مسألة - ١ - [صفة الطهارة]

1 paragraph · vol. 1, p. 38

  1. ذهب الشافعي رضي الله عنه وجماهير أهل السنة إلى أن الطهارة والنجاسة وسائر المعاني الشرعية كالرق والملك والعتق والحرية وسائر الأحكام الشرعية ككون المحل طاهرا أو نجسا وكون الشخص حرا أو مملوكا مرقوقا ليست من صفات الأعيان المنسوبة إليها بل أثبتها الله تحكما وتعبدا غير معللة لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه لا يسال عما يفعل وهم يسألون ولا تصل آراؤنا الكليلة وعقولنا الضعيفة وأفكارنا القاصرة إلى الوقوف على حقائقها وما يتعلق بها من مصالح العباد فذلك حاصل ضمنا

    vol. 1, p. 39وتبعا لا أصلا ومقصودا إذ ليست المصلحة واجبة الحصول في حكمه واحتج في ذلك بأن الله تعالى إذا جاز أن يعاقب الكافر على كفره والفاسق على فسقه ولا مصلحة لأحد فيه جاز أن يشرع الشرائع وإن تعلق بها مفسدة ولا يتعلق بها مصلحة لأحد ولذلك الله تعالى كلف الإنسان ما ليس في وسعه فقال تعالى ﴿فأتوا بعشر سور مثله مفتريات﴾ ﴿فأتوا بسورة مثله﴾ وقال للملائكة ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ وكل ذلك تكليف للإنسان ما ليس في وسعه وذلك ضرر لا مصلحة فيه وسر هذه القاعدة أن الله تعالى مالك الملك وخالق الخلق

    vol. 1, p. 40يتصرف في عباده كيف يشاء ولا كذلك الواحد منا فإنه إذا أضر بغيره كان متصرفا في ملك الغير بالضرر وذلك ظلم وعدوان وذهب المنتمون إلى أبي حنيفة رضي الله عنه من علماء الأصول إلى أن الأحكام الشرعية صفات للمحال والأعيان المنسوبة إليها أثبتها الله تعالى وشرعها معللة بمصالح العباد لا غير كما أن الحسن والقبح والوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة من صفات الأفعال التي تضاف إليها غير أنهم قسموا أحكام الأفعال إلى ما يعرف بمجرد العقل والى ما يعرف بأدلة الشرع على ما سيأتي أما أحكام الأعيان فقد اتفقوا على أنها كلها تعرف بأدلة شرعية ولا تعرف بمجرد العقل وأنها كلها تثبت بإثبات الله تعالى

    vol. 1, p. 41واحتجوا في ذلك بقياس الشاهد على الغائب بناء على قاعدة التحسين والتقبيح وزعموا أن شرع الحكم لا لمصلحة عبث وسفه والعبث قبيح عقلا وهو كإقدام الرجل اللبيب على كيل الماء من بحر إلى بحر فإنه يقبح منه ذلك ويستحق الذم عليه وإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول الشافعي رضي الله عنه حيث رأى أن التعبد في الأحكام هو الأصل غلب احتمال التعبد وبني مسائله في الفروع عليه وأبو حنيفة رضي الله عنه حيث رأى أن التعليل هو الأصل بنى مسائله في الفروع عليه فتفرع عن الأصلين المذكورين مسائل منها أن الماء يتعين لإزالة النجاسة عند الشافعي رضي الله عنه ولا يلحق غيره به تغليبا للتعبد وقال أبو حنيفة رضي الله عنه يلحق به كل مائع طاهر مزيل للعين والأثر تغليبا للتعليل

    vol. 1, p. 42ومنها أن الماء المتغير بالطاهرات كالزعفران والأشنان إذا تفاحش تغيره لم يجز التوضي به عند الشافعي رضي الله عنه بناء على الأصل المذكور فإنه تعبد باستعمال الماء بالاتفاق والميع اسم الماء وهذا لا يندرج تحت اسم المطلق ومنها أن التوضي بنبيذ التمر عند عدم الماء في السفر ممتنع عندنا وعنده جائز

    vol. 1, p. 43ومنها أن جلد الكلب لا يطهر بالدباغ عند الشافعي رضي الله عنه تغليبا للتعبد بترجيح الاجتناب على الإقتراب وعندهم يطهر تشوقا إلى التعليل ومنها أن ذكاة ما لا يؤكل لحمه لا يفيد طهارة الجلد عندنا مراعاة للتعبد كما في ذكاة المجوس ونجاسة اللحم من هذا الذبيح وعندهم يطهر تشوقا إلى تعليل الطهارة بسفح الدم والرطوبات المتعفنة

    vol. 1, p. 44ومنها أنه يتعين لفظة التكبير في افتتاح الصلاة عندنا ولا يقوم ما في معناها مقامها ويتعين لفظة التسليم في اختتامها ولا يقوم ما في معناها مقامها وعنده يقوم ومنها أن غير الفاتحة لا يقوم مقامها في الصلاة عندنا لاحتمال التعبد بالإعجاز اللفظي والمعنوي وعنده يقوم مقامها تعويلا على المعنى

    vol. 1, p. 45ومنها أنه يمتنع الإبدال في باب الزكوات ولا يجزئ إخراج القيم عندنا لظهور احتمال التعبد بالتشريك بين الفقراء والأغنياء في جنس المال وعندهم يجزئ ومنها أن تخليل الخمر حرام والخل الحاصل منه نجس عندنا تغليضا للأمر فيها

    vol. 1, p. 46وعندهم جائز والخل الحاصل منه طاهر تعليلا بزوال علة النجاسة كما في الدباغ ومنها أن التغذية والتعشية في الكفارات لا تجزئ عندنا بل يجب صرف الطعام إلى المساكين ومنها انه يجب استيعاب العدد عندنا وصرف الطعام إلى المساكين وعندهم يجوز صرفه إلى مسكين واحد ستون يوما أو عشرة أيام في كفارة اليمين

    vol. 1, p. 38