الفصل الرابع في الاختلاف في وجوبه واستحبابه
45 paragraphs · vol. 1, p. 162
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 162
اخْتلف الْفُقَهَاء فَقَالَ الشّعبِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد هُوَ وَاجِب وشدد فِيهِ مَالك حَتَّى قَالَ من لم يختتن لم تجز إِمَامَته وَلم تقبل شَهَادَته وَنقل كثير من الْفُقَهَاء عَن مَالك أَنه سنة حَتَّى قَالَ القَاضِي عِيَاض الاختتان عِنْد مَالك وَعَامة الْعلمَاء سنة وَلَكِن السّنة عِنْدهم يَأْثَم بِتَرْكِهَا فهم يطلقونها على مرتبَة بَين الْفَرْض
vol. 1, p. 163الْفَرْض وَبَين النّدب وَإِلَّا فقد صرح مَالك بِأَنَّهُ لَا تقبل شَهَادَة الأقلف وَلَا تجوز إِمَامَته وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَأَبُو حنيفَة لَا يجب بل هُوَ سنة وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن أبي مُوسَى من أَصْحَاب أَحْمد هُوَ سنة مُؤَكدَة
-
وَنَصّ أَحْمد فِي رِوَايَة أَنه لَا يحب على النِّسَاء وَاحْتج الموجبون لَهُ بِوُجُوه أَحدهَا قَوْله تَعَالَى {ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} النَّحْل ١٢٣ والختان من مِلَّته لما تقدم
-
الْوَجْه الثَّانِي مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج قَالَ أخْبرت عَن عثيم بن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن جده أَنه جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ قد أسلمت قَالَ ألق عَنْك شعر الْكفْر يَقُول احْلق وَأَخْبرنِي آخر مَعَه أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لآخر الق عَنهُ شعر الْكفْر واختتن وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن مخلد بن خَالِد عَن عبد الرَّزَّاق وَحمله على النّدب فِي إِلْقَاء الشّعْر لَا يلْزم مِنْهُ حمله عَلَيْهِ فِي الآخر
-
الْوَجْه الثَّالِث قَالَ حَرْب فِي مسائلة عَن الزُّهْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله
vol. 1, p. 164صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أسلم فليختتن وَإِن كَانَ كَبِيرا وَهَذَا وَإِن كَانَ مُرْسلا فَهُوَ يصلح للاعتضاد
-
الْوَجْه الرَّابِع مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن مُحَمَّد ابْن عَليّ بن حُسَيْن بن عَليّ عَن آبَائِهِ وَاحِدًا بعد وَاحِد عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ وجدنَا فِي قَائِم سيف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الصَّحِيفَة أَن الأقلف لَا يتْرك فِي الاسلام حَتَّى يختتن وَلَو بلغ ثَمَانِينَ سنة قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا حَدِيث ينْفَرد بِهِ أهل الْبَيْت بِهَذَا الاسناد
-
الْوَجْه الْخَامِس مَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من حَدِيث أبي بَرزَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الأغلف لَا يحجّ بَيت الله حَتَّى يختتن وَفِي لفظ سَأَلنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن رجل أقلف يحجّ بَيت الله قَالَ لَا حَتَّى يختتن ثمَّ قَالَ لَا يثبت لِأَن إِسْنَاده مَجْهُول
-
الْوَجْه السَّادِس مَا رَوَاهُ وَكِيع عَن سَالم أبي الْعَلَاء الْمرَادِي عَن عَمْرو ابْن هرم عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الأقلف لَا تقبل لَهُ صَلَاة وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته
-
وَقَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا مُحَمَّد بن عبيد عَن سَالم الْمرَادِي عَن عَمْرو
vol. 1, p. 165ابْن هرم عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف
-
وَقَالَ حَنْبَل فِي مسائلة حَدثنَا أَبُو عمر الحوضي حَدثنَا همام عَن قَتَادَة عَن عِكْرِمَة قَالَ لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف قَالَ وَكَانَ الْحسن لَا يرى مَا قَالَ عِكْرِمَة قَالَ وَقيل لعكرمة أَله حج قَالَ لَا قَالَ حَنْبَل قَالَ أَبُو عبد الله لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ وَلَا حج حَتَّى يطهر وَهُوَ من تَمام الْإِسْلَام قَالَ حَنْبَل وَقَالَ أَبُو عبد الله الأقلف لَا يذبح وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا صَلَاة لَهُ وَقَالَ عبد الله بن أَحْمد حَدثنِي أبي حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن جَابر بن زيد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الأقلف لَا تحل لَهُ صَلَاة وَلَا تُؤْكَل لَهُ ذَبِيحَة وَلَا يجوز لَهُ الشَّهَادَة قَالَ قَتَادَة وَكَانَ الْحسن لَا يرى ذَلِك
-
الْوَجْه السَّابِع أَن الْخِتَان من أظهر الشعائر الَّتِي يفرق بهَا بَين الْمُسلم وَالنَّصْرَانِيّ فوجوبه أظهر من وجوب الْوتر وَزَكَاة الْخَيل وَوُجُوب الْوضُوء على من قهقه فِي صلَاته وَوُجُوب الْوضُوء على من احْتجم أَو تقيأ أَو رعف وَوُجُوب التَّيَمُّم إِلَى الْمرْفقين وَوُجُوب الضربتين على الأَرْض وَغير ذَلِك مِمَّا وجوب الْخِتَان أظهر من وُجُوبه وَأقوى حَتَّى إِن الْمُسلمين لَا يكادون
vol. 1, p. 166يعدون الأقلف مِنْهُم وَلِهَذَا ذهب طَائِفَة من الْفُقَهَاء إِلَى أَن تَكْبِير يجب عَلَيْهِ أَن يختتن وَلَو أدّى الى تلفة كَمَا سَنذكرُهُ فِي الْفَصْل الثَّانِي عشر إِن شَاءَ الله تَعَالَى
-
الْوَجْه الثَّامِن أَنه قطع شرع الله لَا تؤمن من سرايته فَكَانَ وَاجِبا كَقطع يَد السَّارِق
-
الْوَجْه التَّاسِع أَنه لَا يجوز كشف الْعَوْرَة لَهُ لغير ضَرُورَة وَلَا مداواة فَلَو لم يجب لما جَازَ لِأَن الْحَرَام لَا يلْتَزم للمحافظة على الْمسنون
-
الْوَجْه الْعَاشِر أَنه لَا يسْتَغْنى فِيهِ عَن ترك واجبين وارتكاب محظورين أَحدهمَا كشف الْعَوْرَة فِي جَانب المختون وَالنَّظَر الى عَورَة الْأَجْنَبِيّ فِي جَانب الخاتن فَلَو لم يكن وَاجِبا لما كَانَ قد ترك لَهُ واجبان وارتكب محظوران
-
الْوَجْه الْحَادِي عشر مَا احْتج بِهِ الْخطابِيّ قَالَ أما الْخِتَان فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ مَذْكُورا فِي جملَة السّنَن فَإِنَّهُ عِنْد كثير من الْعلمَاء على الْوُجُوب وَذَلِكَ أَنه شعار الدّين وَبِه يعرف الْمُسلم من الْكَافِر وَإِذا وجد المختون بَين جمَاعَة قَتْلَى غير مختونين صلى عَلَيْهِ وَدفن فِي مَقَابِر الْمُسلمين
vol. 1, p. 167الْوَجْه الثَّانِي عشر أَن الْوَلِيّ يؤلم فِيهِ الصَّبِي ويعرضه للتلف بِالسّرَايَةِ وَيخرج من مَاله أُجْرَة الخاتن وَثمن الدَّوَاء وَلَا يضمن سرايته بالتلف وَلَو لم يكن وَاجِبا لما جَازَ ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يجوز إِضَاعَة مَاله وإيلامه الْأَلَم الْبَالِغ وتعريضه للتلف بِفعل مَا لَا يجب فعله بل غَايَته أَن يكون مُسْتَحبا وَهَذَا ظَاهر بِحَمْد الله
-
الْوَجْه الثَّالِث عشر أَنه لَو لم يكن وَاجِبا لما جَازَ للخاتن الْإِقْدَام عَلَيْهِ وَإِن أذن فِيهِ المختون أَو وليه فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ الْإِقْدَام على قطع عُضْو لم يَأْمر الله وَرَسُوله بِقطعِهِ وَلَا أوجب قطعه كَمَا لَو أذن لَهُ فِي قطع أُذُنه أَو إصبعه فَإِنَّهُ لَا يجوز لَهُ ذَلِك وَلَا يسْقط الْإِثْم عَنهُ بِالْإِذْنِ وَفِي سُقُوط الضَّمَان عَنهُ نزاع
-
الْوَجْه الرَّابِع عشر أَن الأقلف معرض لفساد طَهَارَته وَصلَاته فَإِن القلفة تستر الذّكر كُله فيصيبها الْبَوْل وَلَا يُمكن الِاسْتِجْمَار لَهَا فصحة الطَّهَارَة وَالصَّلَاة مَوْقُوفَة على الْخِتَان وَلِهَذَا منع كثير من السّلف وَالْخلف إِمَامَته وَإِن كَانَ مَعْذُورًا فِي نَفسه فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَة من بِهِ سَلس الْبَوْل وَنَحْوه
-
فالمقصود بالختان التَّحَرُّز من احتباس الْبَوْل فِي القلفة فتفسد الطَّهَارَة وَالصَّلَاة وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس فِيمَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَغَيره لَا تقبل لَهُ صَلَاة وَلِهَذَا يسْقط بِالْمَوْتِ لزوَال التَّكْلِيف بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاة
vol. 1, p. 168الْوَجْه الْخَامِس عشر أَنه شعار عباد الصَّلِيب وَعباد النَّار الَّذين تميزوا بِهِ عَن الحنفاء والختان شعار الحنفاء فِي الأَصْل وَلِهَذَا أول من اختتن إِمَام الحنفاء وَصَارَ للختان شعار الحنيفية وَهُوَ مِمَّا توارثه بَنو إِسْمَاعِيل وَبَنُو إِسْرَائِيل عَن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَا يجوز مُوَافقَة عباد الصَّلِيب القلف فِي شعار كفرهم وتثليثهم
-
فصل
-
قَالَ المسقطون لوُجُوبه قد صرحت السّنة بِأَنَّهُ سنة كَمَا فِي حَدِيث شَدَّاد ابْن أَوْس عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد
-
قَالُوا وَقد قرنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالمسنونات دون الْوَاجِبَات وَهِي الاستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط
-
قَالُوا وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ قد أسلم مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم النَّاس
vol. 1, p. 169الْأسود والأبيض والرومي والفارسي والحبشي فَمَا فتش أحدا مِنْهُم أَو مَا بَلغنِي أَنه فتش أحدا مِنْهُم وَقَالَ الإِمَام أَحْمد حَدثنَا الْمُعْتَمِر عَن سلم ابْن أبي الذَّيَّال قَالَ سَمِعت الْحسن يَقُول يَا عجبا لهَذَا الرجل يَعْنِي أَمِير الْبَصْرَة لَقِي أشياخا من أهل كيكر فَقَالَ مَا دينكُمْ قَالُوا مُسلمين فَأمر بهم ففتشوا فوجدوا غير مختونين فختنوا فِي هَذَا الشتَاء وَقد بَلغنِي أَن بَعضهم مَاتَ وَقد أسلم مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرُّومِي والفارسي والحبشي فَمَا فتش أحدا مِنْهُم
-
قَالُوا وَأما استدلالكم بقوله تَعَالَى {ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا} النَّحْل ١٢٣ فالملة هِيَ الحنيفية وَهِي التَّوْحِيد وَلِهَذَا بَينهَا بقوله {حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين}
-
وَقَالَ يُوسُف الصّديق أَنِّي تركت مِلَّة قوم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وهم بِالآخِرَة هم كافرون وَاتَّبَعت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب مَا كَانَ لنا أَن نشْرك بِاللَّه من شَيْء يُوسُف ٣٧ و ٣٨ وَقَالَ تَعَالَى {قل صدق الله فاتبعوا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا وَمَا كَانَ من الْمُشْركين} آل عمرَان ٩٥ فالملة فِي هَذَا كُله هِيَ أصل الايمان من التَّوْحِيد والإنابة إِلَى
vol. 1, p. 170الله وإخلاص الدّين لَهُ وَكَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يعلم أَصْحَابه إِذا أَصْبحُوا أَن يَقُولُوا أَصْبَحْنَا على فطْرَة الْإِسْلَام وَكلمَة الْإِخْلَاص وَدين نَبينَا مُحَمَّد وملة أَبينَا إِبْرَاهِيم حَنِيفا مُسلما وَمَا كَانَ من الْمُشْركين
-
قَالُوا وَلَو دخلت الْأَفْعَال فِي الْملَّة فمتابعته فِيهَا أَن تفعل على الْوَجْه الَّذِي فعله فَإِن كَانَ فعلهَا على سَبِيل الْوُجُوب فاتباعه أَن يَفْعَلهَا كَذَلِك وان كَانَ فعلهَا على وَجه النّدب فاتباعه أَن يَفْعَلهَا على وَجه النّدب فَلَيْسَ مَعكُمْ حِينَئِذٍ إِلَّا مُجَرّد فعل إِبْرَاهِيم وَالْفِعْل هَل هُوَ على الْوُجُوب أَو النّدب فِيهِ النزاع الْمَعْرُوف والأقوى أَنه إِنَّمَا يدل على النّدب إِذا لم يكن بَيَانا لواجب فَمَتَى فَعَلْنَاهُ على وَجه النّدب كُنَّا قد اتبعناه قَالُوا وَأما حَدِيث عثيم ابْن كُلَيْب عَن أَبِيه عَن جده ألق عَنْك شعر الْكفْر واختتن فَابْن جريج قَالَ فِيهِ أخْبرت عَن عثيم بن كُلَيْب قَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي هَذَا الَّذِي قَالَ ابْن جريج فِي هَذَا الْإِسْنَاد أخْبرت عَن عثيم بن كُلَيْب أَنما حَدثهُ ابراهيم بن أبي يحيى فكنى عَن اسْمه وَإِبْرَاهِيم هَذَا مُتَّفق على ضعفه بَين أهل الحَدِيث مَا خلا الشَّافِعِي وَحده قَالُوا وَأما مُرْسل الزُّهْرِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أسلم فليختتن وَأَن كَانَ كَبِيرا فمرسيل الزُّهْرِيّ عِنْدهم من أَضْعَف الْمَرَاسِيل لَا تصلح للاحتجاج. .
- vol. 1, p. 171
قَالَ ابْن أبي حَاتِم حَدثنَا أَحْمد بن سِنَان قَالَ مَكَان يحيى بن سعيد الْقطَّان لَا يرى إرْسَال الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة شَيْئا وَيَقُول هُوَ بِمَنْزِلَة الرّيح وقرىء على عَبَّاس الدوري عَن يحيى بن معِين قَالَ مَرَاسِيل الزُّهْرِيّ لَيست بِشَيْء قَالُوا وَأما حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن آبَائِهِ فَحَدِيث لَا يعرف وَلم يروه أهل الحَدِيث ومخرجه من هَذَا الْوَجْه وَحده تفرد بِهِ مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن آبَائِهِ بِهَذَا السَّنَد فَهُوَ نَظِير أَمْثَاله من الْأَحَادِيث الَّتِي تفرد بهَا غير الْحفاظ المعروفين بِحمْل الحَدِيث قَالُوا وَأما حَدِيث أبي بَرزَة فَقَالَ ابْن الْمُنْذر حَدثنَا يحيى بن مُحَمَّد حَدثنَا أَحْمد بن يُونُس حَدَّثتنَا أم الْأسود عَن منية عَن جدها أبي بَرزَة فَذكره قَالَ ابْن الْمُنْذر هَذَا إِسْنَاد مَجْهُول لَا يثبت قَالُوا وَأما استدلالكم بقول ابْن عَبَّاس الأقلف لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته وَلَا تقبل لَهُ صَلَاة فَقَوْل صَحَابِيّ تفرد بِهِ
-
قَالَ أَحْمد وَكَانَ يشدد فِيهِ وَقد خَالفه الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره وَأما قَوْلكُم إِنَّه من الشعائر صَحِيح لَا نزاع فِيهِ وَلَكِن لَيْسَ كل مَا كَانَ من الشعائر يكون وَاجِبا فالشعائر منقسمة إِلَى وَاجِب كالصلوات الْخمس وَالْحج وَالصِّيَام وَالْوُضُوء وَإِلَى مُسْتَحبّ كالتلبية وسوق الْهَدْي
vol. 1, p. 172وتقليده وَإِلَى مُخْتَلف فِيهِ كالأذان وَالْعِيدَيْنِ وَالْأُضْحِيَّة والختان فَمن أَيْن لكم أَن هَذَا من قسم الشعائر الْوَاجِبَة
-
وَأما قَوْلكُم أَنه قطع شرع الله لَا تؤمن سرايته فَكَانَ وَاجِبا كَقطع يَد السَّارِق من أبرد الأقيسة فَأَيْنَ الْخِتَان من قطع يَد اللص فيا بعد مَا بَينهمَا وَلَقَد أبعد النجعة من قَاس أَحدهمَا على الآخر فالختان إكرام المختون وَقطع يَد السَّارِق عُقُوبَة لَهُ وَأَيْنَ بَاب الْعُقُوبَات من أَبْوَاب الطهارات والتنظيف
-
وَأما قَوْلكُم يجوز كشف الْعَوْرَة لَهُ لغير ضَرُورَة وَلَا مداواة فَكَانَ وَاجِبا لَا يلْزم من جَوَاز كشف الْعَوْرَة وُجُوبه فَإِنَّهُ يجوز كشفها لغير الْوَاجِب إِجْمَاعًا كَمَا يكْشف لنظر الطَّبِيب ومعالجته وَإِن جَازَ ترك المعالجة وَأَيْضًا فَوجه الْمَرْأَة عَورَة فِي النّظر وَيجوز لَهَا كشفه فِي الْمُعَامَلَة الَّتِي لَا يجب ولتحمل الشَّهَادَة عَلَيْهَا حَيْثُ لَا تجب وَأَيْضًا فَإِنَّهُم جوزوا لغاسل الْمَيِّت حلق عانته وَذَلِكَ يسْتَلْزم كشف الْعَوْرَة أَو لمسها لغير وَاجِب
-
وَأما قَوْلكُم إِن بِهِ يعرف الْمُسلم من الْكَافِر حَتَّى إِذا وجد المختون بَين جمَاعَة قَتْلَى غير مختونين صلي عَلَيْهِ دونهم لَيْسَ كَذَلِك فَإِن بعض الْكفَّار يختتنون وهم الْيَهُود فالختان لَا يُمَيّز بَين الْمُسلم وَالْكَافِر إِلَّا إِذا كَانَ فِي مَحل لَا يختتن فِيهِ إِلَّا الْمُسلمُونَ وَحِينَئِذٍ فَيكون فرقا بَين الْمُسلم وَالْكَافِر وَلَا
vol. 1, p. 173يلْزم من ذَلِك وُجُوبه كَمَا لَا يلْزم وجوب سَائِر مَا يفرق بَين الْمُسلم وَالْكَافِر
-
وَأما قَوْلكُم إِن الْوَلِيّ يؤلم فِيهِ الصَّبِي ويعرضه للتلف بِالسّرَايَةِ وَيخرج من مَاله أُجْرَة الخاتن وَثمن الدَّوَاء فَهَذَا لَا يدل على وُجُوبه كَمَا يؤلمه بِضَرْب التَّأْدِيب لمصلحته وَيخرج من مَاله أُجْرَة الْمُؤَدب والمعلم وكما يضحى عَنهُ
-
قَالَ الْخلال بَاب الْأُضْحِية عَن الْيَتِيم أَخْبرنِي حَرْب بن اسماعيل قَالَ قلت لِأَحْمَد يضحى عَن الْيَتِيم قَالَ نعم إِذا كَانَ لَهُ مَال وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد النَّيْسَابُورِي سَمِعت أَبَا عبد الله يسئل عَن وَصِيّ يتيمة يَشْتَرِي لَهَا أضْحِية قَالَ لَهَا مَال قَالَ نعم قَالَ يَشْتَرِي لَهَا قَوْله لَو لم يكن وَاجِبا لما جَازَ للخاتن الْإِقْدَام عَلَيْهِ إِلَى آخِره ينْتَقض بإقدامه على قطع السّلْعَة والعضو التَّالِف وَقلع السن وَقطع الْعُرُوق وشق الْجلد للحجامة والتشريط فَيجوز الْإِقْدَام على مَا يُبَاح للرجل قطعه فضلا عَمَّا يسْتَحبّ لَهُ وَيسن وَفِيه مصلحَة ظَاهِرَة
-
وقولكم إِن الأقلف معرض لفساد طَهَارَته وَصلَاته فَهَذَا إِنَّمَا يلام عَلَيْهِ إِذا كَانَ بِاخْتِيَارِهِ وَمَا خرج عَن اخْتِيَاره وَقدرته وَلم يلم عَلَيْهِ وَلم تفْسد طَهَارَته كسلس الْبَوْل والرعاف وسلس الْمَذْي فَإِذا فعل مَا يقدر عَلَيْهِ من الِاسْتِجْمَار والاستنجاء لم يُؤَاخذ بِمَا عجز عَنهُ
vol. 1, p. 174قَوْلكُم إِنَّه من شعار عباد الصلبان وَعباد النيرَان فموافقتهم فِيهِ مُوَافقَة فِي شعار دينهم جَوَابه أَنهم لم يتميزوا عَن الحنفاء بِمُجَرَّد ترك الْخِتَان وَإِنَّمَا امتازوا بِمَجْمُوع مَا هم عَلَيْهِ من الدّين الْبَاطِل وموافقة الْمُسلم فِي ترك الْخِتَان لَا يسْتَلْزم موافقتهم فِي شعار دينهم الَّذِي امتازوا بِهِ عَن الحنفاء
-
قَالَ الموجبون الْخِتَان علم الحنيفية وشعار الْإِسْلَام وَرَأس الْفطْرَة وعنوان الْملَّة وَإِذا كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد قَالَ من لم يَأْخُذ شار بِهِ فَلَيْسَ منا فَكيف من عطل الْخِتَان وَرَضي بشعار القلف عباد الصلبان وَمن أظهر مَا يفرق بَين عباد الصلبان وَعباد الرَّحْمَن الْخِتَان وَعَلِيهِ اسْتمرّ عمل الحنفاء من عهد إمَامهمْ إِبْرَاهِيم إِلَى عهد خَاتم الْأَنْبِيَاء فَبعث بتكميل الحنيفية وتقريرها لَا بتحويلها وتغيرها
-
وَلما أَمر الله بِهِ خَلِيله وَعلم أَن أمره المطاع وَإنَّهُ لَا يجوز أَن يعطل ويضاع بَادر إِلَى امْتِثَال مَا أَمر بِهِ الْحَيّ القيوم وختن نَفسه بالقدوم مبادرة إِلَى الِامْتِثَال وَطَاعَة لذِي الْعِزَّة والجلال وَجعله فطْرَة بَاقِيَة فِي عقبَة إِلَى أَن يَرث الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَلذَلِك دَعَا جَمِيع الْأَنْبِيَاء من ذُريَّته أممهم إِلَيْهَا حَتَّى عبد الله وَرَسُوله وكلمته ابْن الْعَذْرَاء البتول فَإِنَّهُ اختتن مُتَابعَة لإِبْرَاهِيم
vol. 1, p. 175الْخَلِيل وَالنَّصَارَى تقر بذلك وتعترف أَنه من أَحْكَام الْإِنْجِيل وَلَكِن اتبعُوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وَضَلُّوا عَن سَوَاء السَّبِيل
-
حَتَّى لقد أذن عَالم أهل بَيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عبد الله بن عَبَّاس أذانا سَمعه الْخَاص وَالْعَام أَن من لم يختتن فَلَا صَلَاة لَهُ وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَته فَأخْرجهُ من جملَة أهل الْإِسْلَام وَمثل هَذَا لَا يُقَال لتارك أَمر هُوَ بَين تَركه وَفعله بِالْخِيَارِ وَإِنَّمَا يُقَال لما علم وُجُوبه علما يقرب من الِاضْطِرَار وَيَكْفِي فِي وُجُوبه أَنه رَأس خِصَال الحنيفية الَّتِي فطر الله عباده عَلَيْهَا ودعت جَمِيع الرُّسُل إِلَيْهَا فتاركه خَارج عَن الْفطْرَة الَّتِي بعث الله رسله بتكميلها وَمَوْضِع فِي تعطيلها مُؤخر لما اسْتحق التَّقْدِيم رَاغِب فِي مِلَّة أَبِيه إِبْرَاهِيم {وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه وَلَقَد اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين} الْبَقَرَة ١٣١ - ١٣٢ فَكَمَا أَن الْإِسْلَام رَأس الْملَّة الحنيفية وقوامها فالاستسلام لأَمره كمالها وتمامها
-
فصل
-
وَأما قَوْله فِي الحَدِيث الْخِتَان سنة للرِّجَال مكرمَة للنِّسَاء فَهَذَا حَدِيث يرْوى عَن ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد ضَعِيف وَالْمَحْفُوظ أَنه مَوْقُوف عَلَيْهِ ويروى أَيْضا عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة وَهُوَ مِمَّن لَا يحْتَج بِهِ عَن أبي الْمليح
vol. 1, p. 176ابْن أُسَامَة عَن أَبِيه عَنهُ وَعَن مَكْحُول عَن أبي أَيُّوب عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكره ذكر ذَلِك كُله الْبَيْهَقِيّ ثمَّ سَاق عَن ابْن عَبَّاس أَنه لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الأقلف وَلَا تقبل صلَاته وَلَا تجوز شَهَادَته ثمَّ قَالَ وَهَذَا يدل على أَنه كَانَ يُوجِبهُ وَأَن قَوْله الْخِتَان سنة أَرَادَ بِهِ سنة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة وَأمر بِهِ فَيكون وَاجِبا انْتهى
-
وَالسّنة هِيَ الطَّرِيقَة يُقَال سننت لَهُ كَذَا أَي شرعت فَقَوله الْخِتَان سنة للرِّجَال أَي مَشْرُوع لَهُم لَا أَنه ندب غير وَاجِب فَالسنة هِيَ الطَّرِيقَة المتبعة وجوبا واستحبابا لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني وَقَوله عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين من بعدِي
-
وَقَالَ ابْن عَبَّاس من خَالف السّنة كفر وَتَخْصِيص السّنة بِمَا يجوز تَركه اصْطِلَاح حَادث وَإِلَّا فَالسنة مَا سنه رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأمته من وَاجِب
vol. 1, p. 177ومستحب فَالسنة هِيَ الطَّرِيقَة وَهِي الشَّرِيعَة والمنهاج والسبيل
-
وَأما قَوْلكُم إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قرنه بالمسنونات فدلالة الاقتران لَا تقوى على مُعَارضَة أَدِلَّة الْوُجُوب ثمَّ إِن الْخِصَال الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث مِنْهَا مَا هُوَ وَاجِب كالمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق والاستنجاء وَمِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحبّ كالسواك وَأما تقليم الْأَظْفَار فَإِن الظفر إِذا طَال جدا بِحَيْثُ يجْتَمع تَحْتَهُ الْوَسخ وَجب تقليمه لصِحَّة الطَّهَارَة وَأما قصّ الشَّارِب فالدليل يقتضى وُجُوبه إِذا طَال وَهَذَا الَّذِي يتَعَيَّن القَوْل بِهِ لأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِهِ وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من لم يَأْخُذ شَاربه فَلَيْسَ منا