمْ تُسِمْ
وَمَنْ يَبِعْ عَاجِلًا مِنْهُ بِآجِلِهِ ... يَبِنْ لَهُ الْغَبْنُ فِي بَيْعٍ وَفِي سَلَمِ
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَهِيَ مَمْدُوحَةٌ] : أَيْ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «نِعْمَ الْمَالُ
vol. 4, p. 783الشَّهَوَاتِ) الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ بَلْ وَالْمُبَاحَةِ بِحَيْثُ يَصْرِفُهَا بِالنِّيَّةِ الْحَسَنَةِ لِلطَّاعَةِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» . وَقَدْ وَرَدَ: «أَنَّهُ قُدِّمَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوِيقُ اللَّوْزِ فَرَدَّهُ وَقَالَ: هَذَا طَعَامُ الْمُتَرَفِّهِينَ فِي الدُّنْيَا» وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ إلَى دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: حَرَامٌ عَلَى قَلْبٍ أَحَبَّ الشَّهَوَاتِ أَنْ أَجْعَلَهُ إمَامًا لِلْمُتَّقِينَ. وَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إنْ أَرَدْت اللُّحُوقَ بِصَاحِبَيْك فَرَقِّعْ قَمِيصَك وَاخْصَفْ نَعْلَك وَقَصِّرْ أَمَلَكَ وَكُلْ دُونَ الشِّبَعِ. فَخَطَبَ لِلنَّاسِ وَعَلَيْهِ إزَارٌ فِيهِ ثِنْتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً وَقَدَّمَتْ إلَيْهِ حَفْصَةُ مَرَقًا بَارِدًا وَصَبَّتْ عَلَيْهِ زَيْتًا فَقَالَ: إدَامَانِ فِي إنَاءٍ؟ لَا آكُلُهُ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ (وَالْفُتُورُ) بِالْفَاءِ وَالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ: الْكَسَلُ عَمَّا هُوَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا وَقَدْ تَعَوَّذَ مِنْ ذَلِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ دَفْعِ الْفَقْرِ
ــ
[حاشية الصاوي]
-
الصَّالِحُ فِي يَدِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ» .
-
قَوْلُهُ: [حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ] إلَخْ: مِثَالٌ وَكِنَايَةٌ كَأَنَّ الْجَنَّةَ لَمَّا كَانَتْ لَا تُنَالُ إلَّا بِالْخُرُوجِ عَنْ الشَّهَوَاتِ فِي مِرَاضِي الرَّبِّ، مُثِّلَتْ بِمَدِينَةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ التُّحَفِ لَكِنْ حَوْلَهَا آفَاتٌ وَعَقَبَاتٌ فَلَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا مَنْ تَحَمَّلَ الْمَكَارِهَ، وَلَمَّا كَانَ تَتَبُّعُ الشَّهَوَاتِ مَدْخَلًا لِلنَّارِ مُثِّلَتْ النَّارُ بِمَدِينَةٍ احْتَوَتْ عَلَى جَمِيعِ الْمَكَارِهِ وَحَوْلَهَا زَخَارِفُ وَبَسَاتِينُ فَتَدَبَّرْ قَالَ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى} [النازعات: ٣٧] {وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النازعات: ٣٨] {فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: ٣٩] {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: ٤٠] {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: ٤١] .
-
قَوْلُهُ: [وَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ] إلَخْ: أَيْ عَلَى عَادَةِ وَعْظِ الْعُلَمَاءِ لِلْأُمَرَاءِ.
-
قَوْلُهُ: [بِصَاحِبَيْك] : يَعْنِي بِهِمَا النَّبِيَّ الْمُصْطَفَى وَأَبَا بَكْرٍ.
-
قَوْلُهُ: [فَخَطَبَ لِلنَّاسِ] : أَيْ وَهُوَ أَمِيرُهُمْ حِينَئِذٍ وَكَانَ بَعْضُهَا مِنْ آدَمَ كَمَا فِي السِّيَرِ.
-
قَوْلُهُ: [وَقَدَّمَتْ إلَيْهِ حَفْصَةُ] : أَيْ بِنْتُهُ وَهِيَ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ -.
-
قَوْلُهُ: [فِي حَدِيثِ دَفْعِ الْفَقْرِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ إلَخْ.
- vol. 4, p. 784
وَوَفَاءِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَّمَهُ لِلرَّجُلِ أَتْعَبَهُ الدَّيْنُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَيَقْتَصِرُ عَلَى ضَرُورَاتٍ) مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ إلَيْهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَبِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ تَارِكًا الْفُضُولَ الْمُبَاحَاتِ خُصُوصًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللِّسَانِ وَالْبَطْنِ، أَوْحَى اللَّهُ إلَى سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ إذَا كُنْت وَحْدَك فَاحْفَظْ قَلْبَك وَإِذَا كُنْت بَيْنَ النَّاسِ فَاحْفَظْ لِسَانَك وَإِذَا كُنْت عَلَى الْمَائِدَةِ فَاحْفَظْ بَطْنَك وَإِذَا كُنْت عَلَى الطَّرِيقِ فَاحْفَظْ عَيْنَك فَهَذِهِ تُورِثُ السَّلَامَةَ وَالصِّحَّةَ.
-
(شَاكِرًا) لَهُ تَعَالَى بِصَرْفِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ لِمَا خَلَقَ لَهُ (ذَاكِرًا) لَهُ تَعَالَى بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ (صَابِرًا) عَلَى الْمَكَارِهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّبْرُ ثَلَاثَةٌ صَبْرٌ عَلَى الْمُصِيبَةِ، وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ، وَصَبْرٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ؛ فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزَائِهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَثَمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ وَالدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ
ــ
[حاشية الصاوي]
-
قَوْلُهُ: [تُورِثُ السَّلَامَةَ] : أَيْ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ.
-
وَقَوْلُهُ: [وَالصِّحَّةَ] : أَيْ فِي الْبَدَنِ وَهِيَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى حِفْظِ الْبَطْنِ.
-
قَوْلُهُ: [صَابِرًا عَلَى الْمَكَارِهِ] : أَيْ مُتَحَمِّلًا لِلْمَكَارِهِ وَهِيَ كُلُّ مَا لَا يُوَافِقُ الطَّبْعَ.
-
قَوْلُهُ: [عَلَى الْمُصِيبَةِ] : أَيْ الْمَكَارِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَإِلَّا فَالْمَعْصِيَةُ مِنْ أَكْبَرِ الْمَصَائِبِ وَمَعْنَى الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ تَجَرُّعُ مَرَارَتِهَا مَعَ الِاسْتِرْجَاعِ قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: ١٥٦] الْآيَةَ.
-
قَوْلُهُ: [وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ] : أَيْ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا مَعَ عَدَمِ السَّآمَةِ مِنْهَا.
-
قَوْلُهُ: [وَصَبْرٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ] : أَيْ وَهُوَ عَدَمُ الْإِلْمَامِ مَعَ الْخُرُوجِ عَنْ شَهْوَتِهَا قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ: وَصَبْرُنَا عَلَى طَاعَتِك وَعَنْ مَعْصِيَتِك وَعَنْ الشَّهَوَاتِ الْمُوجِبَاتِ لِلنَّقْصِ أَوْ الْبُعْدِ عَنْك.
-
قَوْلُهُ: [بِحُسْنِ عَزَائِهَا] : أَيْ وَهُوَ اسْتِرْجَاعُهُ إلَى اللَّهِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ.
-
قَوْلُهُ: [كَتَبَ اللَّهُ لَهُ] إلَخْ: هَذَا كِنَايَةٌ عَنْ سَعَةِ الْمُجَازَاةِ وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ فِي ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: ١٠] وَإِنَّمَا تَفَاوَتَتْ تِلْكَ الْمَرَاتِبُ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ تَابِعٌ لِعَظَمِ الْمَشَقَّةِ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الدَّوَامَ عَلَى
vol. 4, p. 785وَالْأَرْضِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سِتَّمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ إلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ، وَمَنْ صَبَرَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ تِسْعَمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ إلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ مَرَّتَيْنِ» وَيُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ خُصُوصًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّاسِ كَثْرَةُ الْحِلْمِ كَشَيْخِنَا الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ سَحَائِبُ رَحْمَةِ اللَّهِ؛ وَانْظُرْ مَا وَقَعَ مِنْ الْجَارِيَةِ الَّتِي صَبَّتْ الْمَاءَ لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ ابْنِ سَيِّدِنَا الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْوُضُوءِ لِيَتَهَيَّأَ لِلصَّلَاةِ فَوَقَعَ الْإِبْرِيقُ مِنْ يَدِهَا عَلَى وَجْهِهِ فَشَجَّهُ فَرَفَعَ بَصَرَهُ لَهَا فَقَالَتْ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: ١٣٤] قَالَ: كَظَمْت غَيْظِي فَقَالَتْ: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: ١٣٤] فَقَالَ: عَفَا اللَّهُ عَنْك فَقَالَتْ: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: ١٣٤] فَقَالَ: اذْهَبِي أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ،
وَالصَّبْرُ: الِاسْتِعَانَةُ بِاَللَّهِ وَالْوُقُوفُ مَعَهُ تَعَالَى بِحَسْبِ الْأَدَبِ وَالصَّبْرُ عَلَى الطَّلَبِ
ــ
[حاشية الصاوي]
-
الطَّاعَةِ أَشَقُّ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ، وَهَجْرُ الْمَعَاصِي دَوَامًا أَشَقُّ مِنْ الدَّوَامِ عَلَى الطَّاعَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرًا مَنْ يُدِيمُ الذِّكْرَ مَعَ كَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ فِي هَجْرِ الْمَعَاصِي وَفِي الْحَدِيثِ: «أَفْضَلُ الْهِجْرَةِ أَنْ تَهْجُرَ الْحَرَامَ» ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ صَاحِبَ هَذَا الْمَقَامِ بِقَوْلِهِ: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: ٤٠] {فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: ٤١] .
-
قَوْلُهُ: [وَيُعِينُ] : فِعْلٌ مُضَارِعٌ وَكَثْرَةُ الْحِلْمِ فَاعِلُهُ.
-
قَوْلُهُ: [لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ ابْنِ سَيِّدِنَا الْحُسَيْنِ] : أَيْ وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّاعِرُ:
يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ ... فَلَا يُكَلَّمُ إلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ
وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ كَمَا تَدُلُّ عَلَى حِلْمِ سَيِّدِ الْجَارِيَةِ وَكَرَمِهِ تَدُلُّ عَلَى حُسْنِ ذَكَائِهَا كَمَا قَالَ فِي الْهَمْزِيَّةِ:
وَمَا أَحْسَنَ مَا يَبْلُغُ الْمُنَى الْأَذْكِيَاءُ
قَوْلُهُ: [وَالصَّبْرُ] : أَيْ الْكَامِلُ الشَّامِلُ لِلْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ
قَوْلُهُ: [وَالْوُقُوفُ مَعَهُ] : أَيْ مَعَ أَحْكَامِهِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا حُلْوِهَا وَمُرِّهَا.
-
قَوْلُهُ: [عَلَى الطَّلَبِ] : أَيْ عَلَى مَا يُطْلَبُ وَيُقْصَدُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
- vol. 4, p. 786
عُنْوَانُ الظَّفَرِ، وَعَلَى الْمِحَنِ عُنْوَانُ الْفَرَجِ. وَمِنْ أَعْظَمِ الصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلَى مُخَالَفَةِ شَهَوَاتِ النَّفْسِ مِنْ حُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالْمَحْمَدَةِ وَالرِّيَاءِ.
-
(مُسَلِّمًا لِلَّهِ أَمْرَهُ) فَإِنَّ مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ أَمْرَهُ أَرَاحَ قَلْبَهُ وَنَالَ مُرَادَهُ، وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ لَا يُفِيدُهُ إلَّا الْوَبَالُ وَلَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ مُرَادِهِ تَعَالَى، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: «يَا عَبْدِي إنْ رَضِيت بِمَا قَسَمْت لَك أَرَحْت بَدَنَك وَقَلْبَك وَكُنْت عِنْدِي مَرْضِيًّا، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِمَا قَسَمْت لَك سَلَّطْت عَلَيْهِ الدُّنْيَا تَرْكُضُ فِيهَا كَرَكْضِ الْوَحْشِ فِي الْبَرِّيَّةِ وَأَتْعَبْت بَدَنَك وَقَلْبَك، وَكُنْت عِنْدِي مَذْمُومًا وَلَا يَكُونُ إلَّا مَا قَسَمْت لَك» أَوْ كَمَا قَالَ فَمَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ أَمْرَهُ كَانَ مِنْ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَرْزُقُهُمْ اللَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ} [الطلاق: ٢] بِامْتِثَالِ مَأْمُورَاتِهِ وَاجْتِنَابِ مَنْهِيَّاتِهِ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِذَلِكَ. {يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: ٢ - ٣] : فَرَجًا وَخَلَاصًا مِنْ مَضَارِّ الدَّارَيْنِ وَفَوْزًا بِخَيْرِهِمَا. رُوِيَ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَوْفٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَشَكَا أَبُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ــ
[حاشية الصاوي]
-
وَقَوْلُهُ: [عُنْوَانُ الظَّفَرِ] : أَيْ عَلَامَةٌ عَلَى حُصُولِهِ وَهُوَ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ مُحَرَّكًا الْفَوْزُ.
-
قَوْلُهُ: [وَعَلَى الْمِحَنِ] : أَيْ الْمَكَارِهُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ.
-
قَوْلُهُ: [أَرَاحَ قَلْبَهُ] : أَيْ مِنْ الْعَنَاءِ وَقَدْ قُلْت فِي هَذَا الْمَعْنَى:
أَرِحْ قَلْبَك الْعَانِيَ وَسَلِّمْ لَهُ الْقَضَا ... تَفُزْ بِالرِّضَا فَالْأَصْلُ لَا يَتَحَوَّلُ
عَلَامَةُ أَهْلِ اللَّهِ فِينَا ثَلَاثَةٌ ... إيمَانٌ وَتَسْلِيمٌ وَصَبْرٌ مُجَمِّلُ
قَوْلُهُ: [مِنْهَا يَا عَبْدِي] إلَخْ: هَذَا حَدِيثٌ قُدْسِيٌّ مَحْكِيٌّ عَنْ اللَّهِ وَمِنْهَا أَيْضًا: «يَا عَبْدِي أَنْتَ تُرِيدُ وَأَنَا أُرِيدُ وَلَا يَكُونُ إلَّا مَا أُرِيدُ، فَإِنْ سَلَّمْت لِي مَا أُرِيدُ أَعْطَيْتُك مَا تُرِيدُ، وَإِنْ لَمْ تُسَلِّمْ لِي مَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُك فِيمَا تُرِيدُ وَلَا يَكُونُ إلَّا مَا أُرِيدُ» .
-
قَوْلُهُ: [أَرَحْت بَدَنَك] : يَصِحُّ بِحَسْبِ الْمَعْنَى فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ وَأَتْعَبْت فَتْحُ التَّاءِ وَضَمُّهَا وَانْظُرْ الرِّوَايَةَ.
-
قَوْلُهُ: [كَرَكْضِ الْوَحْشِ فِي الْبَرِّيَّةِ] : كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مُهْمَلًا مَعْدُودًا مِنْ الْأَخْيَارِ.