مسألة - ٢ - [تعقب الجمل بالاستثناء]
2 paragraphs · vol. 1, p. 379
- vol. 1, p. 379
الاستثناء إذا تعقب جملا نسق بعضها على بعض رجع إلى جميع الجمل عند الشافعي رضي الله عنه وأصحابه ولا يختص بالجملة الأخيرة مثاله أن يقول وقفت داري هذه على بني فلان وخاني هذا على بني فلان إلا الفساق منهم واحتجوا في ذلك بأمور ثلاثة أحدها أن الإجماع منعقد على الإنسان إذ قال لفلان علي خمسة وخمسة إلا سبعة أنه يكون مقرا بثلاثة ولو كان الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة لكان مقرا بعشرة لأن الاستثناء حينئذ يختص بالخمسة الثانية ويكون استثناء مستغرقا بل زائد عليه والإستثناء المستغرق باطل وحيث اتفقنا على أنه يكون إقرارا بثلاثة دل أنه انعطف على جميع الجمل
vol. 1, p. 380الثاني أنا أجمعنا على أن الاستثناء المعلق بمشيئة الله تعالى والمقيد بالشرط يرجع إلى جميع الجمل كقول القائل نساؤه طوالق وعبيده أحرار وأمواله صدقة إن شاء الله فإنه يرجع إلى الجميع حتى لا يقع شيء من الأحكام وكذا إذا قال عبيده أحرار ونساؤه طوالق إن دخلوا الدار فإن هذا الشرط يرجع إلى الجميع ولا يقتصر على واحدة من الجملتين الثالث أن الجمل التي سبقت الجملة الأخيرة لا يخلو أما أن يقال إنها منقطعة عن الجملة الأخيرة كالمسكوت عنها أو هي مرتبطة بالجملة الأخيرة إن قيل إنها كالمنقطعة المسكوت عنها فالاستثناء إذا تعقب كلاما منقطعا مسكوتا عنه كان لغوا منقطعا فإنه لو قال له علي عشرة وسكت ثم قال إلا خمسة لم يعد ذلك استثناء ولا عبرة به وفي مسألتنا بحسن أن نعيد الاستثناء إلى الجمل السابقة ولا نعد ذلك لغوا ولا استثناء منقطعا ولو كانت كالمسكوت عنها لما حسن
vol. 1, p. 381إعادة الاستثناء إليها وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه وأصحابه إلى أن الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة دون ما قبلها من الجمل واحتجوا في ذلك بأمور ثلاثة أحدهما أن الاستثناء لو كان يرجع إلى جميع الجمل وجب أن يكون الاستثناء من الاستثناء راجعا إلى الجملتين جميعا الاستثناء والمستثنى منه وقد اتفقنا على أنه لو قال له علي عشرة إلا خمسة إلا درهما كان هذا الاستثناء راجعا إلى الاستثناء الذي تقدمه لا إلى المستثنى منه فليكن في مسألتنا مثله الثاني أنهم قالوا رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة مستيقن ورجوعه إلى ما قبلها من الجمل محتمل مشكوك فيه فلا يثبت بالشك والاحتمال الثالث أنا لو قلنا يرجع الاستثناء إلى جميع الجمل أدى
vol. 1, p. 382ذلك إلى اجتماع عاملين في معمول واحد والعاملان لا يجوز اجتماعهما على معمول واحد أما الدليل على أنه لا يجوز اجتماع عاملين في معمول واحد هو انا لو قدرنا اجتماع ناصبين لمنصوب واحد فلو قدر انعدام أحدهما فإنما ينعدم بضده وهو الرفع أو الجر أدى ذلك إلى أن يصير الشيء الواحد منصوبا مرفوعا في حالة واحدة وذلك محال وهذا ينزع إلى قاعدة عقلية وذلك أن المتكلمين قالوا لا يجوز اجتماع سوادين أو بياضين في محل واحد لأنا لو قدرنا اجتماعهما وقدرنا انعدام أحدهما فإنما ينعدم أحد الضدين بطريان الآخر فيفضي ذلك إلى اجتماع السوادين والبياضين في المحل الواحد وذلك محال وأما الدليل على إفضائه إلى اجتماع عاملين في معمول واحد هو أن العامل فيما بعد إلا هو ما قبل إلا بواسطة إلا لأنها قوت الفعل فأوصلته إلى ما بعدها فإذا قلنا إن الاستثناء يرجع إلى الجمل كلها احتجنا أن نعمل
vol. 1, p. 383كل واحدة فيما بعد إلا فيجتمع في معمول واحد عاملان ثم قد يكون أحدهما نصبا كما في قوله تعالى ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا﴾ وقوله ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ رفع فيمتنع الرفع والنصب في المحل الواحد وهذا ما ذكروه مذهب سيبويه وقد ذهب أبو العباس المبرد إلى أن العامل في الاستثناء هو إلا بتقدير أستثني زيدا فعلى هذا لا يؤدي إلى اجتماع عاملين ويتفرع عن هذا الأصل أن المحدود في القذف إذا ناب قبلت شهادته عند الشافعي رضي الله عنه لأن الاستثناء في قوله تعالى ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة﴾
- vol. 1, p. 384
﴿أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا﴾ يرجع إلى جميع الجمل فيرتفع رد الشهادة كما أرتفع الفسق فإن قيل لو عاد إلى جميع الجمل لسقط الحد بالتوبة فإنه منها قلنا سقط على أحد قولي الشافعي رضي الله عنه وعلى التسليم إنما لم يسقط الحد بالتوبة لأن المغلب فيه حق الآدمي فلا يسقط إلا باستيفائه لا لخلل في اقتضاء الصيغة