رؤيا الترمذي والتحقيق فيها
16 paragraphs · vol. 1, p. 333
- vol. 1, p. 333
ذكر طاهر بن محمد بن هاشم با علوي في كتاب المسمى: مجمع الأحباب في ترجمة الإمام أبي عيسى الترمذي صاحب السنن أنه رأى في المنام رب العزة فسأله عما يحفظ عليه الإيمان حتى يتوفاه عليه قال: فقال لي: قل: إلهي بحرمة الحسين وأخيه وجده وبنيه وأمه وأبيه نجني من الغم الذي أنا فيه يا حي يا قيوم ياذا الجلال والإكرام أسألك أن تحيي قلبي بنور معرفتك يا الله يا الله يا الله يا أرحم الراحمين.
-
هذه الرؤيا أثبتها الدحلان في كتابه ((الدرر السنية في الرد على الوهابية) ) وكأنه آلى على نفسه أن يحشر في كتابه كل خبر يراه مؤيداً لوجهة نظره دون النظر والتثبت من صحته وهذه الرؤيا من هذا النوع الذي لا زمام له ولا خطام ولو أن غيره أتى له برؤيا يحتج فيها على أمر ما ليس له فيه غرض فكان يقيم الدنيا عليه ويقعدها لوماً وتأنيبا لأنه احتج برؤيا وكان يقول له مثلاً: يا أخي ومتى كانت الرؤى حججاً وأدلة؟ ألا تعلم أن الرؤيا لا يثبت بها شيء وأن الدين لا يؤخذ عن الرؤى والمنامات فكان لا ينظر أي اعتبار ولكن عندما يرى حجة فيما يزعم في حكاية خرافية أو منام أو رؤيا فإنه يسرع إلى الأخذ بها ويجعلها حجة ودليلاً وبرهاناً؟ كما فعل هنا بهذه الرؤيا التي رآها في كتاب ما فأعجبته لأن فيها ما يؤيد مذهبه الباطل مع أن الرجل يذكر بعلم الناس وقيل أنه تولى قضاء مكة في يوم من الأيام.
- vol. 1, p. 334
ولكن يجب على الذي أنعم الله عليه بالعلم أن يشكر الله على ذلك بأن يعطي العلم حقه ومستحقه من الفهم والدراية واتباع النصوص الشرعية وعدم العدول عنها إلى خرافات وترهات فإن فعل ذلك وتمسك بالحبل المتين والعروة الوثقى يكون قد شكر الله على ما أفاء عليه من نعمة العلم والفهم أما أن يحرف أو يبدل أو يخرف ويعزف عن النصوص إلى هواه فهذا ليس شأن العلم والعلماء ولا طريق أهل الإيمان وعلى كل فإن الرجل لاقى ربه ونرجو أن يكون قد تاب إلى الله قبل الموت وأحسن العمل.
-
ولنعد إلى النظر في هذه الرؤيا المعزوة إلى الإمام الترمذي رحمه الله.
-
١ - ليس لهذه الرؤيا سند متصل صحيح بالترمذي لينظر فيه.
-
٢ - ليست الرؤى حججاً شرعية ولا أصلاً من أصول الدين لا سيما إذا كانت مخالفة لنص الكتاب والسنة.
-
إننا نجل هذا الإمام الجليل عن الأخذ بمثل هذه الرؤيا وهو من رجال السنة العظام الناصرين لهذه السنة النبوية المطهرة فلا يعقل البتة أن ينصر مثل هذه الترهات وإن الكذابين والوضاعين يستفيدون من سيرة أمثال هؤلاء الأفذاذ وينسبون إليهم أقوالاً هم بريئون منها ولكن حتى يوهموا العامة أن ما نسب إلى مثل هؤلاء الجبال من العلم صحيح فالعامة ولا شك ليس عندهم الفقه اللازم والعقل الكامل المستنير ليفحصوا مثل هذه الأخبار الملفقة فينظروا إلى من هي معزاة فإن كان عزوها إلى عالم جليل معروف اطمأنوا إليها وأخذوها بالقبول فإذا تقادم عليها العهد فقد يأخذ بها بعض الخاصة أيضاً.
-
وهكذا كان تسرب مثل هذه الأكاذيب إلى الناس وهذا سبيل الكذابين الوضاعين الذي لا يخافون الله.
-
إذاً فالإمام الجليل أبو عيسى الترمذي صاحب السنن بريء من هذه الرؤيا المعزوة إليه إننا نتهم أولئك الكذابين بجريمتهم هذه ونتحداهم أن يأتوا بسند صحيح متصل إلى الإمام الترمذي.
-
إن الله تعالى أنعم على هذه الأمة بأن تولى لها حفظ دينها وأكمله لها وأتم
vol. 1, p. 335عليها به النعمة ورضيه لها ديناً فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً (اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليم\كم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) ٣/المائدة. فلسنا محتاجين بعد هذا إلى رؤى ومنامات تنقض لنا ديننا.
-
وعلى فرض صحة وقوع مثل هذه الرؤيا فصحة وقوعها شيء وصحة ما يترتب عليها من أحكام شيء آخر إلا إذا كانت مؤيدة لما في الكتاب والسنة من إحكام ولا تخالف أصلاً من أصول الدين هناك علماء بتفسير الأحلام يفسرون لمن رأى حلماً لماذا يرمز حلمه ما هنالك وما نحن بتفسير الأحلام بعالمين.
-
قد يكون للشيطان دخل بمثل هذه الرؤى والمنامات فكثيراً ما يدخل الشيطان على ضعاف الأحلام والجهال بأن يتمثل لهم بأشكال مختلفة ويضلهم عن سواء السبيل ولكن الإمام الترمذي الجليل هو أجل من أن تمشي عليه أحابيل الشيطان فلا يعقل أن تدخل عليه مثل هذه المنامات وهو يعلم أنها مخالفة للشرع لأن الله تعالى لا يقبل واسطة أحد بينه وبين خلقه إلا فيما اختار من عباده من الأنبياء والرسل ليكونوا واسطة تبليغ الوحي فقط.
-
إن هذا الدعاء الوارد في هذه الرؤيا الموضوعة تظهر عليه مسحة الصنعة ظاهرة جلية وإن صنعة السجع الظاهرة عليه هي من جملة الأسباب التي كشفت وضع الرؤيا وكذبها فإن ضرورة السجع الذي يلجأ إليها بعض الكذابين في حياكة ألفاظهم وسيلة من الوسائل للتأثير على الأسماع واستحسانها لفظاً فيؤثر هذه الاستحسان اللفظي على استحسانها معنىً وهذا غالباً ما يكون تأثيره على العامة فأما الذين نور الله أبصارهم وبصائرهم يعرفون صحتها من زيفها هم الذين يكشفون هذا الزيف فخذ مثلاً هذه الرؤيا فقد اضطر من حاك ألفاظها أن يجره السجع إلى مخالفة مراتب الأشخاص الواردة أسماؤهم في الرؤيا ... .
-
إنه يقول: (إلهي بحرمة الحسن وأخيه وجده وبنيه وأمه وأبيه) فحتى ينتظم السجع قدم الحسن وأخاه الحسين على جدهما الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم قدم ذرية
vol. 1, p. 336الحسن بالمقام على أمه وأبيه ذلك لضرورة السجع.
-
هذا عدا عن أن الله لا يأمر بشيء في المنام يكون قد حرمه في الدين مما يدل على انكشاف بواطن الوضاعين ومقاصد الكذابين ونوايا الحاقدين حتى يعرف كذبهم وحقدهم.
-
وهكذا فقد خاب فأل هؤلاء الضالين المضلين الذين يختلقون الأكاذيب والأخبار الملفقة وإن عتبنا على أحد فلا نعتب إلا على أمثال الشيخ الدحلان كيف تدخل عليه مثل هذه التلفيقات والترهات والأباطيل لا سيما وهو عالم كبير من علماء مكة فيما مضى من الزمن فيحشو في كتابه كل غث وباطل إلا أن يكون كتابه ((الدرر السنية في الرد على الوهابية) ) ملفقاً عليه أو مدسوساً وإلا فإنه لمسؤول مسؤولية كبرى أمام الله تعالى عما ورد في كتابه جملة وتفصيلاً (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب /٨/آل عمران) .