الدليل الرابع: ((قال الملأ الذين استكبروا ... )) ((الأعراف))

7 paragraphs · vol. 1, p. 32

  1. قوله تعالى حاكياً عن قوم شعيب عليه السلام:
  2. قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين ءآمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ أنجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين * ... الأعراف ٨٨ - ٨٩

    ضاق ذرعاً قوم شعيب بشعيب عليه الصلاة والسلام ويمن آمنوا معه مما يدعوهم من الإيمان بالله تعالى وتوحيده التوحيد الخالص فهذه دوه بالنفي من بلدهم ... !! أو يعود في ملتهم .. ! وهذا شأن ((المستكبرين) ) من كل قوم عندما تقوم عليهم الأدلة الدامغة والحجج البالغة من أنبيائهم أو مصلحيهم ... لا يستطيعون أن يردوا الدليل بالدليل والحجة بالحجة ... فيلجأون إلى الصنف والجور والتهديد بالقتل والنفي من الأرض ... وما إلى ذلك من العناد والمكابرة بالباطل.

    قال شعيب: كيف نعود في ملتكم بعد أن أنقذنا الله منها وذقنا حلاوة الإيمان ولذة اليقين وبرده؟ أنعود إلى دين نحن ندعوكم إلى هجره .. !؟ إذاً قد افترينا على الله كذباً أن أوحى إلينا بأن ندعوكم إلى عبادته، ولا يمكن

    vol. 1, p. 33أن نعود فيها إلا إذا شاء ربنا.

  3. علق شعيب عليه السلام عودته إلى ملتهم على مشيئة الله تعالى ... وهذا تأدب بالغ من شعيب عليه الصلاة والسلام بأن رد المشيئة لله وجده مع علمه الأكيد بأن الله تعالى لن يشاء لهم العودة إلى الكفر بعد إذ هداهم إلى الإيمان وهو أعلم بما سيكون منهم بظهر الغيب.

  4. لجأ شعيب عليه السلام إلى الله بأن رد المشيئة إليه وهو يعلم من يستحق الهداية فيهديه ومن يستحق الضلالة فيضله وسع سبحانه وتعالى كل شيء علماً فالمشيئة صفة له تعالى، والعلم صفة له تبارك وتقدس وقد توسل بهما إلى الله تعالى وتوكل على الله في تثبيته على الحق الذي بعثه به إلى قومه فبعد أن توسل بر المشيئة إليه وبعلمه الذي وسع كل شيء وبالتوكل عليه والتقرب بهذا التمجيد والتعظيم رفع الدعاء إليه تعالى: (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) أي لا يستطيع أحد أن يحول قلوبهم إلى الحق والإيمان والإسلام إلا هو تبارك وتعالى فإن قدر الله إيمانهم وعلم منهم ما سيختارون من الهدى ... فهذا هو المطلوب. وإن كان يعلم منهم أنهم سيظلون في عنتهم وكبريائهم على الحق فدعا أن يحكم بينهم (ربنا افتح علينا بيننا وبين قومنا بالحق) أي افتح علينا بالنصر عليهم وانتقم لنا منهم وعاملهم بما يستحقون (وأنت خير الفاتحين) ، أي وأنت خير من ينصر عباده المؤمنين، على من كفر بك واستكبر عن عبادتك.

  5. وهكذا ... فإنك ترى يا أخي المسلم كيف أن شعيباً عليه الصلاة والسلام لم يدع الله إلا بعد أن توسل إليه تعالى بصفاته العُلى وخمته بها كذلك بقوله: (وأنت خير الفاتحين) فاستجاب الله دعاء نبيه ورسوله شعيب عليه الصلاة والسلام بعد أن ظل قومه على ما هم عليه من الكفر ... فأخبر سبحانه بقوله:

    (وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذا لخاسرون /٩٠/فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين /٩٠/.

  6. فكان جزاؤهم جزاء وفاقاً فكما أنهم توعدوا شعيباً والذين آمنوا معه بالإجلاء عن بلدهم فإن الله تعالى أجلاهم جميعاً إلى حيث لا رجعة فاستأصلهم وأجلاهم إلى جهنم وبئس المصير.

    vol. 1, p. 34
  7. ولا بد للقارئ المستنير إلا أن يخاطب نفسه ويسأل: ما الفائدة من ذكر هذه الأخبار بعد أن مضى عليها آلاف السنين؟ ولكنه سيجيب نفسه بنفسه: إن الله تعالى لا يذكر في قرآنه الكريم شيئاً عبثاً وحاشاه وسبحانه من ذلك إنما ذكر هذه القصة وما ألهم عبده ورسوله شعيباً من التوسل إليه بصفاته ... حتى يعلم أمة محمد كيفية التقرب إليه عند الدعاء ليكون الدعاء مستجاباً ... فقدم لهم هذه الصور من التوسلات بتمجيده، وتعظيمه بأسمائه وصفاته والثناء عليه - وهو كما أثنى على - - حتى يعلمنا ويحضنا على أتباع أنبيائه خير خلقه فيما يتوسلون إليه حتى نعمل مثلما عملوا لنحصل على النتيجة التي نبغيها من الدعاء. وهي الاستجابة والحصول على المطلوب.

    فهل نحن إذا اتبعنا هذى الله وهدى أنبيائه خير ... أم إذا اتبعنا خطوات الشيطان في الزيغ والضلال خير ... ؟!!

    لا ... بل سنتبع ما أمرنا الله به وما هدانا إليه (قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير (١٢١) ) البقرة.