فصل: اختلاف الأصوليون في تكليف المكره
54 paragraphs · vol. 1, p. 203
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 203
فَصْلٌ وَأَمَّا الْمُكْرَهُ: فَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأُصُولِ فِي تَكْلِيفِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَفَصَّلَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ، فَقَالُوا: إنْ انْتَهَى الْإِكْرَاهُ إلَى حَدِّ الْإِلْجَاءِ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلَى ذَلِكَ، فَهُوَ مُخْتَارٌ. وَتَكْلِيفُهُ جَائِزٌ شَرْعًا وَعَقْلًا. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ: الْإِكْرَاهُ يُسْقِطُ أَثَرَ التَّصَرُّفِ عِنْدَنَا، إلَّا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ، وَذَكَرَ إسْلَامَ الْحَرْبِيِّ، وَالْقَتْلَ، وَالْإِرْضَاعَ، وَالزِّنَا، وَالطَّلَاقَ، إذَا أُكْرِهَ عَلَى فِعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَزَادَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مَوَاضِعَ.
-
وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ: أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِائَةُ مَسْأَلَةٍ لَا أَثَرَ لِلْإِكْرَاهِ فِيهَا، وَلَمْ يُعَدِّدْهَا، وَطَالَمَا أَمْعَنْت النَّظَرَ فِي تَتَبُّعِهَا، حَتَّى جَمَعْت مِنْهَا جُمْلَةً كَثِيرَةً، وَقَدْ رَأَيْت الْإِكْرَاهَ يُسَاوِي النِّسْيَانَ، فَإِنَّ الْمَوَاضِعَ الْمَذْكُورَةَ: إمَّا مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمَأْمُورِ، فَلَا يَسْقُطُ تَدَارُكُهُ وَلَا يَحْصُلُ الثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ، وَإِمَّا مِنْ بَابِ الْإِتْلَافِ، فَلَا يَسْقُطُ الْحُكْمُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ وَتَسْقُطُ الْعُقُوبَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ، إلَّا الْقَتْلَ عَلَى الْأَظْهَرِ.
- وَهَا أَنَا أَسْرُدُ مَا يَحْضُرُنِي مِنْ ذَلِكَ:
-
الْأَوَّلُ: الْإِكْرَاهُ عَنْ الْحَدَثِ، وَهُوَ مِنْ بَابَ الْإِتْلَافِ فَإِنَّهُ الْإِتْلَافُ لِلطَّهَارَةِ، وَلِهَذَا لَوْ أَحْدَثَ نَاسِيًا انْتَقَضَ، وَفِي مَسِّ الْفَرْجِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ نَاسِيًا.
-
وَإِذَا نُوِّعَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ إلَى أَسْبَابِ الْحَدَثِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجِمَاعِ كَثُرَتْ الصُّوَرُ.
-
الثَّانِي الْإِكْرَاهُ عَلَى إفْسَادِ الْمَاءِ بِالِاسْتِعْمَالِ أَوْ النَّجَاسَةِ أَوْ مُغَيِّرٍ طَاهِرٍ، فَإِنَّهُ يَفْسُدُ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ بَابِ الْإِتْلَافِ، إذْ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ.
-
الثَّالِث: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَوْ أُلْقِيَ إنْسَانٌ فِي نَهْرٍ مُكْرَهًا، فَنَوَى فِيهِ رَفْعَ الْحَدَثِ. صَحَّ وُضُوءُهُ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ صِحَّةَ وُضُوئِهِ ; وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ.
-
فَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، وَهُوَ يُرِيدُ الْمُقَامَ فِيهِ، وَلَوْ لَحْظَةً. صَحَّ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ يُتَصَوَّرُ قَصْدُهُ.
-
وَإِنْ كُرِهَ الْمُقَامُ، وَتَحَقَّقَ الِاضْطِرَارُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ. إذْ لَا تَتَحَقَّقُ النِّيَّةُ بِهِ.
-
الرَّابِعُ، وَالْخَامِسُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى غَسْلِ النَّجَاسَةِ، وَدَبْغِ الْجِلْدِ.
-
السَّادِسُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى التَّحَوُّلِ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَتَبْطُلُ.
-
السَّابِعُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْكَلَامِ فِيهَا: فَتَبْطُلُ فِي الْأَظْهَرِ، لِنُدُورِهِ.
- vol. 1, p. 204
الثَّامِنُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى فِعْلٍ يُنَافِي الصَّلَاةَ، فَتَبْطُلُ قَطْعًا، لِنُدُورِهِ.
-
التَّاسِعُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ، فِي الْفَرْضِ.
-
الْعَاشِرُ: الْإِكْرَاهُ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ الْوَقْتِ، فَتَصِيرُ قَضَاءً.
-
الْحَادِيَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى تَفَرُّقِ الْمُتَصَارِفَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَيَبْطُلُ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي الِاسْتِقْصَاءِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ يَبْطُلُ مَعَ النِّسْيَانِ، كَمَا نُصَّ عَلَيْهِ، وَالْجَهْلُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَقِيَاسُهُ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ كَذَلِكَ.
-
الثَّانِيَ عَشَرَ: لَوْ ضُرِبَا فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ حَتَّى تَفَرَّقَا فَفِي انْقِطَاعِ الْخِيَارِ قَوْلَا حِنْثِ الْمُكْرَهِ.
-
الثَّالِثَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِالضَّمَانِ. وَإِنْ كَانَ الْقَرَارُ عَلَى الْمُكْرَهِ فِي الْأَصَحِّ.
-
الرَّابِعَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى إتْلَافِ الصَّيْدِ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حُلِقَ شَعْرُ مُحْرِمٍ مُكْرَهًا لَا يَكُونُ لِلْمُحْرِمِ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ عَلَى الْأَظْهَرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ.
-
الْخَامِسَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ.
-
السَّادِسَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الصَّوْمِ فِيهِ الطَّرِيقَانِ الْآتِيَانِ.
-
السَّابِعَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْجِمَاعِ فِي الْإِحْرَامِ فِيهِ طَرِيقَانِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، بِلَا تَرْجِيحٍ.
-
أَحَدُهُمَا: يُفْسِدُ قَطْعًا، بِنَاءً عَلَى أَنَّ إكْرَاهَ الرَّجُلِ عَلَى الْوَطْءِ لَا يُتَصَوَّرُ.
-
وَالثَّانِي: فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى النَّاسِي.
-
الثَّامِنَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ الْمُعْتَكَفِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، كَالْأَكْلِ فِي الصَّوْمِ.
-
التَّاسِعَ عَشَرَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى إعْطَاءِ الْوَدِيعَةِ لِظَالِمٍ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْأَصَحِّ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ أَخَذَ مِنْهُ.
-
الْعِشْرُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الذَّبْحِ، أَوْ الرَّمْي مِنْ مُحْرِمٍ، وَمَجُوسِيٍّ، لِحَلَالٍ وَمُسْلِمٍ.
-
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: إكْرَاهُ الْحَرْبِيِّ، عَلَى الْإِسْلَامِ.
-
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: إكْرَاهُ الْمُرْتَدِّ عَلَيْهِ.
-
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: إكْرَاهُ الذِّمِّيِّ عَلَى وَجْهٍ، الْأَصَحُّ: خِلَافُهُ.
-
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى تَخْلِيلِ الْخَمْرِ بِلَا عَيْنٍ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يُحْتَمَل إلْحَاقُهُ بِالْمُخْتَارِ، وَيُحْتَمَلُ الْقَطْعُ بِالطَّهَارَةِ.
- vol. 1, p. 205
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ - إلَى الثَّلَاثِينَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْوَطْءِ، فَيَحْصُلُ الْإِحْصَانُ، وَيَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ، وَتَحِلُّ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا، وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، وَتَصِيرُ أَمَتُهُ بِهِ مُسْتَوْلَدَةً، وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ.
-
قُلْته تَخْرِيجًا، ثُمَّ رَأَيْت الْإِسْنَوِيَّ ذَكَرَ بَحْثًا أَنَّهُ كَإِتْلَافِ الْمَالِ.
-
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ فِي الْأَظْهَرِ.
-
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى الزِّنَا لَا يُبِيحُهُ.
-
الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: وَعَلَى اللِّوَاطِ.
-
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: وَيُوجِبُ الْحَدَّ فِي قَوْلٍ.
-
الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى شَهَادَةِ الزُّورِ، وَالْحُكْمُ بِالْبَاطِلِ فِي قَتْلٍ، أَوْ قَطْعٍ، أَوْ جَلْدٍ.
-
السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
-
السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ وَالثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: الْإِكْرَاهُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَةِ الْمُكْرَهِ أَوْ بَيْعِ مَالِهِ، أَوْ عِتْقِ عَبْدِهِ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِذْنِ.