منهج شيخ الإسلام في هذا الكتاب
52 paragraphs · vol. 1, p. 24
Page 2 of 2
- vol. 1, p. 32
نعم هذا سؤال به.. لكن هؤلاء لما غيروا اللغة كما غيروا الشريعة وسموا هذا استشفاعًا أي سؤالا بالشافع صاروا يقولون: استشفع به فيشفعك أي يجيب سؤالك به، وهذا مما يبين أن هذه الحكاية وضعها جاهل بالشرع واللغة وأين لفظها من ألفاظ مالك.
-
٩ - إلى أن يقول في فقرة (٤٤٥) : ومن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي صلى الله عليه وسلم، وعادتهم في الكلام وإلاّ حرف الكلم عن مواضعه، فإن كثيراً من الناس ينشأ على اصطلاح قوم وعادتهم في الألفاظ، ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله ورسوله أو الصحابة، فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد الله ورسوله والصحابة
vol. 1, p. 33خلاف ذلك وهذا واقع لطوائف من الناس من أهل الكلام والفقه والنحو والعامة وغيرهم.
-
وآخرون يتعمدون وضع ألفاظ الأنبياء وأتباعهم على معان أخر مخالفة لمعانيهم، ثم ينطقون بتلك الألفاظ مريدين بها ما يعنونه هم ويقولون إنا موافقون للأنبياء.
-
وهذا موجود في كلام كثير من ملاحدة المتفلسفة والإسماعيلية ومن ضاهاهم من ملاحدة المتكلمة والمتصوفة مثل لفظ "المحدث" و "المخلوق" و "المصنوع" وإن كان عنده قديماً أزلياً، ويسمى بذلك الحدوث الذاتي ثم يقول: نحن نقول إن العالم محدث، ومعلوم أن لفظ المحدث بهذا الاعتبار، ليس لغة أحد من الأمم، وإنما المحدث عندهم: ما كان بعد أن لم يكن وكذلك يضعون لفظ الملائكة على ما يثبتونه من العقول والنفوس، وقوى النفس، ولفظ الجن والشياطين على بعض قوى النفس.
-
ويقولون: نحن نثبت ما أخبرت به الأنبياء وأقر به جمهور الناس من الملائكة والجن والشياطين، ومن عرف مراد الأنبياء ومرادهم علم بالاضطرار أن هذا ليس هو ذاك.
-
ومنهجه يقوم على دراسة أحوال الناس والمجتمعات والأوضاع والواقع معرفة واعية، فاستمع إليه وهو يتحدث عن واقع عباد القبور وتلاعب الشياطين بهم. لا في بلد بل في بلدان كثيرة وأصقاع متباعدة.
قال في الفقرات (٩٠١- ٩٠٤) : "ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين مثل أن يقول: يا سيدي فلانا أغثني
vol. 1, p. 34وانصرني وادفع عني وأنا في حسبك، ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار في دين الإسلام.
-
وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم - لما كانوا من جنس عباد الأوثان - صار الشيطان يضلهم ويغويهم كما يضل عباد الأصنام ويغويهم فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة كما تخاطب الشياطين الكهان، وبعض ذلك صدق، لكن لا بد أن يكون في ذلك ما هو كذب، بل الكذب أغلب عليه من الصدق وقد تقضي الشياطين بعض حاجاتهم، وتدفع عنهم بعض ما يكرهونه، فيظن أحدهم أن الشيخ هو الذي جاء من الغيب حتى فعل ذلك، أو يظن أن الله تعالى صور ملكاً على صورته فعل ذلك. ويقول أحدهم: هذا سر الشيخ وحاله، وإنما هو الشيطان تمثل على صورته ليضل المشرك به، المستغيث به، كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم عابديها وتقضي بعض حوائجهم كما كان ذلك في أصنام مشركي العرب وهو اليوم موجود في المشركين في الترك والهند وغيرهم.
-
وقال في فقرة (٩٠٥ - ٩٠٦) وأعرف من ذلك واقائع كثيرة في أقوام استغاثوا بي وبغيري في حال غيبتنا عنهم، فرأوني أو ذلك الآخر الذي استغاثوا به قد جئنا في الهواء ودفعنا عنهم.
-
ولما حدثوني بذلك بينت لهم أن ذلك إنما هو شيطان تصور بصورتي وصورة غيري من الشيوخ الذين استغاثوا بهم، ليظنوا أن ذلك كرامات للشيخ فتقوى عزائمهم في الاستغاثة بالشيوخ الغائبين والميتين، وهذا من أكبر الأسباب التي أشرك بها المشركون وعبدة الأوثان، إلى أن
vol. 1, p. 35يقول - عن كثير ممن تتلاعب بهم الشياطين فتوقعهم في الشرك - في فقرة (٩٢٠ - ٩٢٤) :
"وأنا أعرف من هؤلاء عدداً كثيراً بالشام ومصر والحجاز واليمن، وأما الجزيرة والعراق وخراسان والروم ففيها من هذا الجنس أكثر مما بالشام وغيرها وبلاد الكفار من المشركين وأهل الكتاب أعظم" .
-
ويقول معللاً ومبيناً أسباب هذا الضلال فقرة (٩٢١) : "وإنما ظهرت هذه الأحوال الشيطانية التي أسبابها الكفر والفسوق والعصيان بحسب ظهور أسبابها، فحيث قوي الإيمان والتوحيد ونور الفرقان والإِيمان ظهرت آثار النبوة، والرسالة وضعفت هذه الأحوال الشيطانية، وحيث ظهر الكفر والفسوق والعصيان قويت هذه الأحوال الشيطانية..
-
والمشركون الذين لم يدخلو في الإسلام مثل البخشية والطونية والبدَّيَ ونحو ذلك من علماء المشركين وشيوخهم الذين يكونون للكفار من الترك والهند والخُطا وغيرهم تكون الأحوال الشيطانية فيهم أكثر ويصعد أحدهم في الهواء ويحدثهم بأمور غائبة ويبقى الدف الذي يغني لهم به يمشي في الهواء ويضرب رأس أحدهم إذا خرج عن طريقهم ولا يرون أحداً يضرب له، ويطوف الإناء الذي يشربون منه عليهم ولا يرون من يحمله، ويكون أحدهم في مكان فمن نزل منهم عنده ضيفه طعاماً يكفيهم ويأتيهم بألوان مختلفة، وذلك من الشياطين تأتيه من تلك المدينة القريبة منه أو من غيرها تسرقه وتأتي به".
-
ولا شك أن المعرفة بهذه الأمور قد سبقها دراسة وعناية واستقراء لأحوال الناس وعقائدهم وعاداتهم في مختلف البلدان وهذا شأن العظماء والمصلحين.