فصل في وضع الديوان، وذكر أحكامه

152 paragraphs · vol. 1, p. 236

Page 4 of 4

  1. وَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِبِنَاءِ مَا هَدَمُوهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِإِتْمَامِ مَا استأنفوه. وقد قال أحمد في رواية أبي داود: - في مسجد يريدون أن يرفعوه ن الأرض ويجعل تحته سقاية، ومنعهم من ذلك المشايخ، وقالوا: لا نقدر نصعد - "يصار إلى قول أكثرهم " يعني أهل المسجد. فأما إذا كانت ذو الْمُكْنَةِ عَنْ بِنَاءِ مَا اسْتُهْدِمَ، وَعِمَارَةِ مَا استرم، فإن كان المقام بالبلد ممكنا وكان الشرب - وإن فسد - مقنعا تركهم وإياه، وإن تعذر المقام فيه لتعطيل شربه واندحاض سوره نظرت. فإن كان البلد ثغرا يضر بالإسلام تَعْطِيلُهُ، لَمْ يَجُزْ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُفْسِحَ فِي الِانْتِقَالِ عَنْهُ وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النَّوَازِلِ إذَا حَدَثَتْ فِي قِيَامِ كَافَّةِ ذَوِي الْمُكْنَةِ بِهِ، وَكَانَ تَأْثِيرُ الْمُحْتَسِبِ فِي مِثْلِ هَذَا إعلان للسلطان بِهِ، وَتَرْغِيبَ أَهْلِ الْمُكْنَةِ فِي عَمَلِهِ.

    vol. 1, p. 289
  2. وإن لم يكن هذا البلد ثغرا مضرا بِدَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ أَمْرُهُ أَيْسَرَ، وَحُكْمُهُ أَخَفَّ، ولم يكن للمحتسب أخذ أهله بعمارته جبرا، لكن يقول لهم: أَنْتُمْ مُخَيَّرُونَ بَيْنَ الِانْتِقَالِ عَنْهُ أَوْ الْتِزَامِ مَا يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِ الَّتِي يُمْكِنُ مَعَهَا دوام استيطانه. فإن أجابوا إلَى الْتِزَامِ ذَلِكَ كَلَّفَ جَمَاعَتَهُمْ مَا تَسْمَحُ بِهِ نُفُوسُهُمْ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ واحد منهم في عينه بالتزام مَا لَا تَسْمَحُ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ قَلِيلٍ ولا كثير، ويقول: ليخرج كل واحد منكم مَا سَهُلَ عَلَيْهِ وَطَابَ نَفْسًا بِهِ. وَمَنْ أَعْوَزَهُ الْمَالُ أَعَانَ بِالْعَمَلِ، حَتَّى إذَا اجْتَمَعَتْ كفاية المصلحة أو يلوح اجتماعها بضمان كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمُكْنَةِ قَدْرًا طَابَ به نفسا أسرع حِينَئِذٍ فِي عَمَلِ الْمَصْلَحَةِ، وَأَخَذَ كُلَّ ضَامِنٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ بِالْتِزَامِ مَا ضَمِنَهُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُ هَذَا الضَّمَانِ لَا يَلْزَمُ فِي الْمُعَامَلَاتِ الْخَاصَّةِ، لِأَنَّ حُكْمَ مَا عَمَّ مِنْ الْمَصَالِحِ مُوسِعٌ، فَكَانَ حُكْمُ الضَّمَانِ فِيهِ أَوْسَعَ. وَإِذَا عَمَّتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَقَدَّمَ بِالْقِيَامِ بِهَا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ السُّلْطَانَ فِيهَا، لئلا يصير بالتفرد مفتاتا عليه. فإن شق اسْتِئْذَانُ السُّلْطَانِ فِيهَا أَوْ خِيفَ زِيَادَةُ الضَّرَرِ لِبُعْدِ اسْتِئْذَانِهِ جَازَ شُرُوعُهُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ استئذان.

    vol. 1, p. 290
  3. وقد قال أحمد: لا تخرجوا لقتال العدو إلا بإذن الأمير، إلا أن يفجأهم عدو ويخافون كلبه". وأما الخاص كالحقوق إذا مطلت والديون إذا أخذت، فَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا مَعَ الْمُكْنَةِ إذَا اسْتَعْدَاهُ أَصْحَابُ الْحُقُوقِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يحبس بها لأن الحبس حكم، وليس له أن يلازم عليها.

  4. وَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ بِنَفَقَاتِ الْأَقَارِبِ، لِافْتِقَارِ ذَلِكَ إلى اجتهاد شرعي إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَدْ فَرَضَهَا فَيَجُوزُ أن يأخذ بِأَدَائِهَا. وَكَذَلِكَ كَفَالَةُ مَنْ تَجِبُ كَفَالَتُهُ مِنْ الصغار لا اعتراض لَهُ فِيهَا حَتَّى يَحْكُمَ بِهَا الْحَاكِمُ، فَيَجُوزُ له أَنْ يَأْمُرَ بِالْقِيَامِ بِهَا عَلَى الشُّرُوطِ الْمُسْتَحَقَّةِ منها. فأما قَبُولُ الْوَصَايَا وَالْوَدَائِعِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ بها أَعْيَانَ النَّاسِ وَآحَادَهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ، حَثًّا عَلَى التَّعَاوُنِ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وقبول الودائع الوصايا. وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، كأخذ الأولياء بإنكاح الأيامى من أكفائهم إذَا طَلَبْنَ، وَإِلْزَامِ النِّسَاءِ أَحْكَامَ الْعِدَدِ، إذَا فارقن أزواجهن. وَلَهُ تَأْدِيبُ مَنْ خَالَفَ فِي الْعِدَّةِ مِنْ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْدِيبُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ. وَمَنْ نَفَى وَلَدًا قَدْ ثَبَتَ فِرَاشُ أمه ولحوق نسبه أخذه بأحكام الآباء، وعزره على النَّفْيِ أَدَبًا. وَيَأْخُذُ السَّادَةَ بِحُقُوقِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، وأن لا يكلفوهم مِنْ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُطِيقُونَ. وَكَذَلِكَ أَرْبَابُ البهائم بأخذهم بِعُلُوفَتِهَا إذَا قَصَّرُوا، وَأَنْ لَا يَسْتَعْمِلُوهَا فِيمَا لَا تُطِيقُ. وَمَنْ أَخَذَ لَقِيطًا وَقَصَّرَ فِي كَفَالَتِهِ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ بِحُقُوقِ الْتِقَاطِهِ مِنْ التزام الكفالة أَوْ تَسْلِيمِهِ إلَى مَنْ يَلْتَزِمُهَا وَيَقُومُ بِهَا. وكذلك أخذ الضوال إذا قصر فيها أخذه بمثل ذلك من القيام بها أو تسليمها إلى من يقوم بِهَا، وَيَكُونُ ضَامِنًا لِلضَّالَّةِ بِالتَّقْصِيرِ، وَلَا يَكُونُ ضامنا للقيط. وإذا سلم الضالة إلى غيره ضمتها. وأما النهي عن المنكر فمنقسم ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ. وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ.

    vol. 1, p. 291
  5. أما المنهي عَنْهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَلَى ثَلَاثَةِ أقسام أحدها: ما يتعلق بالعبادات. والثاني: ما يتعلق بالمحظورات. والثالث: ما يتعلق بالمعاملات. أما المتعلق بالعبادات فكالقاصد مخالفة هيئاتها المشروعة، مثل أن يَقْصِدُ الْجَهْرَ فِي صَلَاةِ الْإِسْرَارِ وَالْإِسْرَارَ فِي صلاة الجهر، أو يزيد في الصلاةن أو يزيد فِي الْأَذَانِ أَذْكَارًا غَيْرَ مَسْنُونَةٍ فَلِلْمُحْتَسِبِ إنْكَارُهَا، وتأديب المعاند فيها، وكذلك إذا أدخل بِتَطْهِيرِ جَسَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ. أَوْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ، أنكر عليه إذا تحقق ذلك منه، ولا يؤاخذ ذلك منه، ولا يؤاخذه بالتهم والظنون، وكذلك لَوْ ظَنَّ بِرَجُلٍ أَنَّهُ يَتْرُكُ الْغُسْلَ مِنْ الجنابة، أو يترك الصلاة والصيام لا يؤاخذه بالتهم، ولكن يجوز له بالتهمة أن يعظه ويحذره من عذاب الله تعال على إسقاط حقوقه والإخلال بمفترضاته. فَإِنْ رَآهُ يَأْكُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ يُقْدِمْ عَلَى تَأْدِيبِهِ إلَّا بَعْدَ سُؤَالِهِ عَنْ سبب أكله، لأنه ربما كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا، وَيَلْزَمُهُ السُّؤَالُ إذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ أَمَارَاتُ الرَّيْبِ، فَإِنْ ذَكَرَ مِنْ الْأَعْذَارِ مَا يَحْتَمِلُهُ حَالُهُ كَفَّ عَنْ زَجْرِهِ، وَأَمَرَهُ بِإِخْفَاءِ أَكْلِهِ لِئَلَّا يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلتُّهْمَةِ، ولا يلزم إحلافه عند الاسترابة به، لأنه موكول إلى أمانته، وإن لم يذكر عذرا أنكر عليه وأدبه عليه تأديب زجر، وكذلك لَوْ عَلِمَ عُذْرَهُ فِي الْأَكْلِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمُجَاهَرَةَ بِتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلتُّهْمَةِ، وَلِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ من ذوي الجهالة من لَا يُمَيِّزُ حَالَ عُذْرِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَأَمَّا الممتنع عن إخراج زكاته، فإن كان من الأموال الظاهرة أخذها العامل منه قهرا وعزره على الغلول إذا لم يكن له عذر، وإن كان من الأموال الباطنة احتمل أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَسِبُ أَخَصَّ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ مِنْ عَامِلِ الصَّدَقَةِ، لِأَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ لِلْعَامِلِ فِي الأموال الباطنة، واحتمل أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ بِالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ أَخَصَّ لِأَنَّهُ لو دفعها إليه أجزأه، ويكون تأديبه معتبرا بشواهد الحال فِي الِامْتِنَاعِ مِنْ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ أنه مخرجها سرا وكل إلى أمانته.

    vol. 1, p. 292
  6. فإن رأى رجلا يتعرض لمسألة الناس وطلب الصدقة وعلم أنه غني عنها إما بمال أو عمل أنكر عليه وأدبه، وكان المحتسب بإنكاره أخص بذلك من عامل الصدقة. ولو رأي آثَارَ الْغِنَى وَهُوَ يَسْأَلُ النَّاسَ أَعْلَمُهُ تَحْرِيمَهَا على المستغني عنها، ولم ينكر عَلَيْهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِي الْبَاطِنِ فَقِيرًا. وَإِذَا تَعَرَّضَ لِلْمَسْأَلَةِ ذُو جَلَدٍ وَقُوَّةٍ عَلَى العمل زجره وأمره أن يتعرض للاحتراف بعمل، فَإِنْ أَقَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ عَزَّرَهُ حَتَّى يُقْلِعَ عنها.

  7. وإن وجد فيمن يتصدى لعلم الشرع من ليس مِنْ أَهْلِهِ، مِنْ فَقِيهٍ أَوْ وَاعِظٍ، وَلَمْ يأمن اعترار النَّاسِ بِهِ فِي سُوءِ تَأْوِيلٍ، أَوْ تَحْرِيفِ جواب، أنكر عليه التصدي لما ليس مِنْ أَهْلِهِ، وَأَظْهَرَ أَمْرَهُ، لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ. وَمَنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ لَمْ يَقْدَمْ عَلَيْهِ بالإنكار بعد الاختبار. وكذلك لَوْ ابْتَدَعَ بَعْضُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ قَوْلًا خَرَقَ بِهِ الْإِجْمَاعَ وَخَالَفَ فِيهِ النَّصَّ وَرَدَّ قَوْلَهُ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ وَزَجَرَهُ عَنْهُ، فَإِنْ أَقْلَعَ وَتَابَ وَإِلَّا فَالسُّلْطَانُ بِتَهْذِيبِ الدِّينِ أحق. وإذا انفرد بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَأْوِيلٍ عَدَلَ فِيهِ عَنْ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ إلَى بَاطِنِ بِدْعَةٍ، متكلف لَهُ غَمْضَ مَعَانِيهِ أَوْ تَفَرَّدَ بَعْضُ الرُّوَاةِ بِأَحَادِيثَ مَنَاكِيرَ تَنْفِرُ مِنْهَا النُّفُوسُ أَوْ يَفْسُدُ بِهَا التَّأْوِيلُ كَانَ عَلَى الْمُحْتَسِبِ إنْكَارُ ذَلِكَ. وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُ إنْكَارُهُ إذَا تَمَيَّزَ عِنْدَهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْفَاسِدِ وَالْحَقُّ مِنْ الْبَاطِلِ، وذلك من أحد وجهين: إما بأن يكون بقوته في العلم واجتهاده فيه، وَإِمَّا بِأَنْ يَتَّفِقَ عُلَمَاءُ الْوَقْتِ عَلَى إنْكَارِهِ وابتداعه فَيَعُولُ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى أَقَاوِيلِهِمْ، وَفِي الْمَنْعِ منه على اتفاقهم. وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِالْمَحْظُورَاتِ فَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ الناس من مواقف الريب ومظان التهمة ويقدم الإنكار ,ولا يعجل بالتأديب قبل الإنذار. وإذا رأى وقوف رجل وامرأة فِي طَرِيقٍ سَابِلٍ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمَا أَمَارَاتُ الرِّيَبِ لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِمَا بِزَجْرٍ وَلَا إنْكَارٍ، فَمَا يَجِدُ النَّاسُ بُدًّا مِنْ هَذَا. وَإِنْ كان الوقوف في طريق خالية فخلو المكان ريبة فينكرها، ولا يعجل في التأديب.

    vol. 1, p. 293
  8. عليهما حذرا مِنْ أَنْ تَكُونَ ذَاتَ مَحْرَمٍ، وَلْيَقُلْ: إنْ كانت ذات محرم فصنها عن مواقف التهمة وإن كانت أجنبية فاحذر مِنْ خَلْوَةٍ تُؤَدِّيكَ إلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وليكن زجره بحسب الأمارات. فإذا رأى المحتسب من هذه الحال ما ينكرها تأنى وفحص ورعى شَوَاهِدَ الْحَالِ، وَلَمْ يُعَجِّلْ بِالْإِنْكَارِ قَبْلَ الِاسْتِخْبَارِ. وقد سئل أحمد في رواية محمد بن يحيى المتطبب في الرجل السوء يرى مع المرأة؟ قال " صح به" . وَإِذَا جَاهَرَ رَجُلٌ بِإِظْهَارِ الْخَمْرِ، فَإِنْ كَانَ مسلما أراقها وأدبه، وإن كان ذميا أدب على إظهارا وتراق عليه لأنها غير مضمونة. وأما المجاهر بإظهار النبيذ فهو كَالْخَمْرِ وَلَيْسَ فِي إرَاقَتِهِ غُرْمٌ، فَيَعْتَبِرُ وَالِي الحسبة شواهد الحال فيه، فينهى فيه عن المجاهرة، ويزجر عليه إن كان يعاقره، ولا يريقه إلى أَنْ يَأْمُرَهُ بِإِرَاقَتِهِ حَاكِمٌ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لئلا يتوجه عليه غرم إن حكم فيه. فأما السَّكْرَانُ إذَا تَظَاهَرَ بِسُكْرِهِ وَسَخُفَ بِهَجْرِهِ أَدَّبَهُ على السكر والهجر تعزيرا. وَأَمَّا الْمُجَاهَرَةُ بِإِظْهَارِ الْمَلَاهِي الْمُحَرَّمَةِ فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ كسرها، ولا يتشاغل بتفصيلها سواء كان خشبها يصلح لغير الملاهي أو لا يصلح. وأما اللعب فليس يقصد به الْمَعَاصِي، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهَا إلْفُ الْبَنَاتِ لِتَرْبِيَةِ الأولاد، ففيها وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ التَّدْبِيرِ تُقَارِنُهُ مَعْصِيَةٌ بِتَصْوِيرِ ذوات الأرواح وَمُشَابَهَةِ الْأَصْنَامِ، فَلِلتَّمْكِينِ مِنْهَا وَجْهٌ، وَلِلْمَنْعِ مِنْهَا وَجْهٌ، وَبِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ شَوَاهِدُ الْأَحْوَالِ يَكُونُ إنكاره وإقراره. وظاهر كلام أحمد رحمه الله المنع عنها وإنكارها، وإذا كانت على صورة ذوات الأرواح. قال في رواية المروزي: وقد سئل عن الوصي يشتري للصبية لعبة إذا طلبت فقال " إن كانت صورة فلا" . وقال في رواية أبو بكر بن محمد: وقد سأله عن حديث عائشة " كنت ألعب بالبنات" فقال " لا بأس بلعب اللعب، إذا لم يكن فيها صورة فإذا كانت صورة فلا" . وظاهر هذا أنه منع من اللعب بها إذا كانت صورة.

    vol. 1, p. 294
  9. وقد روي أحمد بإسناده عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التميمي " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة وهي تلعب بالبنات ومعها جوار، فقال: " ما هذا يا عائشة؟ قالت:

    vol. 1, p. 295هذا خيل سليمان، فجعل يضحك من قولها - صلى الله عليه وسلم - قال أحمد " هو غريب، لم أسمعه من غير هشيم عن يحيى بن سعيد" . وقد حكى أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيَّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قلد حِسْبَةَ بَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الْمُقْتَدِرِ، فَأَزَالَ سُوقَ الداذي ومنع منها وقال: لا تصلح إلَّا لِلنَّبِيذِ الْمُحَرَّمِ، وَأَقَرَّ سُوقَ اللُّعَبِ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهَا. وَقَالَ: قَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ الله عنها تلعب بالبنات بمشهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا ينكره عليها، وذلك أن الداذي الأغلب مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النَّبِيذِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ نَادِرًا فِي الدواء، وهو بعيد. وليس يمنع إنْكَارُ الْمُجَاهِرَةِ بِبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ كَمَا يُنْكَرُ الْمُجَاهَرَةُ بالمباح من مباشرة الأزواج والإماء. وقد قال أحمد في رواية أبي طالب في قوم يبيعون الداذي للمسكر: فكره ذلك وقال لا يباع ". وقال أيضا في رواية بكر بن محمد عن أبيه: في بيع التمر والزبيب ممن يعمله نبيذا وهو ممن يتدين به ويرى شرب المسكر، فقال " لا أبيعه ولا أعبيه عليه، وهو بمنزلة رجل يرى النكاح بغير ولي جائز، لا أشهد له، ولا أعيبه عليه، وإن تدين به ". وقال في رواية أحمد بن الحسين: في بيع الحرير من النساء " لا بأس به، وإن باع للرجال لا يعجبني ". فأما مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ فَلَيْسَ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَتَجَسَّسَ عَنْهَا، وَلَا أَنْ يَهْتِكَ الْأَسْتَارَ حذرا من الاستسرار بها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بستر الله تعالى، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه".

  10. فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِهَا لأمارة دَلَّتْ وَآثَارٍ ظَهَرَتْ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يكون في تركه انْتِهَاكِ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا، مِثْلُ أَنْ يُخْبِرَهُ من يثق بصدقه أن رجلا خلا برجل ليقلته، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم على الكشف والبحث، حذرا مِنْ فَوَاتِ مَا لَا يُسْتَدْرَكُ مِنْ انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، وَارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَهَكَذَا لَوْ عَرَفَ ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ الْمُتَطَوِّعَةِ، جَازَ لَهُمْ الْإِقْدَامُ عَلَى الكشف وَالْإِنْكَارُ، كَاَلَّذِي كَانَ مِنْ شَأْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شعبة. وذلك أنه كانت تَخْتَلِفُ إلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ جَمِيل بِنْتُ مِحْجَنِ بْنِ الْأَفْقَمِ، وَكَانَ لَهَا زَوْجٌ مِنْ ثَقِيفٍ يُقَالُ له الحجاج بن عبيد، فلبغ ذلك أبا بكرة بن مسروح وسهل بن معبد ونافعا بن الحرث وَزِيَادَ بْنَ عُبَيْدٍ، فَرَصَدُوهُ حَتَّى إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَجَمُوا عَلَيْهِمَا. وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي الشهادة عليه عند عمر مَا هُوَ مَشْهُورٌ. فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ عُمَرُ هجومهم، وإن كان حدهم للقذف عند قصور الشهادة. والضرب الثاني: ما كان دون ذلك في الريبة، فَلَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ، وَلَا كَشْفُ الْأَسْتَارِ عنه. وقد حكى " أن عمر دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ يَتَعَاقَرُونَ عَلَى شَرَابٍ، وَيُوقِدُونَ فِي أَخْصَاصٍ، فَقَالَ: نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْمُعَاقَرَةِ فَعَاقَرْتُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ الْإِيقَادِ فِي الْأَخْصَاصِ فَأَوْقَدْتُمْ، فَقَالُوا: يا أمير المؤمنين، قد نهى الله عن التجسس فتجسست، وعن الدخول بغير إذن فدخلت، فقال: هاتين بهاتين، وانصرف، ولم يعرض لهم" . وقد اختلفت الرواية عن أحمد فيما ستر من المنكر من العلم به، هل ينكر؟. فروى ابن منصور وعبد الله في المنكر يكون مغطي، مثل طنبور ومسكر وأشباهه. فقال: " إذا كان مغطى فلا يكسره، وقد كشف ذلك في رواية يوصف بن موسى وأحمد بن الحسين في الطنبور والمسرك وما أشبهه إذا كان من وراء ثوب وهو يصفه أو يبينه، فقال " إذا كان مغطى فلا أري له".

    vol. 1, p. 296
  11. ونقل عنه أنه يكسره فقال في رواية ابن منصور في الرجل يرى الطنبور والطبل مغطى والقنينة فقال " إذا كان يشتبه أنه طنبور أو طبل أو فيها مسكر كسره" .

    vol. 1, p. 297
  12. وكذلك نقل محمد بن أبي حرب: في رجل لقى رجلا معه عود أو طنبور أو طبل مغطى يكسره. فإن سمع أصوات ملاهي منكرة من دار تظاهر أهلها بأصواتها، أنكره خارج الدار. ولم يهجم بالدخول عليهم، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَ عَمَّا سِوَاهُ مِنْ الباطن. وقد نقل مهنا الأنباري عن أحمد أنه سمع صوت طبل في جواره فقام إليهم من مجلسه فأرسل إليهم ونهاهم. وقال في رواية محمد بن أبي حرب في الرجل يسمع المنكر في دار بعض جيرانه. قال: يأمره، فإن لم يقبل يجمع عليه الجيران ويهول عليه ". فأما المعاملات المنكرة. كالشراء والبيوع الفاسدة، وما منع الشرع منه مت تراضي المتعاقدين به، فإذا كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى حَظْرِهِ فَعَلَى وَالِي الْحِسْبَةِ إنْكَارُهُ وَالْمَنْعُ مِنْهُ وَالزَّجْرُ عَلَيْهِ، وَأَمْرُهُ فِي التأديب مختلف بحسب الْأَحْوَالِ وَشِدَّةِ الْحَظْرِ. وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَظْرِهِ وَإِبَاحَتِهِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي إنكاره، إلا أن يكون مما ضعف فيه الخلاف، وَكَانَ ذَرِيعَةً إلَى مَحْظُورٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ كَرِبَا النَّقْدِ فَالْخِلَافُ فِيهِ ضَعِيفٌ، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ إلَى ربا النساء المتفق على تحريمه. وكنكاح المتعة، ربما صار ذريعة إلى استباحة الزنا، فيدخل في إنكاره كحكم ولايته. وقد قال أبو إسحاق في كتاب المتعة، إن قيل: إذا كنت قد فرقت بينهما وبين النكاح فهلا جعلت حكمها حكم السفاح؟ قيل: الأئمة المرضيون من الصحابة والتابعين جعلوها في حكم السفاح لا في حكم النكاح. وقال في تعاليقه على كتاب العلل " أولاد الرافضة أولاد زنى من أربعة أوجه: أحدها المتعة عندهم حلال وهي الزنى صراحا ". وذكر ابن بطة في كتاب النكاح " لا يفسخ نكاح حكم به قاض إذا كان تأول فيه

    vol. 1, p. 298تأويلا، إلا أن يكون قضى لرجل بعقد متعة، أو طلق ثلاثا في لفظ واحد وحكم بالمراجعة من غير زوج، فحكمه مردود وعلى فاعله العقوبة والنكال. ومما يتعلق بالمعاملات عشّ الْمَبِيعَاتِ وَتَدْلِيسُ الْأَثْمَانِ، فَيُنْكِرُهُ وَيَمْنَعُ مِنْهُ، وَيُؤَدِّبُ عليه بحسب الحال فيه.

  13. فإن كان هذا الغش بتدليس على المشتري ويخفى عليه فهو أغلظ الغشوش تحريما والإنكار عليه أغلظ، والتأديب فيه أَشَدُّ. وَإِنْ كَانَ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُشْتَرِي كَانَ أَخَفَّ مَأْثَمًا، وَأَلْيَنَ إنْكَارًا، وَيَنْظُرُ فِي مشتريه، فإن اشتراه ليبيعه على غيره توجه الإنكار على البائع بغشه وعلى المشتري بابتياعه، لأنه قد يبيعه على من لا يعلم بغشه، وإن كَانَ يَشْتَرِيهِ لِيَسْتَعْمِلَهُ خَرَجَ الْمُشْتَرِي مِنْ جُمْلَةِ الْإِنْكَارِ وَتَفَرَّدَ الْبَائِعُ وَحْدَهُ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي تدليس الأثمان. وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد: فيمن اشترى ألف درهم بدنانير بعضها جياد وبعضها مزيفة، وبعضها مكحلة " اشترى ما لا يحل، وباع ما لا يحل" .

  14. وكذلك قال في رواية حنبل: في الدراهم المحمول عليها، فقال " كل ما وقع عليه اسم الغش فالشراء به والبيع حرام" . وقال في رواية مهنا " إذا جاء بالدينار إلى رجل يبصر الدينار فاشتراه على أنه رديء لا بأس " . وَيُمْنَعُ مِنْ تَصْرِيَةِ الْمَوَاشِي وَتَحْفِيلِ ضُرُوعِهَا عِنْدَ الْبَيْعِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ التَّدْلِيسِ. ومما يتأكد على المحتسب: الْمَنْعَ مِنْ التَّطْفِيفِ وَالْبَخْسِ فِي الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ والصنجات وليكن الأدب عليه أظهر وأكثر. وَيَجُوزُ لَهُ إذَا اسْتَرَابَ بِمَوَازِينِ السُّوقَةِ وَمَكَايِيلِهِمْ أَنْ يَخْتَبِرَهَا وَيُعَايِرَهَا. وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى ما يراه منها طابع معروف بين العامةلا يَتَعَامَلُونَ إلَّا بِهِ، كَانَ أَحْوَطَ وَأَسْلَمَ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَتَعَامَلَ قَوْمٌ بِغَيْرِ مَا طُبِعَ بِطَابِعِهِ تَوَجَّهَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ، إنْ كَانَ مَبْخُوسًا من وجهين: أحدهما: مخالفته فِي الْعُدُولِ عَنْ مَطْبُوعِهِ، وَإِنْكَارُهُ مِنْ الْحُقُوقِ السلطانية. والثاني: البخس والتطفيف في الحقوق، وإنكاره من الحقوق الشرعية. وإن كَانَ مَا تَعَامَلُوا بِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَطْبُوعِ سليما من بخس ونقص توجه الإنكار بحق السلطنة وحدها لأجل المخالفة. وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد: في ضرب الدراهم قال: " لا تصلح إلا في دار الضرب بإذن السلطان" .

    vol. 1, p. 299
  15. وَإِنْ زَوَّرَ قَوْمٌ عَلَى طَابِعِهِ كَانَ الْمُزَوِّرُ فيه كالبهرج عَلَى طَابِعِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَإِنْ قُرِنَ التَّزْوِيرُ بغش كان الإنكار وَالتَّأْدِيبُ مُسْتَحَقًّا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي حَقِّ السَّلْطَنَةِ مِنْ جِهَةِ التَّزْوِيرِ. وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الشرع في الغش، وهو أغلظ المنكرين. وَإِنْ سَلِمَ التَّزْوِيرُ مِنْ غِشٍّ تَفَرَّدَ بِالْإِنْكَارِ السلطاني منهما. وإذا اتسع البلد حتى احتاج أهله إلى كيالين، ووزانين ونقاد، تَخَيَّرَهُمْ الْمُحْتَسِبُ، وَمَنَعَ أَنْ يُنْتَدَبَ لِذَلِكَ إلَّا مَنْ ارْتَضَاهُ مِنْ الْأُمَنَاءِ الثِّقَاتِ، وَكَانَتْ أُجُورُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ اتَّسَعَ لَهَا، فَإِنْ ضاق عنها قدرها لهم حتى لا يجرى فيها استزاده أو نُقْصَانٌ، فَيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الْمُمَايَلَةِ وَالتَّحَيُّفِ في مكيل أو موزون. فَإِنْ ظَهَرَ مِنْ أَحَدِ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَارِينَ لِلْكَيْلِ وَالْوَزْنِ تَحَيُّفٌ فِي تَطْفِيفٍ أَوْ مُمَايَلَةٌ فِي زيادة أدب وأخرج من جُمْلَةِ الْمُخْتَارِينَ، وَمُنِعَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْوَسَاطَةِ بَيْنَ النَّاسِ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي اخْتِيَارِ الدَّلَّالِينَ يُقِرُّ مِنْهُمْ الْأُمَنَاءَ وَيَمْنَعُ الْخَوَنَةَ وَهَذَا مِمَّا يَتَوَلَّاهُ ولاة الحسبة

    vol. 1, p. 300فأما اختيار القسام والزراع فالقضاة أخص بِاخْتِيَارِهِمْ مِنْ وُلَاةِ الْحِسْبَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُسْتَنَابُونَ في أموال الأيتام والغيب. وأما اختيار الحراس في القبائل والأسواق فإلى الحماة وأصحاب المعونة. وَإِذَا وَقَعَ فِي التَّطْفِيفِ تَخَاصُمٌ جَازَ أَنْ ينظر فيه المحتسب إن لم يكن مع التخاصم فيه تجاحد وتناكر، فإن أفضى إلى التجاحد والتناكر كَانَ الْقُضَاةُ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ فِيهِ مِنْ وُلَاةِ الْحِسْبَةِ. لِأَنَّهُمْ بِالْأَحْكَامِ أَحَقُّ، وَكَانَ التَّأْدِيبُ فِيهِ إلَى الْمُحْتَسِبِ، فَإِنْ تَوَلَّاهُ الْحَاكِمُ جَازَ لِاتِّصَالِهِ بحكمه. وَمِمَّا يُنْكِرُهُ الْمُحْتَسِبُ فِي الْعُمُومِ وَلَا يُنْكِرُهُ في الخصوص والآحاد التبايع بما لم يألف أَهْلُ الْبَلَدِ مِنْ الْمَكَايِيلِ وَالْأَوْزَانِ الَّتِي لَا تعرف فيه وإن كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي غَيْرِهِ، فَإِنْ تَرَاضَى بِهَا اثنان لم يعترض عليهما بالإنكار والمنع، ويمنع أن يرتسم بها قوم في الْعُمُومِ، لِأَنَّهُ قَدْ يُعَامِلُهُمْ فِيهَا مَنْ لَا يعرفها فيصير مغرورا. وأما ما ينكره في حقوق الآدميين المحضة.

  16. مثل أَنْ يَتَعَدَّى رَجُلٌ فِي حَدٍّ لِجَارِهِ، أَوْ في حريم لداره، أو في وضع بنيان عَلَى جِدَارِهِ، فَلَا اعْتِرَاضَ لِلْمُحْتَسِبِ فِيهِ، مَا لم يستعده الجار عليه، لأنه حق يخصه يصح مِنْهُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالْمُطَالَبَةُ بِهِ. فَإِنْ خَاصَمَهُ فيه إلى المحتسب نظر فيه إن لم يكن بينهما تنازع وتناكر، وأخذ المتعدي بإزالة تعديه، وكان تأديبه عليه بحسب شواهد الحال، وإن تَنَازَعَا كَانَ الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ فِيهِ أَحَقَّ. وَلَوْ أَنَّ الْجَارَ أَقَرَّ جَارَهُ عَلَى تَعَدِّيهِ وَعَفَا عَنْ مُطَالَبَتِهِ بِهَدْمِ مَا تَعَدَّى فِيهِ ثُمَّ عاد مطالبا بذلك، كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَأَخَذَ الْمُتَعَدِّيَ بَعْدَ الْعَفْوِ عَنْهُ بِهَدْمِ مَا بَنَاهُ. وَلَوْ كَانَ قَدْ ابْتَدَأَ الْبِنَاءَ، وَوَضَعَ الْأَجْذَاعَ بِإِذْنِ الْجَارِ، ثُمَّ رجع الجار في إذنه لم يأخذ الباني بهدمه. ولو انتشرت أغصان شجرة إلَى دَارِ جَارِهِ كَانَ لِلْجَارِ أَنْ يَسْتَعْدِيَ المحتسب حتى يُعَدِّيهِ عَلَى صَاحِبِ الشَّجَرَةِ لِيَأْخُذَهُ بِإِزَالَةِ مَا انْتَشَرَ مِنْ أَغْصَانِهَا فِي دَارِهِ، وَلَا تَأْدِيبَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ انْتِشَارَهَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ. وَلَوْ انْتَشَرَتْ عُرُوقُ الشَّجَرَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ حَتَّى دَخَلَتْ فِي قَرَارِ أَرْضِ الْجَارِ لَمْ يُؤْخَذْ بِقَلْعِهَا ولايمنع الْجَارُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي قَرَارِ أَرْضِهِ وَإِنْ قطعها. وقد قال أحمد في رواية ابن منصور: " في رجل في حائط جاره شجرة وأغصانها في حائطه له أن يمنعه ويأمره بقطعها" . وكذلك نقل إسحاق بن هانئ " في شجرة أصلوها في ملك صاحبها، وأغصانها مطلة على بستان جاره، لجاره أن يدفع ذلك عنه" . وكذلك نقل الحسن بن محمد بن الحرث " في نخلة أصولها في داره، ورأسها في داري: يقطعها حتى لا تؤذيه، فقيل له: يقطع له؟ قال: يأمر صاحبه حتى يقطع" .

  17. فقد نص على أن له أخذه بإزالة ما انتشر منها وأنه يأمر صاحبه ولا يتولى هو ذلك بنفسه، لأن الحق توجه على المالك، وكان هو المطالب بإبقائه، كما يطلب الراهن ببيع الرهن. وقال في رواية إسحاق بن هانئ " في رجل في داره شجرة فنبتت من عروقها شجرة في دار رجل آخر: لمن الشجرة؟ فقال: ما أدري ما هذا؟ ربما كان ضررا على صاحب الأرض" .

    vol. 1, p. 301
  18. وظاهر هذا أنه إذا لم يكن فيها ضرر، وهو أن تكون عروقها تحت الأرضن لا يؤخذ بقلعها لأنه اعتبر الضرر، والضرر إنما يكون بظهورها على وجه الأرض. وقد روى أبو حفص العكبري عن أبي بكر عبد العزيز عن أبي بكر الخلال عن حرب عن عمرو بن عثمان عن بقية بن الوليد عن سلمة القرشي عن العلاء بن الحرث عن مكحول قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - " من أظلت شجرة داره فهو بالخيار بين أكل ثمرها أو قطع ما أظل عليه منها" . وهذا محمول على أن صاحب الشجرة يأكل الثمرة. وروى أبو حفص أيضا بإسناده عن محمد بن علي قال " كان لسمرة بن جندب نخل في حائط رجل من الأنصار، وكان يدخل عليه وأهله فيؤذيه، فشكا ذلك الأنصاري إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال له: بعه، فأبى، قال: فاقلعه، فأبى: قال: هبه ولك مثلها في الجنة، فأبى: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنت مضار، اذهب فاقلع نخله" . فقد أمره بقلعه. فإن نصب المالك تنورا في داره، فتأذى الجار بدخانه، أو نصب في داره رحا، أو وضع فيها حدادين أو قصارين، فهل يمنع من ذلك؟.

  19. قد روى عن أحمد ألفاظ تقتضي المنع. فقال في رواية عبد الله: في رجل بنى في داره حماما أوحشا يضر بجاره أكرهه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ضرر ولا ضرار ". وكذلك قال في رواية ابن منصور " لا يضر بجاره، يحفر إلى جنب بئره كنيفا أو بئرا إلى جنب حائطه وإن كان في حده ". وكذلك قال في رواية أبي طالب " لا يجعل في داره حماما يؤذي جاره، ولا يحفر بئرا إلى بئره ". والخلاف في هذه المسألة وفيما قبلها سواء وقد اختلفت الرواية عنه فيمن احتفر بئرا إلى جنب جاره فنضب ماء الأولة وغار هل يطم عليه؟ على روايتين: نقل الحسن بن ثواب عنه " لا تطم " وعلل بأن هذه في ملك صاحبها. ونقل الميموني " تطم " فيخرج في هذه الرواية روايتان.

    vol. 1, p. 302
  20. وَإِذَا تَعَدَّى مُسْتَأْجِرٌ عَلَى أَجِيرٍ فِي نُقْصَانِ أجر أو استزادة علم كَفَّهُ عَنْ تَعَدِّيهِ وَكَانَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ مُعْتَبَرًا بِشَوَاهِدِ حَالِهِ. وَلَوْ قَصَّرَ الْأَجِيرُ فِي حَقِّ المستأجر فنقصه عن الْعَمَلِ، أَوْ اسْتَزَادَهُ فِي الْأُجْرَةِ مَنَعَهُ مِنْهُ وأنكره عليه إذا تخاصموا إليه. فإن اختلفوا أو تناكروا وكان الْحَاكِمُ بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا أَحَقَّ. وَمِمَّا يُؤْخَذُ وُلَاةُ الحسبة بمراعاته من أخل الصَّنَائِعِ فِي الْأَسْوَاقِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ مِنْهُمْ مَنْ يراعي عمله في الوفاء والتقصير. ومنهم من يراعي حاله في الْأَمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَاعِي عَمَلَهُ فِي الجودة والرداءة. فأما من يراعي عَمَلِهِ فِي الْوُفُورِ وَالتَّقْصِيرِ فَكَالطَّبِيبِ وَالْمُعَلِّمِينَ، لِأَنَّ الطب إقدام عَلَى النُّفُوسِ، يُفْضِي التَّقْصِيرُ فِيهِ إلَى تَلَفٍ أوسقم. وللمعلمين الطرائق التي ينشأ الصغار عليها، ليكون نقلهم عنه بَعْدَ الْكِبَرِ عَسِيرًا، فَيُقَرُّ مِنْهُمْ مَنْ تَوَفَّرَ علمه، وحسنت طريقته، ويمنع، من قصر أو أساء مِنْ التَّصَدِّي لِمَا يُفْسِدُ بِهِ النُّفُوسَ، وَتَخْبُثُ به الآداب. وقد قال أحمد في رواية حرب: في الطبيب والبيطار " إذا علم أنه طبيب فلا يضمن " فإن لم يكن طبيبا فكأنه رأى عليه الضمان.

  21. وقد روى أبو حفص بإسناده عن عَمْرو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن" . وأما من يراعي حالة فِي الْأَمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ فَمِثْلُ الصَّاغَةِ، وَالْحَاكَةِ وَالْقَصَّارِينَ، وَالصَّبَّاغِينَ؛ لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا هَرَبُوا بِأَمْوَالِ النَّاسِ، فَيُرَاعِي أَهْلَ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ مِنْهُمْ، فَيُقِرُّهُمْ وَيُبْعِدُ مَنْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ وَيُشْهِرُ أَمْرَهُ، لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْحُمَاةَ وولاة المعونة أَخَصُّ بِالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ هَؤُلَاءِ مِنْ وُلَاةِ الحسبة، لأن الخيانة تابعة للسرقة.

    vol. 1, p. 303
  22. وأما ما يُرَاعِي عَمَلَهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فَهُوَ مِمَّا يَنْفَرِدُ بِالنَّظَرِ فِيهِ وُلَاةُ الْحِسْبَةِ، وَلَهُمْ أَنْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ فِي الْعُمُومِ فَسَادَ الْعَمَلِ وَرَدَاءَتَهُ وإن لم يكن فيه مستعد. فأما فِي عَمَلٍ مَخْصُوصٍ اعْتَادَ الصَّانِعُ فِيهِ الْفَسَادَ وَالتَّدْلِيسَ، فَإِذَا اسْتَعْدَاهُ الْخَصْمُ قَابَلَ عَلَيْهِ بِالْإِنْكَارِ وَالزَّجْرِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ غُرْمٌ، رُوعِيَ حَالُ الغرم، فإن افتقر إلى تقدير أو تقويم لم يكن لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ، لِافْتِقَارِهِ إلَى اجْتِهَادٍ حكمي، وكان القاضي بالنظر فيه أحق أن ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب؛ لِأَنَّهُ أَخْذٌ بِالتَّنَاصُفِ، وَزَجْرٌ عَنْ التَّعَدِّي. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَعِّرَ عَلَى النَّاسِ الْأَقْوَاتَ وَلَا غيرها في رخص ولا غلاء. وما ما ينكره مِنْ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَكَالْمَنْعِ مِنْ الْإِشْرَافِ عَلَى مَنَازِلِ الناس، ويكره من علا بناؤه أن يستر سطحه. قال في رواية ابن منصور في الرجل يشرف على جاره "فالسترة على الذي أشرف" .

  23. وكذلك قال في رواية محمد بن يحيى الكحال في الذي يكون أعلا من جاره " يستر على نفسه" . فإن قيل: كان يجب أن يقال: يلزمه أن لايشرف على غيره، ولا يلزمه أن يستر سطحه. قيل: لا يمكنه في العادة أن لايشرف على غيره إلا ببناء ستره، لأنه قد يسهو أو يغفل عن ترك الإشراف لظهوره عليه. وَيُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ تَعْلِيَةِ أَبْنِيَتِهِمْ عَلَى أبنية المسلمين، فإن ملكوا أبنية عالية احتمل أن يقروا عليها، ويلزموا أن يستروا سطوحهم. ويأخذ أهل الذمة بما شرط فِي ذِمَّتِهِمْ، مِنْ لُبْسِ الْغِيَارِ، وَالْمُخَالَفَةِ فِي الهيئة، وترك المجاهرة بقولهم في عزيز ابن الله، والمسيح ابن الله. وَيُمْنَعُ عَنْهُمْ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِسَبٍّ أَوْ أَذًى، وَيُؤَدَّبُ عَلَيْهِ مَنْ خَالَفَ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ فِي أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ السَّابِلَةِ والجوامع الحافلة مَنْ يُطِيلُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَعْجِزَ عَنْهَا الضُّعَفَاءُ وَيَنْقَطِعَ بِهَا ذَوُو الْحَاجَاتِ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كما أنكر رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى معاذ حِينَ أَطَالَ الصَّلَاةَ بِقَوْمِهِ، وَقَالَ: " أَفَتَّانٌ أَنْتَ يا معاذ؟ " .

    vol. 1, p. 304
  24. فإن أقام الإمام عَلَى الْإِطَالَةِ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ مِنْهَا، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤَدِّبَهُ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ يَسْتَبْدِلُ بِهِ مَنْ يخففها. وإذا كان في القضاة يحجب الْخُصُومَ إذَا قَصَدُوهُ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ النَّظَرِ بَيْنَهُمْ إذا تحاكموا إليه حتى تقف الأحكام، وتستضر الخصوم، فللمحتسب أن يأخذ - مَعَ ارْتِفَاعِ الْأَعْذَارِ- بِمَا نُدِبَ لَهُ مِنْ النظر بين المتحاكمين وفصل القضايا بين المتشاجرين، ولا تمنع عُلُوُّ رُتْبَتِهِ مِنْ إنْكَارِ مَا قَصَّرَ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ فِي سَادَةِ الْعَبِيدِ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُمْ فِيمَا لَا يُطِيقُونَ الدَّوَامَ عَلَيْهِ كَانَ مَنْعُهُمْ والإنكار عليهم موقوفا على استعداء العبيد، إلا على وجه الإنكار والغلظة، وإذا استعدوه منع حينئذ وزجر. وإذا كان في أرباب المواشي من يستعملها فيما لا تطيق الدَّوَامَ عَلَيْهِ أَنْكَرَهُ الْمُحْتَسِبُ عَلَيْهِ. وَمَنَعَهُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُسْتَعِدٌّ إلَيْهِ، فَإِنْ ادعى المالك احتمال الدابة لما يستعملها فيه، جاز للمحتسب أن ينكر فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ افْتَقَرَ 'إلَى اجْتِهَادٍ فَهُوَ عرفي يرجع فيه إلى عرف الناس وعادتهم وليس باجتهاد شرعي. وَإِذَا اسْتَعْدَاهُ الْعَبْدُ فِي امْتِنَاعِ سَيِّدِهِ مِنْ كسوته ونفقته جاز أن يأمره بها ويأخذه بالتزامها.

    vol. 1, p. 305
  25. ولو استعداه من تقصير سيده فيها، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَلَا إلزام لأنه يحتاجح في التقدير إلَى اجْتِهَادٍ شَرْعِيٍّ، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ ولزمه غير منصوص عليه. وقد قال أحمد في رواية عبد الله " حق المملوك يشبعه ويكسوه" . ولا يكلفه ما لا يطيق. وإذا بلغ المملوك زوجه، فإن أبى تركه ". وقال في رواية حرب: وقد سئل " هل يستعمل المملوك بالليل؟ قال: لا يسهره ولا يشق عليه ويخفف عنه ". وَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَمْنَعَ أَرْبَابَ السُّفُنِ مِنْ حَمْلِ مَا لَا تَسَعُهُ، وَيُخَافُ مِنْهُ غَرَقُهَا، وَكَذَلِكَ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْمَسِيرِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الرِّيحِ، وَإِذَا حمل فيها الرجال والنساء يحجز بينهم بحائل، وإذا اتسعت السفن نصب النساء مَخَارِجُ لِلْبِرَازِ لِئَلَّا يَتَبَرَّجْنَ عِنْدَ الْحَاجَةِ.

    vol. 1, p. 306
  26. وَإِذَا كان في أهل الْأَسْوَاقِ مَنْ يَخْتَصُّ بِمُعَامَلَةِ النِّسَاءِ رَاعَى الْمُحْتَسِبُ سِيرَتَهُ وَأَمَانَتَهُ، فَإِذَا تَحَقَّقَهَا مِنْهُ أَقَرَّهُ عَلَى مُعَامَلَتِهِنَّ، وَإِنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ الرِّيبَةُ وَبَانَ عَلَيْهِ الفجور، منعه من معاملتهن وأدّ به عَلَى التَّعَرُّضِ لَهُنَّ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْحُمَاةَ وولاة المعونة أخص بإنكار ذلك، لأنه من موانع الزنا. وينظر والي الحسبة في مقاعد الأسواق، فيقر فيها ما لا ضرر على المارة فيه، وَيَمْنَعُ مَا اسْتَضَرَّ بِهِ الْمَارَّةُ، وَلَا يَقِفُ منعه على الاستعداء إليه. وقد قال أحمد في رواية حرب " في الرجل يسبق إلى دكاكين السوق، فمن سبق غدوة فهو له إلى الليل ". وهذا يقتضي جواز مقاعد الأسواق. وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم " البيع على الطريق مكروه ". فقد منع من ذلك. وَإِذَا بَنَى قَوْمٌ فِي طَرِيقٍ سَابِلٍ مُنِعَ منه، وإن اتسع له الطريق، ويأخذهم بهدم ما بنوه، وإن كَانَ الْمَبْنِيُّ مَسْجِدًا، لِأَنَّ مَرَافِقَ الطُّرُقِ لِلسُّلُوكِ لا للأبنية. وقد قال أحمد في رواية المروزي " هذه المساجد التي بنيت في الطرقات حكمها أن تهدم ". وقال في موضع آخر " هذه المساجد أعظم جرما، يخرجون المسجد، ثم يخرجون على أمره". وإذا وضع الناس الأمتعة وآلا ت الْأَبْنِيَةِ فِي مَسَالِكِ الشَّوَارِعِ وَالْأَسْوَاقِ ارْتِفَاقًا لِيَنْقُلُوهُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ، مُكِّنُوا مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَضِرَّ بِهِ الْمَارَّةُ، وَمُنِعُوا مِنْهُ إنْ اسْتَضَرُّوا به. ويمنعهم من إخراج الأجنحة والساباطات، ومجاري المياه، وآبار الحشوش سواء أضر أو لم يضر، كما يمنع البناء في الطريق.

  27. وقد قال أحمد في رواية المروزي " في الرجل يحفر في فنائه البئر أو المخرج المعلق: لا، هذا طريق المسلمين" قيل له: " إنما هي بئر تحفر ويسد رأسها؟ قال: أليس هي في الطريق؟ " . وَلِوَالِي الْحِسْبَةِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ نَقْلِ الْمَوْتَى من قبورهم إذا دفنوا في مالك أو مباح، إلا من أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، فَيَكُونُ لِمَالِكِهَا أَنْ يَأْخُذَ مَنْ دفنه فيها بنقله منها، أو يكون أرضا لحقها سيل أو ندى فيجوز. قال في رواية أبي طالب: في الميت يخرج من قبره إلى غيره " إذا كان من شيء يؤذيه قد حول طلحة" .

    vol. 1, p. 307
  28. وقال في رواية المروزي " في قو دفنوا في بساتين ومواضع رديئة، فقال " قد نبش معاذ امرأته، وكانت قد كفنت في خلقان فكفنها، ولم ير بأسا أن يحولها ". وَيَمْنَعُ مِنْ خِصَاءِ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ، وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ. وقد قال أحمد في رواية حرب - وقد سئل عن خصاء الدواب والغنم للسمن وغير ذلك - فكرهه، إلا أن يخاف عضاضه. قال في رواية البرتي القاضي - وقد سئل عن خصاء الخيل والدواب فكرهه، إلا من عضاض. ويمنع من خضاب الشيب بالسواد في الجهاد وغيره. قال في رواية إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: " يكره الخضاب بالسواد؟ قال: إي والله مكروه ". ولا يمنع من الخضاب بالحناء والكتم قال في رواية حنبل: " أحب إلى من الخضاب الحناء والكتم " وقال: " ما أحب لأحد أن يغير الشيب ولا يتشبه بأهل الكتاب". ويمنع مِنْ التَّكَسُّبِ بِالْكَهَانَةِ وَاللَّهْوِ، وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ الْآخِذَ والمعطي.

  29. وقد قال أحمد في رواية الفرج بن علي الصباح البرزاطي: في الرجل يزعم أنه يعالج المجنون من الصرع بالرقى والعزائم، ويزعم أنه يخاطب الجن ويكلمهم، ومنهم من يخدمه ويحدثه " ما أحب لأحد أن يفعله، وتركه أحب أحب إليّ" . وقد روى أبو حفص في كتاب الإجارات بإسناده " أن أبا بكر شرب لبنا. فقيل له: إنه من كهانة تكهنها النعيمان في الأهلية: فقام فاستقاء" . قال أبو بكر المرزوي: سألت أبا عبد الله عن شيء من أمر الروع؛ فاحتج بحديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في الفيء. وَهَذَا فَصْلٌ يَطُولُ أَنْ يُبْسَطَ، لِأَنَّ الْمُنْكَرَاتِ لا ينحصر عددها فيستوفي، وفيما ذكرناه دليل على ما أغفلناه. وأنا أسأل الله تعالى حسن التوفيق لما ذكرتن وعونا على ما شرحت، وأرغب إليه في التوفيق لما يرضيه، وأعوذ به من سخطه وكل معاصيه بمنه وكرمه، وهو حسبي ونعم الوكيل. ثم الكتاب والحمد لله رب العالمين حمدا لاينقطع ولايبيد، وصلي الله على سيدنا محمد خاتم الرسل وأشرف العبيد، وعلى إخوانه من النبيين وآله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا.

    vol. 1, p. 308
  30. ووافق الفراغ منه في حادي عشري صفر الخير من شهور سنة ثمانمائة وستة وستين بصالحية دمشق المحروسة، عمرها الله بذكره إلى يوم القيامة.

  31. وذلك على يد أبي بكر بن زيد الجراعي الحنبلي، لطف الله به، وغفر له ولوالديه ولمشايخه ولجميع المسلمين آمين.

  32. وبهامش الأصل المخطوط ما صورته: الحمد لله وحده بلغ مقابلة وتصحيحا على النسخة المكتتب منها، لكنه غير صحيحة، وقد صححناها في هذا ما أمكن، فلله الحمد والمنة.