القول في الناسي والجاهل والمكره
76 paragraphs · vol. 1, p. 187
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 192
وَفِيهِ صُوَرٌ: مِنْهَا: لَوْ قَدَّمَ لَهُ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ، فَأَكَلَهُ ضِيَافَةً جَاهِلًا، بَرِئَ الْغَاصِبُ فِي الْأَظْهَرِ.
-
وَمِنْهَا: لَوْ أَتْلَفَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ قَبْلَ الْقَبْضِ جَاهِلًا، فَهُوَ قَابِضٌ فِي الْأَظْهَرِ.
-
وَمِنْهَا: لَوْ خَاطَبَ زَوْجَتَهُ بِالطَّلَاقِ جَاهِلًا بِأَنَّهَا زَوْجَتَهُ، بِأَنْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ نَكَحَهَا لَهُ وَلِيُّهُ، أَوْ وَكِيلُهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ. وَقَعَ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.
-
وَمِنْهَا: لَوْ خَاطَبَ أَمَتَهُ بِالْعِتْقِ، كَذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ.
-
وَمِنْ نَظَائِرِهَا: مَا إذَا نَسِيَ أَنَّ لَهُ زَوْجَةً، فَقَالَ: زَوْجَتِي طَالِقٌ. وَمِنْهَا: كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَا إذَا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي إعْتَاقِ عَبْدٍ، فَأَعْتَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ عَبْدُ الْمُوَكِّل، فَإِذَا هُوَ عَبْدُ الْوَكِيلِ، نَفَذَ عِتْقُهُ.
قَالَ الْعَلَائِيُّ: وَلَا يَجِيءُ فِيهِ احْتِمَالُ الْإِمَامِ ; لِأَنَّ هَذَا قَصَدَ قَطْعَ الْمِلْكِ، فَنَفَذَ.
-
وَمِنْهَا: إذَا قَالَ الْغَاصِبُ، لِمَالِكِ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ: أَعْتِقْ عَبْدِي هَذَا، فَأَعْتَقَهُ جَاهِلًا، عَتَقَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي وَجْهٍ: لَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَطْعَ مِلْكِ نَفْسِهِ.
قُلْت: خَرَجَ عَنْ هَذِهِ النَّظَائِرِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ: مَا إذَا اُسْتُحِقَّ الْقِصَاصُ عَلَى رَجُلٍ، فَقَتَلَهُ خَطَأً، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ الْمَوْقِعَ.
-
وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا: مَحْظُورَاتُ الْإِحْرَامِ، الَّتِي هِيَ إتْلَافٌ، كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ، وَالظُّفْرِ، وَقَتْلِ الصَّيْدِ. لَا تَسْقُطُ فِدْيَتُهَا بِالْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ.
-
وَمِنْهَا: يَمِينُ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ بِاَللَّهِ، أَوْ الطَّلَاقِ، أَوْ الْعِتْقِ: أَنْ يَفْعَلَهُ، فَتَرَكَهُ نَاسِيًا، أَوْ لَا يَفْعَلُهُ، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا لِلْحَلْفِ، أَوْ جَاهِلًا أَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ، مِمَّنْ يُبَالِي بِيَمِينِهِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، فَقَوْلَانِ فِي الْحِنْثِ، رَجَّحَ كُلًّا الْمُرَجِّحُونَ. وَرَجَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ عَدَمَ الْحِنْثِ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ وَالْفَتَاوَى.
قَالَ: لِحَدِيثِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» وَهُوَ عَامٌّ، فَيُعْمَلُ بِعُمُومِهِ، إلَّا مَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ، كَغَرَامَةِ الْمُتْلَفَاتِ، ثُمَّ اُسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ: مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُ عَامِدًا، وَلَا نَاسِيًا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالْفِعْلِ نَاسِيًا بِلَا خِلَافٍ، لِالْتِزَامِ حُكْمِهِ. هَذَا فِي الْحَلِفِ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ.
-
أَمَّا عَلَى الْمَاضِي، كَأَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ فَعَلَهُ فَاَلَّذِي تَلَقَّفْنَاهُ مِنْ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ.
- vol. 1, p. 193
وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، فَيَفْعَلَهُ نَاسِيًا لِلْيَمِينِ، أَوْ جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ.
-
وَلِابْنِ رَزِينٍ: فِيهِ كَلَامٌ مَبْسُوطٌ، سَأَذْكُرُهُ.
-
وَاَلَّذِي فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ: أَنَّ فِيهِ الْقَوْلَيْنِ. فِي النَّاسِي وَمُقْتَضَاهُ، عَدَمُ الْحِنْثِ. وَعِبَارَةُ الرَّوْضَةِ: لَوْ جَلَسَ مَعَ جَمَاعَةٍ، فَقَامَ وَلَبِسَ خُفَّ غَيْرِهِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اسْتَبْدَلْت بِخُفِّك، وَلَبِسْت خُفَّ غَيْرِك، فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ: أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، إنْ قَصَدَ أَنِّي لَمْ آخُذْ بَدَلَهُ كَانَ كَاذِبًا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا طَلُقَتْ. وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا، فَعَلَى قَوْلَيْ طَلَاقِ النَّاسِي انْتَهَى
وَلَك أَنْ تَقُولَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ إجْرَاءِ الْقَوْلَيْنِ الِاسْتِوَاءُ فِي التَّصْحِيحِ، وَابْنُ رَزِينٍ أَبْسَطُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَهَا أَنَا أُورِدُ عِبَارَتُهُ بِنَصِّهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ الْفَوَائِدِ.
قَالَ: لِلْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاقِعًا فِي نَفْسِ الْيَمِينِ أَوْ الطَّلَاقِ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الطَّلَاق، لَا يَقَعُ طَلَاقَهُ، إذَا كَانَ غَيْرَ مُخْتَارٍ لِذَلِكَ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ الْإِكْرَاهِ، بَلْ طَاوَعَ الْمُكْرِهَ، فِيمَا أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، وَصِفَتِهِ.
-
وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْيَمِينِ، وَعَلَى التَّعْلِيقِ. وَيَلْتَحِقُ بِالْإِكْرَاهِ فِي ذَلِكَ: الْجَهْلُ الَّذِي يُفْقَدُ مَعَهُ الْقَصْدُ إلَى اللَّفْظِ، مَعَ عَدَمِ فَهْمِ مَعْنَاهُ وَالنِّسْيَانِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَلَفَّظَ بِالطَّلَاقِ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهُ أَصْلًا، أَوْ عَرَفَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ فَهَذَانِ نَظِيرُ الْمُكْرَهِ، فَلَا يَقَعُ بِذَلِكَ طَلَاقٌ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِمِثْلِهِ يَمِينٌ.
-
وَذَلِكَ إذَا حَلَفَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ اسْمُهُ.
-
أَمَّا إذَا جَهِلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، أَوْ نَسِيَهُ، كَمَا إذَا دَخَلَ زَيْدٌ الدَّارَ، وَجَهِلَ ذَلِكَ الْحَالِفَ أَوْ عَلِمَهُ، ثُمَّ نَسِيَهُ فَحَلَفَ بِاَللَّهِ أَوْ بِالطَّلَاقِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدَّارِ فَهَذِهِ يَمِينٌ ظَاهِرُهَا تَصْدِيقُ نَفْسِهِ فِي النَّفْيِ، وَقَدْ يَعْرِضُ فِيهَا أَنْ يَقْصِدَ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ (فِي اعْتِقَادِهِ أَوْ فِيمَا انْتَهَى إلَيْهِ عِلْمُهُ أَيْ: لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَهُ، وَلَا يَكُونُ قَصْدُهُ الْجَزْمَ بِأَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ) فِي الْحَقِيقَةِ، بَلْ تَرْجِعُ يَمِينُهُ إلَى أَنَّهُ حَلَفَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ كَذَا، أَوْ يَظُنُّهُ، وَهُوَ صَادِقٌ فِي أَنَّهُ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، أَوْ ظَانٌّ لَهُ، فَإِنْ قَصَدَ الْحَالِفُ ذَلِكَ حَالَةَ الْيَمِينِ أَوْ تَلَفَّظَ بِهِ مُتَّصِلًا بِهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ قَصَدَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ، أَوْ أَطْلَقَ فَفِي وُقُوع الطَّلَاقِ، وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ: مَأْخَذُهُمَا: أَنَّ النِّسْيَانَ، وَالْجَهْلَ هَلْ يَكُونَانِ عُذْرًا لَهُ فِي ذَلِكَ، كَمَا كَانَا عُذْرًا فِي بَابِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، أَمْ لَا يَكُونَانِ عُذْرًا، كَمَا لَمْ يَكُونَا عُذْرًا فِي غَرَامَاتِ الْمُتْلَفَاتِ؟
-
وَيُقَوِّي إلْحَاقَهُمَا بِالْإِتْلَافَاتِ، بِأَنَّ الْحَالِفَ بِاَللَّهِ أَنَّ زَيْدًا فِي الدَّارِ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا.
- vol. 1, p. 194
قَدْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، فَهُوَ كَالْجَانِي خَطَأً.
-
وَالْحَالِفُ بِالطَّلَاقِ إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِصِيغَةِ التَّعْلِيق، كَقَوْلِهِ: إنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ فِي الدَّارِ، فَزَوْجَتِي طَالِقٌ، إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَقَدْ تَحَقَّقَ الشَّرْطُ، الَّذِي عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ إلَّا لِتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى عَدَمِ كَوْنِهِ فِي الدَّارِ، وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا فِي عَدَمِ كَوْنِهِ فِي الدَّارِ.
-
وَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ صِيغَةِ التَّعْلِيقِ، كَقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، لَقَدْ خَرَجَ زَيْدٌ مِنْ الدَّارِ. وَكَقَوْلِهِ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَيْسَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ. فَهَذَا إذَا قَصَدَ بِهِ الْيَمِينَ، جَرَى مَجْرَى التَّعْلِيقِ وَإِلَّا لَوَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ، وَإِذَا جَرَى مَجْرَى التَّعْلِيق، كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ.
-
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الْجَهْلُ، وَالنِّسْيَانُ، وَالْإِكْرَاهُ، أَنْ يُعَلِّقَ الطَّلَاقَ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ أَوْ دُخُولِ زَيْدٍ الدَّارَ، أَوْ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَإِذَا دَخَلَهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ مُكْرَهًا، فَإِنْ جَرَّدَ قَصْدَهُ عَنْ التَّعْلِيقِ الْمَحْضِ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَدْخُل السُّلْطَانُ الْبَلَدَ الْيَوْمَ، أَوْ لَا يَحُجُّ النَّاسُ فِي هَذَا الْعَامِ. فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: وُقُوعُ الطَّلَاقِ، وَالْحِنْثِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وَقَعَ ذَلِكَ عَمْدًا، أَوْ نِسْيَانًا، اخْتِيَارًا، أَوْ مَعَ إكْرَاهٍ، أَوْ جَهْلٍ.
-
وَإِنْ قَصَدَ بِالْيَمِينِ تَكْلِيفَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِكَوْنِهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَرَى مُخَالَفَتَهُ مَعَ حَلِفِهِ أَوْ قَصَدَ بِالْيَمِينِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ رَادِعَةً عَنْ الْفِعْلِ، فَالْمَذْهَبُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا إذْ رَجَعَتْ حَقِيقَةُ هَذِهِ الْيَمِينُ إلَى تَكْلِيفِ نَفْسِهِ ذَلِكَ، أَوْ تَكْلِيفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَالنَّاسِي لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُهُ، وَكَذَلِكَ الْجَاهِلُ.
-
وَأَمَّا إنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا فَالْإِكْرَاهُ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ، فَإِنَّا نُحَرِّمُ عَلَى الْمُكْرَهِ الْقَتْلَ وَنُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ فِي الصَّوْمِ، وَإِذَا كَانَ مُكَلَّفًا - وَقَدْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ - فَيَظْهَرُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ وَالْحِنْثِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى إلْحَاقًا بِالْإِتْلَافِ، لِتَحَقُّقِ وُجُودِ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، إذْ لَفْظُ التَّعْلِيقِ عَامٌّ يَشْمَلُ فِعْلَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ مُخْتَارًا، وَمُكْرَهًا وَنَاسِيًا وَجَاهِلًا وَذَاكِرًا لِيَمِينٍ وَعَالِمًا، وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ مَالَ إلَى الْحِنْثِ، وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ. لَكِنَّا إنَّمَا اخْتَرْنَا عَدَمَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِيهِمَا ; لِأَنَّ قَصْدَ التَّكْلِيفِ يَخُصُّهُمَا، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ الدُّخُولِ تَحْتَ عُمُومِ اللَّفْظِ، فَلَا يَنْهَضُ ; لِأَنَّ مَخْرَجَ الْإِكْرَاهِ لِكَوْنِهِ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ، كَمَا ذَكَرْنَا هَذَا مَا تَرَجَّحَ عِنْدِي فِي الصُّورَةِ الَّتِي فَصَّلْتُهَا، وَبَقِيَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ: مَا إذَا أَطْلَقَ التَّعْلِيقَ وَلَمْ يَقْصِدْ تَكْلِيفًا وَلَا قَصَدَ التَّعْلِيقَ الْمَحْضَ بَلْ أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْيَمِينِ
vol. 1, p. 195فَهَذِهِ الصُّورَةُ: هِيَ الَّتِي أَطْلَقَ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ فِيهَا الْقَوْلَيْنِ.
-
وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالِانْتِصَارِ وَالرَّافِعِيُّ، عَدَمَ الْحِنْث وَعَدَمَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ.
-
وَكَانَ شَيْخُنَا ابْنُ الصَّلَاحِ: يَخْتَارُ وُقُوعَهُ وَيُعَلِّلُهُ بِكَوْنِهِ مَذْهَبَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَبِعُمُومِ لَفْظِ التَّعْلِيقِ ظَاهِرًا، لَكِنَّ قَرِينَةَ الْحَثِّ وَالْمَنْعِ تَصْلُحُ لِلتَّخْصِيصِ وَفِيهَا بَعْضُ الضَّعْفِ.
-
وَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ صَاحِبُ الْحَاوِي، وَمَنْ حَكَى عَنْهُ التَّوَقُّفَ مِنْ أَشْيَاخِهِ فِي ذَلِكَ.
-
فَاَلَّذِي يُقَوِّي التَّخْصِيصَ: أَنْ يَنْضَمَّ إلَى قَرِينَةِ الْحَثِّ، وَالْمَنْعِ: الْقَصْدُ لِلْحَثِّ، وَالْمَنْعِ، فَيُقَوِّي حِينَئِذٍ التَّخْصِيصَ كَمَا اخْتَرْنَاهُ، وَالْغَالِبُ: أَنَّ الْحَالِفَ عَلَى فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ مِنْ أَفْعَالِ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَرْتَدِعُ مِنْهُ يَقْصِدُ الْحَثَّ أَوْ الْمَنْعَ فَيُخْتَارُ أَيْضًا: أَنْ لَا يَقَعَ طَلَاقُهُ بِالْفِعْلِ مَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ، إلَّا أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ الْحَثِّ أَوْ الْمَنْعِ بِقَصْدِ التَّعْلِيقِ عَلَى الْفِعْلِ مُطْلَقًا، فَيَقَعُ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا بِوُجُودِ الْفِعْلِ. وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا يَمْتَنِعُ وُقُوعُ طَلَاقِهِ بِالنِّسْيَانِ أَوْ الْجَهْلِ إلَّا عِنْدَ قَصْدِ الْحَثِّ أَوْ الْمَنْعِ، انْتَهَى كَلَامُهُ بِحُرُوفِهِ.
-
وَمَا جُزِمَ بِهِ مِنْ الْحِنْثِ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى وَهِيَ: الْحَلِفُ عَلَى الْمَاضِي نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا: ذَكَرَهُ بِحُرُوفِهِ الْقَمُولِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ جَازِمًا بِهِ، وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْقُوتِ.
وَقَالَ: إنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رَزِينٍ وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ وَبِتَصْحِيحِ الْحِنْثِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا، فَإِذَا جَمَعْت بَيْن الْمَسْأَلَتَيْنِ حَصَلَتْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
-
ثَالِثُهَا: الْحِنْثُ فِي الْمَاضِي دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَمُتَابِعُوهُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ.
-
تَنْبِيهٌ
مِنْ الْمُشْكِلِ قَوْلُ الْمِنْهَاجِ: وَلَوْ عَلَّقَ بِفِعْلِهِ فَفَعَلَ نَاسِيًا لِلتَّعْلِيقِ أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ تَطْلُقْ فِي الْأَظْهَرِ أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُبَالِي بِتَعْلِيقِهِ وَعَلِمَ بِهِ ; فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَيَقَعُ قَطْعًا.
-
وَوَجْهُ الْإِشْكَالِ أَنَّ قَوْلَهُ " وَأَنْ لَا يَدْخُلَ فِيهِ " مَا إذَا لَمْ يُبَالِ بِتَعْلِيقِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ. وَمَا إذَا عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يُبَالِ، وَمَا إذَا بَالَى وَلَمْ يَعْلَمْ، وَالْقَطْعُ بِالْوُقُوعِ فِي الثَّالِثَةِ مَرْدُودٌ.
-
وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ السُّبْكِيُّ وَقَالَ: كَيْفَ يَقَعُ بِفِعْلِ الْجَاهِلِ قَطْعًا، وَلَا يَقَعُ بِفِعْلِ النَّاسِي عَلَى الْأَظْهُرِ، مَعَ أَنَّ الْجَاهِلَ أَوْلَى بِالْمَعْذِرَةِ مِنْ النَّاسِي؟
-
وَقَدْ بَحَثَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَاجِيُّ فِي ذَلِكَ هُوَ وَالشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ فِي دَرْسِ ابْنِ بِنْتِ الْأَعَزِّ، وَكَانَ ابْنُ الْكَتَّانِيِّ مُصَمِّمًا عَلَى مَا اقْتَضَتْهُ عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ وَالْبَاجِيِّ فِي مُقَابِلِهِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّ كَلَامَ الْمِنْهَاجِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ الزَّوْجُ مُجَرَّدَ التَّعْلِيقِ، وَلَمْ يَقْصِدْ إعْلَامَهُ لِيَمْتَنِعَ.
-
وَقَدْ أَرْشَدَ الرَّافِعِيُّ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ عِبَارَتَهُ وَعِبَارَةَ النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَوْ عَلَّقَ بِفِعْلِ
vol. 1, p. 196الزَّوْجَةِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعَلَّقِ بِفِعْلِهِ شُعُورٌ بِالتَّعْلِيقِ، وَلَمْ يَقْصِدْ الزَّوْجُ إعْلَامَهُ فَفِي قَوْلِهِ " وَلَمْ يَقْصِدْ إعْلَامَهُ " مَا يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: أَشَارَ بِقَوْلِهِ " وَلَمْ يَقْصِدْ إعْلَامَهُ " إلَى قَصْدِ الْحَثِّ وَالْمَنْعِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِهِ ; لِأَنَّ قَاصِدَهُ يَقْصِدُ إعْلَامَ الْحَالِفِ بِذَلِكَ لِيَمْتَنِعَ مِنْهُ.
-
وَلِهَذَا لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى الْقُيُودِ، ذَكَرَ الْحَثَّ وَالْمَنْعَ عِوَضًا عَنْ الْإِعْلَامِ.
قَالَ: وَالظَّاهِر أَنَّهُ مَعْطُوفٌ بِأَوْ، لَا بِالْوَاوِ، حَتَّى لَا يَكُونَ الْمَجْمُوعُ شَرْطًا، فَإِنَّ الرَّافِعِيُّ شَرَطَ بَعْدَ ذَلِكَ، لِعَدَمِ الْوُقُوعِ شُرُوطًا ثَلَاثَةً: شُعُورُهُ، وَأَنْ يُبَالِيَ، وَأَنْ يَقْصِدَ الزَّوْجُ الْحَثَّ وَالْمَنْعَ.
قَالَ: وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ مِنْ الْحِنْثِ، إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، رَجَّحَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ، فِيمَا جَمَعَهُ مِنْ طَرِيقَةِ شَيْخِهِ الْقَفَّالِ فَقَالَ: فَإِنْ قَصَدَ مَنْعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْقَادِمَ حَتَّى قَدِمَ، حَنِثَ الْحَالِفُ وَإِنْ عَلِمَ بِهِ ثُمَّ نَسِيَ فَعَلَى قَوْلَيْنِ.
-
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَلَى قَوْلَيْنِ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ فَقَالَ: إذَا عَلَّقَ بِفِعْلِهَا فِي غَيْبَتِهَا فَلَا أَثَرَ لِنِسْيَانِهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَالظَّاهِرُ الْوُقُوعُ ; لِأَنَّ هَذَا فِي حُكْمِ التَّعْلِيقِ لَا قَصْدِ الْمَنْعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ فِيهِ الْخِلَافَ، انْتَهَى.
-
وَخَالَفَ الْجُمْهُورَ فَخَرَّجُوهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ: الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَصَاحِبَا الْمُهَذَّبِ وَالتَّهْذِيبِ وَالْجُرْجَانِيُّ وَالْخُوَارِزْمِيُّ انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ: مَا إذَا بَالَى، وَلَمْ يَعْلَمْ، لَيْسَ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ هُنَا، وَيَقْتَضِي الْمِنْهَاجُ: الْوُقُوعَ فِيهِ قَطْعًا، فَلْيُحَرَّرْ.