فصل: في النهي عن قتل الرهبان
38 paragraphs · vol. 1, p. 211
- vol. 1, p. 211
وَأَمَّا قَتْلُ مَنْ أَضْعَفَهُ الْهَرَمُ، أَوْ أَعْجَزَتْهُ الزَّمَانَةُ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ تَخَلَّى مِنَ الرُّهْبَانِ وَأَصْحَابِ الصَّوَامِعِ، فَإِنْ كَانُوا يَمُدُّونَ الْمُقَاتِلَةَ بِرَأْيِهِمْ وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، جَازَ قَتْلُهُمْ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ، وَكَانُوا فِي حُكْمِ الْمُقَاتِلَةِ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَإِنْ لَمْ يُخَالِطُوهُمْ فِي رَأْيٍ وَلَا تَحْرِيضٍ، فَفِي إبَاحَةِ قَتْلِهِمْ قَوْلَانِ.
- فصل:
-
وَأَمَّا السَّبْيُ فَهُمْ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلُوا إذَا كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ، وَيَكُونُ سَبْيًا مُسْتَرَقًّا يُقْسَمُونَ مَعَ الْغَنَائِمِ، وَإِنْ كَانَ النِّسَاءُ مِنْ قَوْمٍ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ -كَالدَّهْرِيَّةِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ- وَامْتَنَعْنَ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْتَلْنَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُسْتَرْقَقْنَ، لَا يُفَرَّقُ فِيمَنْ اُسْتُرْقِقْنَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا" .
-
فَإِنْ فَادَى بِالسَّبْيِ عَلَى مَالٍ جَازَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْفِدَاءَ بَيْعٌ، وَيَكُونُ مَالُ فَدَائِهِمْ مَغْنُومًا مَكَانَهُمْ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِطَابَةُ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ عَنْهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ.
-
وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُفَادِيَ بِهِمْ عَنْ أَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَيْدِي قَوْمِهِمْ عَوَّضَ الْغَانِمِينَ عَنْهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَنَّ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِاسْتِطَابَةِ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ عَنْهُمْ إمَّا بِالْعَفْوِ عَنْ حُقُوقِهِمْ مِنْهُمْ، وَإِمَّا بِمَالٍ يُعَوِّضُهُمْ عَنْهُمْ.
- vol. 1, p. 212
فَإِنْ كَانَ الْمَنُّ عَلَيْهِمْ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ جَازَ أَنْ يُعَوِّضَهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ، وَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ يَخُصُّهُ عَاوَضَ عَنْهُمْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَمَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْغَانِمِينَ عَنْ تَرْكِ حَقِّهِ لَمْ يُسْتَنْزَلْ عَنْهُ إجْبَارًا حَتَّى يَرْضَى، وَخَالَفَ ذَلِكَ حُكْمُ الْأَسْرَى الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ اسْتِطَابَةُ نُفُوسِ الْغَانِمِينَ فِي الْمَنِّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الرِّجَالِ مُبَاحٌ، وَقَتْلَ السَّبْيِ مَحْظُورٌ، فَصَارَ السَّبْيُ مَالًا مَغْنُومًا لَا يَسْتَنْزِلُونَ عَنْهُ إلَّا بِاسْتِطَابَةِ النُّفُوسِ.
-
قَدْ اسْتَعْطَفَتْ هَوَازِنُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ سَبَاهُمْ بِحُنَيْنٍ، وَأَتَاهُ وُفُودُهُمْ وَقَدْ فَرَّقَ الْأَمْوَالَ وَقَسَمَ السَّبْيَ، فَذَكَّرُوهُ حُرْمَةَ رَضَاعِهِ فِيهِمْ مِنْ لَبَنِ حَلِيمَةَ، وَكَانَتْ مِنْ هَوَازِنَ.
-
حَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ هَوَازِنَ لَمَّا سُبِيَتْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ بِحُنَيْنٍ، قَدِمَتْ وُفُودُهُمْ مُسْلِمِينَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَنَا أَصْلٌ وَعَشِيرَةٌ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، ثُمَّ قَامَ مِنْهُمْ أَبُو صُرَدَ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدَ١ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّمَا فِي الْحَظَائِرِ عَمَّاتُكَ وَخَالَاتُكَ وَحَوَاضِنُكَ اللَّائِي كُنَّ يَكْفُلْنَكَ، وَلَوْ أَنَّا مُلِّكْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ٢ أَوْ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِر، ِ ثُمَّ نَزَلْنَا بِمِثْلِ الْمَنْزِلِ الَّذِي نَزَلْنَا رَجَوْنَا عَطْفَهُ وَجَائِزَتَهُ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْكَفِيلِينَ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ "مِنَ الْبَسِيطِ" :
اُمْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَدَّخِرُ
اُمْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ ... مُمَزَّقٌ شَمْلُهَا فِي دَهْرِهَا غَبَرُ
اُمْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... إذْ فُوكَ يَمْلَؤُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَرُ
الْآنَ إذْ كُنْتَ طِفْلًا كُنْتَ تَرْضَعُهَا ... وَإِذْ تُرَبِّيكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ
لَا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ ... وَاسْتَبْقِ مِنَّا فَإِنَّا مَعْشَرٌ زُهُرُ
إذْ لَمْ تُدَارِكُنَا نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ
vol. 1, p. 213إنَّا لَنَشْكُركَ النُّعْمَى وَإِنْ كَثُرَتْ ... وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ نَدَّخِرُ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبُّ إلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ " ؟.
فَقَالُوا: خَيَّرَتْنَا بَيْنَ أَمْوَالِنَا وَأَحْسَابِنَا، بَلْ تَرُدُّ عَلَيْنَا أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَهُمْ أَحَبُّ إلَيْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ" .
وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَتْ الْأَنْصَارُ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ، وَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا، وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا؛ وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ: أَمَّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا، فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ: مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ لِبَنِي سُلَيْمٍ: قَدْ وَهَنْتُمُونِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَّا مَنْ تَمَسَّكَ مِنْكُمْ بِحَقِّهِ مِنْ هَذَا السَّبْيِ فَلَهُ بِكُلِّ إنْسَانٍ سِتُّ قَلَائِصَ، فَرُدُّوا إلَى النَّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ" ١.
-
فَرَدُّوا، وَكَانَ عُيَيْنَةُ قَدْ أَخَذَ عَجُوزًا مِنْ عَجَائِزِ هَوَازِنَ وَقَالَ: إنِّي لَا أَرَى لَهَا فِي الْحَيِّ نَسَبًا، فَعَسَى أَنْ يُعَظِّمَ فِدَاؤُهَا، فَامْتَنَعَ مِنْ رَدِّهَا بِسِتِّ قَلَائِصَ، فَقَالَ أَبُو صُرَدَ: خَلِّهَا عَنْكَ، فَوَاَللَّهِ مَا فُوهَا بِبَارِدٍ، وَلَا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ، وَلَا بَطْنُهَا بِوَالِدٍ، وَلَا زَوْجُهَا بِوَاحِدٍ، وَلَا دَرُّهَا بِمَاغِدٍ، فَرَدَّهَا بِسِتِّ قَلَائِصَ، ثُمَّ إنَّ عُيَيْنَةَ لَقِيَ الْأَقْرَعَ فَشَكَا إلَيْهِ فَقَالَ: إنَّكَ مَا أَخَذْتَهَا بَيْضَاءَ غَرِيرَةً وَلَا نَصْفَاءَ وَثِيرَةً، وَكَانَ فِي السَّبْيِ الشَّيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى أُخْتُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَعَنَّفَ بِهَا إلَى أَنْ أَتَتْهُ وَهِيَ تَقُولُ: أَنَا أُخْتُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَمَّا انْتَهَتْ إلَيْهِ قَالَتْ لَهُ: أَنَا أُخْتُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ" ؟ فَقَالَتْ: عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ، فَعَرَفَ الْعَلَامَةَ وَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ، وَخَيَّرَهَا بَيْنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ مُكَرَّمَةً أَوْ الرُّجُوعِ إلَى قَوْمِهَا مُمَتَّعَةً، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُمَتِّعَهَا وَيَرُدَّهَا إلَى قَوْمِهَا، فَفَعَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الْوَفْدِ وَرَدِّ السَّبْيِ؛ فَأَعْطَاهَا غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: محكل، وَجَارِيَةً فَزَوَّجَتْ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ، فَفِيهِمْ مَنْ نَسْلِهِمَا بَقِيَّةٌ.
- vol. 1, p. 214
وَفِي هَذَا الْخَبَرِ مَعَ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْهُ سِيرَةٌ يَجِبُ أَنْ يَتَّبِعَهَا الْوُلَاةُ فَلِذَلِكَ اسْتَوْفَيْنَاهُ.
-
وَإِذَا كَانَ فِي السَّبَايَا ذَوَاتُ أَزْوَاجٍ بَطَلَ نِكَاحُهُنَّ بِالسَّبْيِ، سَوَاءٌ سُبِيَ أَزْوَاجُهُنَّ مَعَهُنَّ أَمْ لَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ سُبِينَ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ فَهُنَّ عَلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ مِنْهُنَّ ذَاتُ زَوْجٍ قَبْلَ حُصُولِهَا فِي السَّبْيِ فَهِيَ حُرَّةٌ، وَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِذَا قَسَمَ السَّبَايَا فِي الْغَانِمِينَ حَرُمَ وَطْؤُهُنَّ حَتَّى يُسْتَبْرَأْنَ بِحَيْضَةٍ إنْ كُنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ، أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إنْ كُنَّ حَوَامِلَ.
-
رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ بِسَبْيِ هَوَازِنَ فَقَالَ: "أَلَا لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ" ١.
-
وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَأَحْرَزُوهُ لَمْ يَمْلِكُوهُ، وَكَانَ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ أَرْبَابِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنْ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ رُدَّ عَلَى مَالِكِهِ مِنْهُمْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدْ مَلَكَهُ الْمُشْرِكُونَ إذَا غَلَبُوا عَلَيْهِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَمَةً وَدَخَلَ سَيِّدُهَا الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ حَرُمَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا، وَلَوْ كَانَتْ أَرْضًا أَسْلَمَ عَنْهَا الْمُتَغَلِّبُ عَلَيْهَا كَانَ أَحَقَّ بِهَا، وَإِذَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ كَانُوا أَحَقَّ بِهِ مِنْ مَالِكِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ أَدْرَكَهُ مَالِكُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهَا كَانَ مَالِكُهُ أَحَقَّ بِثَمَنِهِ، وَغَانِمُهُ أَحَقَّ بِعَيْنِهِ، وَيَجُوزُ شِرَاءُ أَوْلَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ كَمَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ، وَيَجُوزُ شِرَاءُ أَوْلَادِ أَهْلِ الْعَهْدِ مِنْهُمْ وَلَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ.
-
وَيَجْرِي عَلَى مَا غَنِمَهُ الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ حُكْمُ الْغَنِيمَةِ فِي أَخْذِ خُمُسِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: لَا يُؤْخَذُ خُمُسُهُ حَتَّى يَكُونُوا سَرِيَّةً، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّرِيَّةِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: السَّرِيَّةُ أَنْ يَكُونُوا عَدَدًا مُمْتَنِعًا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: السَّرِيَّةُ تِسْعَةٌ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّ سَرِيَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ كَانَتْ تِسْعَةً، وَهَذَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ إلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ سَرِيَّةً وَحْدَهُ فَقَتَلَهُ، وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وَآخَرَ مَعَهُ سَرِيَّةً.
-
وَإِذَا أَسْلَمَ الْأَبَوَانِ كَانَ إسْلَامًا لِصِغَارِ أَوْلَادِهِمَا مِنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ، وَلَا يَكُونُ إسْلَامًا لِلْبَالِغَيْنِ مِنْهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَالِغُ مَجْنُونًا، وَقَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ إسْلَامُ الْأَبِ إسْلَامًا لَهُمْ، وَلَا
vol. 1, p. 215يَكُونُ إسْلَامُ الْأَطْفَالِ بِأَنْفُسِهِمْ إسْلَامًا وَلَا رِدَّتُهُمْ رِدَّةً، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إسْلَامُ الطِّفْلِ إسْلَامٌ وَرِدَّتُهُ رِدَّةٌ إذَا كَانَ يَعْقِلُ وَيُمَيِّزُ، لَكِنْ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ إسْلَامُ الطِّفْلِ إسْلَامًا وَلَا تَكُونُ رِدَّتُهُ رِدَّةً، وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ مَعْنٍ عَنْهُ: إنْ عَرَفَ نَفْسَهُ صَحَّ إسْلَامُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا لَمْ يَصِحَّ.
- فصل:
-
وَأَمَّا الْأَرْضُونَ إذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ فَتُقْسَمُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا مُلِكَتْ عَنْوَةً وَقَهْرًا حَتَّى فَارَقُوهَا بِقَتْلٍ أَوْ أَسْرٍ أَوْ جَلَاءٍ؛ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهَا بَعْدَ اسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إلَى أَنَّهَا تَكُونُ غَنِيمَةً كَالْأَمْوَالِ تُقْسَمُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، إلَّا أَنْ يَطِيبُوا نَفْسًا بِتَرْكِهَا، فَتُوقَفُ عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ مَالِكٌ: تَصِيرُ وَقْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ غُنِمَتْ، وَلَا يَجُوزُ قَسْمُهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِمَامُ فِيهَا بِالْخِيَارِ بَيْنَ قِسْمَتِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَتَكُونُ أَرْضًا عُشْرِيَّةً، أَوْ يُعِيدُهَا إلَى أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ بِخَرَاجٍ يَضْرِبُهُ عَلَيْهَا فَتَكُونُ أَرْضَ خَرَاجٍ، وَيَكُونُ الْمُشْرِكُونَ بِهَا أَهْلَ ذِمَّةٍ، أَوْ يَقِفُهَا عَلَى كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَصِيرُ هَذِهِ الْأَرْضُ دَارَ إسْلَامٍ، سَوَاءٌ سَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ أَوْ أُعِيدَ إلَيْهَا الْمُشْرِكُونَ لِمِلْكِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنْزِلَ عَنْهَا لِلْمُشْرِكِينَ لِئَلَّا تَصِيرَ دَارَ حَرْبٍ.
-
وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْهَا: مَا مُلِكَ مِنْهُمْ عَفْوًا لِانْجِلَائِهِمْ عَنْهَا خَوْفًا، فَتَصِيرُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا وَقْفًا، وَقِيلَ: بَلْ تَصِيرُ وَقْفًا حَتَّى يَقِفَهَا الْإِمَامُ لَفْظًا، وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا يَكُونُ أُجْرَةً لِرِقَابِهَا تُؤْخَذُ مِمَّنْ عُومِلَ عَلَيْهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ، وَيَجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ خَرَاجِهَا وَأَعْشَارِ زُرُوعِهَا وَثِمَارِهَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ الثِّمَارُ مِنْ نَخْلٍ كَانَتْ فِيهَا وَقْتَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا، فَتَكُونُ تِلْكَ النَّخْلُ وَقْفًا مَعَهَا لَا يَجِبُ فِي ثَمَرِهَا عُشْرٌ، وَيَكُونُ الْإِمَامُ فِيهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَيْهَا أَوْ الْمُسَاقَاةِ عَلَى ثَمَرَتِهَا، وَيَكُونُ مَا اُسْتُؤْلِفَ غَرْسُهُ مِنَ النَّخْلِ مَعْشُورًا وَأَرْضُهُ خَرَاجًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ، وَيَسْقُطُ الْعُشْرُ بِالْخَرَاجِ، وَتَصِيرُ هَذِهِ الْأَرْضُ دَارَ إسْلَامٍ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ وَلَا رَهْنِهَا، وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا اُسْتُحْدِثَ فِيهَا مِنْ نَخْلٍ أَوْ شَجَرٍ.
-
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا صُلْحًا عَلَى أَنْ تُقَرَّ فِي أَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ عَنْهَا، فَهَذَا
- عَلَى ضَرْبَيْنِ:
-
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْأَرْضِ لَنَا، فَتَصِيرُ بِهَذَا الصُّلْحِ وَقْفًا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ؛ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا رَهْنُهَا، وَيَكُونُ الْخَرَاجُ أُجْرَةً لَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ، فَيُؤْخَذُ خَرَاجُهَا إذَا انْتَقَلَتْ إلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ صَارُوا بِهَذَا الصُّلْحِ أَهْلَ عَهْدٍ، فَإِنْ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ عَلَى رِقَابِهِمْ جَازَ إقْرَارُهُمْ فِيهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنْ مَنَعُوا الْجِزْيَةَ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهَا، وَلَمْ يَرَوْا فِيهَا إلَّا الْمُدَّةَ الَّتِي يُقَرُّ فِيهَا أَهْلُ الْعَهْدِ وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَلَا يُجَاوِزُونَ السَّنَةَ، وَفِي إقْرَارِهِمْ فِيهَا مَا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةِ وَجْهَانِ.
-
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُصَالِحُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضِينَ لَهُمْ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا خَرَاجٌ يُؤَدُّونَهُ عَنْهَا، وَهَذَا الْخَرَاجُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ مَتَى أَسْلَمُوا سَقَطَ عَنْهُمْ، وَلَا تَصِيرُ أَرْضُهُمْ دَارَ إسْلَامٍ وَتَكُونُ دَارَ عَهْدٍ، وَلَهُمْ بَيْعُهَا وَرَهْنُهَا، وَإِذَا انْتَقَلَتْ إلَى مُسْلِمٍ لَمْ يُؤْخَذْ خَرَاجُهَا، وَيُقَرُّونَ فِيهَا مَا أَقَامُوا عَلَى الصُّلْحِ، وَلَا تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِالإِسْلَامِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: قَدْ صَارَتْ دَارُهُمْ بِالصُّلْحِ دَارَ إسْلَامٍ، وَصَارُوا بِهِ أَهْلَ ذِمَّةٍ تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ، فَإِنْ نَقَضُوا الصُّلْحَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ مَعَهُمْ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِمْ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إلَى أَنَّهَا إنْ مُلِّكَتْ أَرْضُهُمْ عَلَيْهِمْ فَهِيَ عَلَى حُكْمِهَا، وَإِنْ لَمْ تُمَلَّكْ صَارَتِ الدَّارُ حَرْبًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ فِي دَارِهِمْ مُسْلِمٌ أَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ بَلَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَهِيَ دَارُ إسْلَامٍ يَجْرِي عَلَى أَهْلِهَا حُكْمُ الْبُغَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ مُسْلِمٌ وَلَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ بَلَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَهِيَ دَارُ حَرْبٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: قَدْ صَارَتْ دَارَ حَرْبٍ فِي الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا.
- فَصْلٌ:
-
وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الْمَنْقُولَةُ فَهِيَ الْغَنَائِمُ الْمَأْلُوفَةُ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْسِمُهَا عَلَى رَأْيِهِ، وَلَمَّا تَنَازَعَ فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلَهَا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِلْكًا لِرَسُولِهِ يَضَعُهَا حَيْثُ شَاءَ، وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الْأَنْفَالِ - يَعْنِي: عَنْ قَوْله تَعَالَى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:١] .
فَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: فِينَا أَصْحَابُ بَدْرٍ أُنْزِلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفْلِ فَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا، فَانْتَزَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ أَيْدِينَا، فَجَعَلَهُ إلَى رَسُولِهِ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى سَوَاءٍ، وَاصْطَفَى مِنْ غَنِيمَةِ بَدْرٍ سَيْفَهُ ذَا الْفِقَارِ وَكَانَ سَيْفَ مُنَبِّهِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَأَخَذَ مِنْهَا سَهْمَهُ وَلَمْ يُخَمِّسْهَا إلَى أَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بَعْدَ بَدْرٍ قَوْله تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: ٤١] .
-
فَتَوَلَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ كَمَا تَوَلَّى قِسْمَةَ الصَّدَقَاتِ، فَكَانَ أَوَّلُ غَنِيمَةٍ خَمَّسَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ بَدْرٍ غَنِيمَةَ بَنِي قَيْنُقَاعِ.
-
وَإِذَا جُمِعَتِ الْغَنَائِمُ لَمْ تُقْسَمْ مَعَ قِيَامِ الْحَرْبِ حَتَّى تَنْجَلِيَ؛ لِيُعْلَمَ بِانْجِلَائِهَا تَحَقُّقُ الظَّفَرِ وَاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ، وَلِئَلَّا يَتَشَاغَلَ الْمُقَاتِلَةُ بِهَا فَيُهْزَمُوا، فَإِذَا انْجَلَتِ الْحَرْبُ كَانَ تَعْجِيلُ قِسْمَتِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَجَوَازُ تَأْخِيرِهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَبِحَسَبِ مَا يَرَاهُ أَمِيرُ الْجَيْشِ مِنِ الصَّلَاحِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْسِمَهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ حَتَّى تَصِيرَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَيَقْسِمُهَا حِينَئِذٍ، فَإِذَا أَرَادَ قِسْمَتَهَا بَدَأَ بِأَسْلَابِ الْقَتْلَى، فَأَعْطَى كُلَّ قَاتِلٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ، سَوَاءٌ شَرَطَ الْإِمَامُ لَهُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَشْرِطْهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: إنْ شَرَطَ لَهُمْ ذَلِكَ اسْتَحَقُّوهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ لَهُمْ كَانَ غَنِيمَةً فَيَشْتَرِكُونَ فِيهَا، وَقَدْ نَادَى مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ حِيَازَةِ الْغَنَائِمِ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" ١.
-
وَالشَّرْطُ مَا تَقَدَّمَ الْغَنِيمَةَ لَا مَا تَأَخَّرَ عَنْهَا، وَقَدْ أَعْطَى أَبُو قَتَادَةَ أَسْلَابَ قَتَلَاهُ وَكَانُوا
vol. 1, p. 218عِشْرِينَ قَتِيلًا، وَالسَّلَبُ مَا كَانَ عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ لِبَاسٍ يَقِيهِ، وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ سِلَاحٍ يُقَاتِلُ بِهِ، وَمَا كَانَ تَحْتَهُ مِنْ فَرَسٍ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ مَا فِي الْمُعَسْكَرِ مِنْ أَمْوَالِهِ سَلَبًا، وَهَلْ يَكُونُ مَا فِي وَسَطِهِ مِنْ مَالٍ، وَمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ حَقِيبَةٍ سَلَبًا؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَلَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤْخَذُ خُمُسُهُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ إعْطَاءِ السَّلَبِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَا يَصْنَعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَالصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بَعْدَ السَّلَبِ بِإِخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ، فَيَقْسِمُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْخُمُسِ عَلَى خَمْسَةٍ كَمَا قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الْآيَةَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَمَالِكٌ: يُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ: لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى سِتَّةِ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ.
-
وَأَهْلُ الْخُمُسِ فِي الْغَنِيمَةِ هُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ فِي الْفَيْءِ، فَيَكُونُ سَهْمٌ مِنَ الْخُمُسِ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيُصْرَفُ بَعْدَهُ لِلْمَصَالِحِ.
-
وَالسَّهْمُ الثَّانِي: لِذَوِي الْقُرْبَى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ.
-
وَالسَّهْمُ الثَّالِثُ: لِلْيَتَامَى.
-
وَالسَّهْمُ الرَّابِعُ: لِلْمَسَاكِينِ.
-
وَالسَّهْمُ الْخَامِسُ: لِبَنِي السَّبِيلِ.
-
ثُمَّ يَرْضَخُ بَعْدَ الْخُمُسِ لِأَهْلِ الرَّضْخِ؛ وَهُمْ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي مُقَدَّمُونَ عَلَى الْخُمُسِ، وَأَهْلُ الرَّضْخِ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ حَاضِرِي الْوَقْعَةِ مِنَ الْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ وَالصَّبِيَّانِ وَالزَّمْنَى، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ يَرْضَخُ لَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِحَسَبِ عَنَائِهِمْ، وَلَا يَبْلُغُ بِرَضِيخِ أَحَدٍ مِنْهُمْ سَهْمَ فَارِسٍ وَلَا رَاجِلٍ، فَلَوْ زَالَ نَقْصُ أَهْلِ الرَّضْخِ بَعْدَ حُضُورِ الْوَقْعَةِ بِعِتْقِ الْعَبْدِ وَبُلُوغِ الصَّبِيِّ وَإِسْلَامِ الْكَافِرِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ أَسْهَمَ لَهُمْ وَلَمْ يَرْضَخْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا رَضَخَ لَهُمْ وَلَمْ يُسْهِمْ.
-
ثُمَّ تُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ بَعْدَ إخْرَاجِ الْخُمُسِ وَالرَّضْخِ مِنْهَا بَيْنَ مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، وَهُمْ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ الْمُسْلِمُونَ الْأَصِحَّاءُ، يَشْتَرِكُ فِيهَا مَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ عَوْنٌ لِلْقَاتِلِ وَرِدْءٌ لَهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا} [آل عمران: ١٦٧] عَلَى تَأْوِيلَيْنِ:
vol. 1, p. 219أَحَدُهُمَا: إنَّهُ تَكْثِيرُ السَّوَادِ، وَهَذَا قَوْلُ السُّدِّيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ.
-
وَالثَّانِي: إنَّهُ الْمُرَابَطَةُ عَلَى الْخَيْلِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَوْنٍ، وَتُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ بَيْنَهُمْ قِسْمَةَ الِاسْتِحْقَاقِ، لَا يَرْجِعُ فِيهَا إلَى خِيَارِ الْقَاسِمِ وَوَالِي الْجِهَادِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَالُ الْغَنِيمَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، إنْ شَاءَ قَسَمَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ تَسْوِيَةً وَتَفْضِيلًا، وَإِنْ شَاءَ أَشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ الْوَقْعَةَ، وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ" ١ مَا يَدْفَعُ هَذَا الْمَذْهَبَ، وَإِذَا اخْتَصَّ بِهَا مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَجَبَ أَنْ يَفْضُلَ الْفَارِسُ عَلَى الرَّاجِلِ لِفَضْلِ عَنَائِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ تَفْضِيلِهِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْطَى الْفَارِسُ سَهْمَيْنِ وَالرَّاجِلُ سَهْمًا وَاحِدًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُعْطَى الْفَارِسُ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَالرَّاجِلُ سَهْمًا وَاحِدًا، وَلَا يُعْطَى سَهْمُ الْفَارِسِ إلَّا لِأَصْحَابِ الْخَيْلِ خَاصَّةً، وَيُعْطَى رُكَّابُ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْجِمَالِ وَالْفِيَلَةِ سِهَامَ الرَّجَّالَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عِتَاقِ الْخَيْلِ وَهُجَّانِهَا، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ: لَا يُسْهَمُ إلَّا لِلْعِتَاقِ السَّوَابِق، ِ وَإِذَا شَهِدَ الْوَقْعَةَ بِفَرَسٍ أَسْهَمَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهِ، وَإِذَا خَلَّفَهُ فِي الْعَسْكَرِ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ، وَإِذَا حَضَرَ الْوَقْعَةَ بِأَفْرَاسٍ لَمْ يُسْهِمْ إلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُسْهِمُ لِفَرَسَيْنِ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: يُسْهِمُ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا سَهْمَ لِمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَمَنْ مَاتَ فَرَسُهُ بَعْدَ حُضُورِ الْوَقْعَةِ أَسْهَمَ لَهُ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَهَا لَمْ يُسْهِمْ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ هُوَ الْمَيِّتَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ مَاتَ هُوَ
vol. 1, p. 220وَفَرَسُهُ بَعْدَ دُخُولِ دَارِ الْحَرْبِ أَسْهَمَ لَهُ، وَإِذَا جَاءَهُمْ مَدَدٌ قَبْلَ انْجِلَاءِ الْحَرْبِ شَارَكُوهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، وَإِنْ جَاءُوا بَعْدَ انْجِلَائِهَا لَمْ يُشَارِكُوهُمْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ دَخَلُوا دَارَ الْحَرْبِ قَبْلَ انْجِلَائِهَا شَارَكُوهُمْ، وَيُسَوَّى فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ بَيْنَ مُرْتَزِقَةِ الْجَيْشِ وَبَيْنَ الْمُتَطَوِّعَةِ إذَا شَهِدَ جَمِيعُهُمْ الْوَقْعَةَ.
-
وَإِذَا غَزَا قَوْمٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ كَانَ مَا غَنِمُوهُ مَخْمُوسًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُخَمِّسُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَمْلِكُ مَا غَنِمُوهُ.
-
وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، أَوْ كَانَ مَأْسُورًا مَعَهُمْ، فَأَطْلَقُوهُ وَأَمَّنُوهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَمِّنَهُمْ، وَقَالَ دَاوُد: يَجُوزُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلَّا أَنْ يَسْتَأْمِنُوهُ، فَيَلْزَمُهُ الْمُوَادَعَةُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاغْتِيَالُ.
-
وَإِذَا كَانَ فِي الْمُقَاتِلَةِ مَنْ ظَهَرَ عَنَاؤُهُ وَأَثَّرَ بَلَاؤُهُ لِشَجَاعَتِهِ وَإِقْدَامِهِ أَخَذَ سَهْمَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ أُسْوَةَ غَيْرِهِ، وَزِيدَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ بِحَسَبِ عَنَائِهِ، فَإِنَّ لِذِي السَّابِقَةِ وَالْإِقْدَامِ حَقًّا لَا يُضَاعُ؛ قَدْ عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوَّلَ رَايَةٍ عَقَدَهَا فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ عَمِّهِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَتَوَجَّهَ مَعَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إلَى أَدْنَى مَاءٍ بِالْحِجَازِ، وَكَانَ أَمِيرُ الْمُشْرِكِينَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَرَمَى سَعْدٌ وَنَكَى؛ كَانَ أَوَّلَ مَنْ رَمَى سَهْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ "مِنَ الْوَافِرِ" :
أَلَا هَلْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي ... حَمَيْتُ صَحَابَتِي بِصُدُورِ نَبْلِي
أَذُودُ بِهَا أَوَائِلَهُمْ ذِيَادًا ... بِكُلِّ حَزُونَةٍ وَبِكُلِّ سَهْلِ
فَمَا يُعْتَدُّ رَامٍ فِي عَدُوٍّ ... بِسَهْمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلِي
وَذَلِكَ أَنَّ دِينَكَ دِينُ صِدْقٍ ... وَذُو حَقٍّ أَتَيْتَ بِهِ وَعَدْلِ
فَلَمَّا قَدِمَ اعْتَذَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا سَبَقَ إلَيْهِ وَتَقَدَّمَ فِيهِ.