وشرعها وقال وعلى هذا يخرج وجوب معرفة الله تعالى هل هي واجبة
100 paragraphs · vol. 1, p. 734
Page 1 of 3
- vol. 1, p. 734
قَالَ أَبُو الْفرج الشِّيرَازِيّ فِي كِتَابه " جَامع الْأَنْوَار لتوحيد الْملك الْجَبَّار " : (قَالَ أهل السّنة جَمِيعًا: وَجَبت معرفَة الْبَارِي بِالشَّرْعِ دون الْعقل، وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: وَجَبت بِالْعقلِ دون الشَّرْع، وَقَالَت الأشعرية: بِالْعقلِ وَالشَّرْع) انْتهى.
قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا} [الْإِسْرَاء: ١٥] : (فِي هَذَا دَلِيل على أَن معرفَة الله تَعَالَى لَا تجب عقلا، وَإِنَّمَا تجب بِالشَّرْعِ، وَهُوَ بعثة الرُّسُل) .
-
وَاحْتج أَيْضا بقول أَحْمد: (لَيْسَ فِي السّنة قِيَاس، وَلَا تضرب لَهَا الْأَمْثَال، وَلَا تدْرك بالعقول، وَإِنَّمَا هُوَ الِاتِّبَاع) .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (لَيْسَ فِي هَذَا الْكَلَام مَا يَنْفِي وجوب الْمعرفَة وَلَا التفكر قبل الرسَالَة، وَإِنَّمَا فِيهِ: أَن مخبرات الرَّسُول لَا تقف على الْعُقُول، خلافًا للمعتزلة) انْتهى.
وَقَالَ أَبُو الْخطاب: (إِن صحت هَذِه الرِّوَايَة، فَالْمُرَاد بهَا: الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الَّتِي سنّهَا الرَّسُول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وشرعها) .
وَقَالَ: (وعَلى هَذَا يخرج وجوب معرفَة الله تَعَالَى، هَل هِيَ وَاجِبَة
vol. 1, p. 735بِالشَّرْعِ، حَتَّى لَو لم ترد لم يلْزم أحدا أَن يُؤمن بِاللَّه، وَلَا يعْتَرف بوحدانيته، وبوجوب شكره، أم لَا؟
-
فَمن قَالَ: تجب بِالشَّرْعِ، يَقُول: لَا يلْزم شَيْء من ذَلِك لَو لم يرد الشَّرْع.
-
وَمن قَالَ [بِالْأولِ] ، قَالَ: يجب على كل حَال الْإِيمَان بِاللَّه وَالشُّكْر لَهُ) انْتهى.
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: تجب معرفَة الله بِالْعقلِ، نَقله الشِّيرَازِيّ عَنْهُم فِي " التَّبْصِرَة " ، وَغَيره، وَتقدم كَلَام أبي الْخطاب قبل هَذَا.
قَالَ فِي " شرح الْمَقَاصِد " : (عِنْد الْمُعْتَزلَة: تجب معرفَة الله بِالْعقلِ؛ لِأَنَّهَا دافعة للضَّرَر المظنون، وَهُوَ خوف الْعقَاب فِي الْآخِرَة، حَيْثُ أخبر جمع كثير بذلك، وكل مَا يدْفع الضَّرَر المظنون، بل الْمَشْكُوك وَاجِب عقلا.
-
واحتجت أَيْضا على أَن وجوب النّظر فِي المعجزة، والمعرفة، وَسَائِر مَا يُؤَدِّي إِلَى ثُبُوت الشَّرْع عَقْلِي: بِأَنَّهُ لَو لم يجب إِلَّا بِالشَّرْعِ لزم إفحام الْأَنْبِيَاء، فَلم يكن للبعثة فَائِدَة، وبطلانه ظَاهر، وَوجه اللُّزُوم: أَن النَّبِي إِذا قَالَ للمكلف: انْظُر فِي معجزتي حَتَّى يظْهر لَك صدق دعواي، فَلهُ أَن
vol. 1, p. 736يَقُول: لَا أنظر مَا لم يجب عَليّ، فَلَا يكون للنَّبِي إِلْزَامه النّظر، لِأَنَّهُ إِلْزَام على غير الْوَاجِب، وَهُوَ المعني بالإفحام.
-
وَأجِيب: بِأَنَّهُ مُشْتَرك الْإِلْزَام، وَحَقِيقَته: إلجاء الْخصم إِلَى الِاعْتِرَاف بنقيض دَلِيله إِجْمَالا، حَيْثُ دلّ على نفي مَا هُوَ الْحق عِنْده على صُورَة النزاع.
-
وَتَقْرِيره: أَن للمكلف أَن يَقُول: لَا أنظر مَا لم يجب عقلا، وَلَا يجب عقلا مَا لم أنظر، لِأَن وُجُوبه نَظَرِي يفْتَقر إِلَى تَرْتِيب الْمُقدمَات وَتَحْقِيق أَن النّظر يُفِيد الْعلم) .
-
وَقيل: يجب بهما مَعًا، ذكره أَبُو الْفرج الشِّيرَازِيّ فِي " التَّبْصِرَة " جمعا بَين الْأَدِلَّة، وَحَكَاهُ فِي كِتَابه " جَامع الْأَنْوَار " عَن الْأَشْعَرِيّ.
-
قَوْله: {وَهِي أول وَاجِب لنَفسِهِ عِنْد الْأَكْثَر، وَقَالَ الْأُسْتَاذ، وَالْقَاضِي، وَابْن حمدَان، وَابْن مُفْلِح، وَجمع: يجب قبلهَا النّظر، فَهُوَ أول وَاجِب لغيره، وَابْن عبد السَّلَام: [إِن شكّ] ، وَأَبُو هَاشم: الشَّك، والباقلاني:
vol. 1, p. 737أول النّظر، والتميمي، وَابْن فورك، وَأَبُو الْمَعَالِي: قَصده} .
-
حَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوب الْمعرفَة، فَهِيَ أول وَاجِب على الْمُكَلف عِنْد الْأَشْعَرِيّ، وَمن تَابعه من أَصْحَابه، لكَونهَا مبدأ الْوَاجِبَات.
وَقَالَ الْأُسْتَاذ وَالْجَمَاعَة مَعَه: إِن أول وَاجِب: النّظر فِي معرفَة الله تَعَالَى، لكَونه الْمُقدمَة.
vol. 1, p. 738وَقَالَ ابْن عبد السَّلَام: إِنَّمَا يجب النّظر إِذا حصل شكّ، وَإِلَّا الْمعرفَة.
وَقَالَ أَبُو هَاشم: أول الْوَاجِبَات الشَّك، لتوقف الْقَصْد إِلَى النّظر عَلَيْهِ، إِذْ لابد من فهم الطَّرفَيْنِ وَالنِّسْبَة، مَعَ عدم اعْتِقَاد الْمَطْلُوب أَو نقيضه. ورد بِوَجْهَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن الشَّك لَيْسَ بمقدور لكَونه من الكيفيات: كَالْعلمِ، وَإِنَّمَا الْمَقْدُور تَحْصِيله أَو استدامته، بِأَن يحصل تصور الطَّرفَيْنِ، وَينزل النّظر فِي النِّسْبَة، وَلَا شَيْء مِنْهَا بمقدمة.
-
وَثَانِيهمَا: أَن وجوب النّظر والمعرفة مُقَيّد بِالشَّكِّ، لِأَنَّهُ لَا إِمْكَان للنَّظَر بِدُونِهِ، فضلا عَن الْوُجُوب، فَهُوَ لَا يكون مُقَدّمَة للْوَاجِب الْمُطلق بل للمقيد بِهِ: كالنصاب لِلزَّكَاةِ والاستطاعة لِلْحَجِّ، فَلَا يجب تَحْصِيله.
-
وَقَول التَّمِيمِي وَغَيره: يجب قصد النّظر، وَذَلِكَ لتوقف النّظر عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي " شرح الْمَقَاصِد " : (وَالْحق أَنه إِن أُرِيد أول الْوَاجِبَات الْمَقْصُودَة بِالذَّاتِ فَهُوَ الْمعرفَة، وَإِن أُرِيد الْأَعَمّ فَهُوَ الْقَصْد إِلَى النّظر، لَكِن مبناه على وجوب مُقَدّمَة الْوَاجِب الْمُطلق، وَفِيه مَا فِيهِ) انْتهى.
- vol. 1, p. 739
قَوْله: {وَلَا يقعان ضَرُورَة} .
-
أَي: النّظر والمعرفة، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح، وَقدمه ابْن مُفْلِح فِي " فروعه " ، فِي بَاب الْمُرْتَد، وَابْن حمدَان فِي " نِهَايَة الْمُبْتَدِئ " ، وَغَيرهمَا، وَقَالَهُ القَاضِي وَغَيره، بل هما كسبيان، وَتعلق القَاضِي وَغَيره بقول أَحْمد: (معرفَة الله تَعَالَى كسبية) .
قَالَ فِي " نِهَايَة المبتدئين " : (وَالنَّظَر والمعرفة اكْتِسَاب، وَقد يوهبان لمن أَرَادَ الله تَعَالَى هداه، وَلَا يقعان ضَرُورَة) .
-
{وَقيل: بلَى} .
-
أَي: يقعان ضَرُورَة، قَالَه جمع من أَصْحَابنَا، وَغَيرهم، فَلَا يتَوَصَّل إِلَيْهِمَا بأدلة الْعقل.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (أَرَادوا الْمعرفَة الفطرية) كمعرفة إِبْلِيس، لَا الْمعرفَة الإيمانية) .
vol. 1, p. 740قَالَ ابْن عقيل: (قَالَ أهل التَّحْقِيق: لَا يَتَأَتَّى أَنه مُطِيع فِي نظره، لِأَنَّهُ لَا تصح طَاعَة من لَا يعرف، وَلَا معرفَة لمن لم ينظر) .
-
قَوْله: {تَنْبِيه: قَالَ الرَّازِيّ لَا فرق بَين الشُّكْر وَمَعْرِفَة الله تَعَالَى عقلا، والأرموي: متلازمان، والمعتزلة: هُوَ فرعها} .
قَالَ الرَّازِيّ: (لَا فرق بَين الشُّكْر وَمَعْرِفَة الله عقلا، فَمن أوجب الشُّكْر عقلا أوجب الْمعرفَة، وَمن لَا فَلَا) .
قَالَ الجوبني: (هُوَ عِنْدهم من النظريات لَا من الضروريات) .
وَقَالَ الأرموي فِي " الْحَاصِل " : (هما متلازمان) .
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة: الشُّكْر فرع الْمعرفَة، فعندهم: لَيْسَ الشُّكْر معرفَة الله تَعَالَى؛ لِأَن الشُّكْر فرعها، بل: إتعاب النَّفس بِفعل المستحبات الْعَقْلِيَّة الصرفة: كالنظر إِلَى مصنوعاته، والسمع إِلَى الْآيَات، والذهن إِلَى فهم مَعَانِيهَا، [والمآل] إِلَى أَسبَاب الْبَقَاء مُدَّة الْعُمر، وعَلى هَذَا الْقيَاس.
-
فَعِنْدَ الْمُعْتَزلَة وَمن وافقهم: مدرك وجوب هَذَا الشُّكْر عَقْلِي، للبرهان الْعقلِيّ، ومخالفوهم يَقُولُونَ: مدركه السّمع لَا الْعقل، كَمَا تقدم فِي الشُّكْر.
- vol. 1, p. 741
قَوْله: [الثَّانِيَة: مَشِيئَته وإرادته تَعَالَى، هَل هِيَ محبته وَرضَاهُ، وَسخطه وبغضه، أم لَا؟
-
فالمعتزلة، والقدرية، والأشعري، وَأكْثر أَصْحَابه، وَغَيرهم: الْكل بِمَعْنى وَاحِد، [وَمذهب] السّلف، و [عَامَّة] [الْأَئِمَّة، من الْفُقَهَاء] ، والمحدثين، والصوفية، والنظار: يحب مَا أَمر بِهِ فَقَط، وَخلق كل شَيْء بمشيئته لحكمة، فَتجب تِلْكَ الْحِكْمَة، وَإِن كَانَ قد لَا يُحِبهُ} .
-
ذهب الْمُعْتَزلَة، والقدرية، والأشعري، وَأكْثر أَصْحَابه، وَمن وَافقه من الْمَالِكِيَّة، وَالشَّافِعِيَّة، وأصحابنا، كَابْن حمدَان فِي " نِهَايَة الْمُبْتَدِئ " ، وَغَيرهم، إِلَى أَن الْكل بِمَعْنى وَاحِد، وَحَكَاهُ الْآمِدِيّ عَن الْجُمْهُور.
vol. 1, p. 742قَالَ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي كتاب الْحُدُود: (والإرادة والمشيئة وَالرِّضَا والمحبة بِمَعْنى وَاحِد) .
-
وَأَجَابُوا عَن قَوْله تَعَالَى: {وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر} [الزمر: ٧] بجوابين:
أَحدهمَا: لَا يرضاه دينا وَشرعا، بل يُعَاقب عَلَيْهِ.
-
ثَانِيهمَا: أَن المُرَاد من الْعباد: من وفْق للْإيمَان، وَلِهَذَا شرفهم بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى: {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} [الْحجر: ٤٢، والإسراء: ٦٥] ، وَقَوله تَعَالَى: {عينا يشرب بهَا عباد الله} [الْإِنْسَان: ٦] .
-
والجوابان ضعيفان.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ: (أول من خَالف من السّلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَلم يفرق بَين الْمحبَّة وَالرِّضَا أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ) .
وَقَالَ أَيْضا -: (أول من قَالَ: إِن الله تَعَالَى يحب الْكفْر والفسوق والعصيان، شَيخنَا أَبُو الْحسن) .
وَقَالَ ابْن عقيل: (لم يقل أحد: إِن الله تَعَالَى يحب ذَلِك إِلَّا الْأَشْعَرِيّ وَمن وَافقه) .
- vol. 1, p. 743
وَالَّذِي عَلَيْهِ السّلف، وَعَامة الْأَئِمَّة من الْفُقَهَاء، وَمن أَصْحَاب الْأَئِمَّة، كالحنفية، والمالكية، وَالشَّافِعِيَّة، وأصحابنا، والمحدثين، والصوفية، والنظار، وَابْن كلاب، وَغَيرهم: الْفرق، فَيجب مَا أَمر بِهِ فَقَط، وَخلق كل شَيْء لحكمة، فَتجب تِلْكَ الْحِكْمَة، وَإِن كَانَ لَا يُحِبهُ، فَلم يفعل قبيحاً مُطلقًا.
-
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي " الرَّد على الرافضي " : (جُمْهُور أهل السّنة يَقُولُونَ: إِن الله لَا يحب الْكفْر والفسوق والعصيان وَلَا يرضاه، وَإِن كَانَ دَاخِلا فِي مُرَاده، كَمَا دخلت سَائِر الْمَخْلُوقَات، لما فِي ذَلِك من الْحِكْمَة، وَهُوَ وَإِن كَانَ شرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَاعِل فَلَيْسَ كلما كَانَ شرا بِالنِّسْبَةِ إِلَى شخص يكون عديم الْحِكْمَة، بل لله فِي الْمَخْلُوقَات حِكْمَة، قد يعلمهَا بعض النَّاس، وَقد لَا يعلمونها) انْتهى.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: (وَهُوَ قَول الْحَنَفِيَّة كلهم، والكرامية) . [- هَذَا وجد فِي فرخة لَا مَوضِع لَهَا، واللائق بهَا هُنَا -] .
- vol. 1, p. 744
وَقَالَ أَيْضا فِي مَسْأَلَة سئلها فِي الْقدر نظماً فِي أَثْنَائِهَا -: (وجهم وَمن وَافقه من الْمُعْتَزلَة اشْتَركُوا فِي أَن مَشِيئَة الله ومحبته وَرضَاهُ بِمَعْنى وَاحِد، ثمَّ قَالَت الْمُعْتَزلَة: وَهُوَ لَا يحب الْكفْر والفسوق والعصيان فَلَا يشاؤه، فَقَالُوا: إِنَّه يكون بِلَا مَشِيئَة.
وَقَالَت الْجَهْمِية: بل هُوَ يَشَاء ذَلِك، فَهُوَ يُحِبهُ ويرضاه.
-
وَأَبُو الْحسن وَأكْثر أَصْحَابه وافقوا هَؤُلَاءِ، وَذكر أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ: أَن أَبَا الْحسن أول من خَالف السّلف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
-
وَأما سلف الْأمة، وأئمتها، وأكابر أهل الْفِقْه، والْحَدِيث، والتصوف، وَكثير من طوائف النظار كالكلابية، والكرامية، وَغَيرهم، فيفرقون بَين هَذَا وَهَذَا، وَيَقُولُونَ: إِن الله يحب الْإِيمَان وَالْعَمَل الصَّالح، ويرضى بِهِ، كَمَا يَأْمر بِهِ، وَلَا يرضى بالْكفْر والفسوق والعصيان، وَلَا يُحِبهُ، كَمَا لَا يَأْمر بِهِ، وَإِن كَانَ قد شاءه، وَلِهَذَا كَانَ حَملَة الشَّرِيعَة من السّلف وَالْخلف متفقين على أَنه لَو حلف: ليفعلن وَاجِبا أَو مُسْتَحبا: كقضاء دين تضيق وقته، أَو عبَادَة تضيق وَقتهَا، وَقَالَ: إِن شَاءَ الله، ثمَّ لم يَفْعَله، لم يَحْنَث، وَهَذَا يبطل قَول الْقَدَرِيَّة، وَلَو قَالَ: إِن كَانَ الله يُحِبهُ ويرضاه، فَإِنَّهُ يَحْنَث، كَمَا لَو قَالَ: إِن كَانَ ينْدب إِلَى ذَلِك ويرغب فِيهِ، أَو يَأْمر بِهِ أَمر إِيجَاب أَو اسْتِحْبَاب، وَهَذَا يرد على الْجَهْمِية وَمن اتبعهم كَأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَمن وَافقه من الْمُتَأَخِّرين.
-
وَهَذِه الاستشكالات إِنَّمَا ترد على قَول جهم وَمن وَافقه من الْمُتَأَخِّرين من أَصْحَاب أبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَغَيرهم، وَطَائِفَة من متأخري أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد.
- vol. 1, p. 745
وَأما أَئِمَّة أَصْحَاب مَالك، وَالشَّافِعِيّ، وَأحمد، وَعَامة أَصْحَاب أبي حنيفَة فَإِنَّهُم لَا يَقُولُونَ بقول هَؤُلَاءِ؛ بل يَقُولُونَ بِمَا اتّفق عَلَيْهِ السّلف من أَنه سُبْحَانَهُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لم يَشَأْ لم يكن، وَمن الْفرق بَين محبته ومشئيته وَرضَاهُ، فَيَقُولُونَ: إِن الْكفْر والفسوق والعصيان وَإِن وَقع بمشيئته، فَهُوَ لَا يُحِبهُ وَلَا يرضاه، بل يسخطه ويبغضه.
- وَيَقُولُونَ: إِن إِرَادَة الله تَعَالَى فِي كِتَابه نَوْعَانِ:
-
نوع بِمَعْنى الْمَشِيئَة لما خلق، كَقَوْلِه تَعَالَى: {فَمن يرد الله أَن يهديه يشْرَح صَدره لِلْإِسْلَامِ وَمن يرد أَن يضله يَجْعَل صَدره ضيقا حرجا كَأَنَّمَا يصعد فِي السَّمَاء} [الْأَنْعَام: ١٢٥] .
-
وَنَوع بِمَعْنى محبته وَرضَاهُ لما أَمر بِهِ، وَإِن لم يخلقه، كَقَوْلِه تَعَالَى: {يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر} [الْبَقَرَة: ١٨٥] ، {مَا يُرِيد الله ليجعل عَلَيْكُم من حرج وَلَكِن يُرِيد ليطهركم وليتم نعْمَته عَلَيْكُم لَعَلَّكُمْ تشكرون} [الْمَائِدَة: ٦] ، فِي آي كَثِيرَة.
-
وَبِهَذَا يفصل النزاع فِي مَسْأَلَة الْأَمر، هَل هُوَ مُسْتَلْزم للإرادة أم لَا؟
-
فَإِن الْقَدَرِيَّة تزْعم أَنه مُسْتَلْزم للمشيئة، فَيكون قد شَاءَ الْمَأْمُور بِهِ وَلم يكن.
-
والجهمية قَالُوا: إِنَّه غير مُسْتَلْزم لشَيْء من الْإِرَادَة، وَلَا [لحبه] لَهُ، وَلَا رِضَاهُ بِهِ، إِلَّا إِذا وَقع، فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن) انْتهى.
vol. 1, p. 746وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: (وَأما الَّذين سووا بَين الْمَشِيئَة والمحبة والإرادة كالمعتزلة، وَأكْثر الأشعرية، فَقَالُوا: هُوَ مُرِيد لكل مَا وجد، فَهُوَ محب لَهُ، فَهُوَ محب للكفر والفسوق والعصيان كَمَا هُوَ مُرِيد لَهُ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: " أول من قَالَ: إِن الله يحب ذَلِك، شَيخنَا أَبُو الْحسن " ، وَقَالَ أَبُو الْوَفَاء ابْن عقيل: " لم يقل أحد: إِن الله يحب الْكفْر والفسوق والعصيان إِلَّا الْأَشْعَرِيّ وَمن وَافقه " .) انْتهى.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فِي أثْنَاء مَسْأَلَة -: (والعباد الَّذين علم الله أَنهم يطيعونه بإرادتهم ومشيئتهم وقدرتهم، وَإِن كَانَ خَالِقًا لذَلِك، فخلقه لذَلِك أبلغ فِي علمه بِهِ قبل أَن يكون، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلا يعلم من خلق وَهُوَ اللَّطِيف الْخَبِير} [الْملك: ١٤] ، وَمَا لم يفعلوه مِمَّا [أَمرهم] بِهِ يعلم أَنه لَا يكون، لعدم إرادتهم لَهُ، لَا لعدم [قدرتهم] عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْأَمر بِهِ أمرا بِمَا يعجزون عَنهُ، بل هُوَ أَمر بِمَا لَو أرادوه لقدروا على فعله، لكِنهمْ لَا يَفْعَلُونَهُ لعدم إرادتهم لَهُ.
-
وجهم وَمن وَافقه من الْمُعْتَزلَة، اشْتَركُوا فِي أَن مَشِيئَة الله ومحبته وَرضَاهُ بِمَعْنى وَاحِد، ثمَّ قَالَت الْمُعْتَزلَة: وَهُوَ لَا يحب الْكفْر والفسوق والعصيان فَلَا يشاؤه، فَقَالُوا: إِنَّه يكون بِلَا مَشِيئَة.
وَقَالَت الْجَهْمِية: بل هُوَ يَشَاء ذَلِك) إِلَى آخِره.
vol. 1, p. 747وَقَالَ فِي مَسْأَلَة الْإِرَادَة: (أهل السّنة يثبتون قدرته، وعزته، وحكمته، وَرَحمته، وَيَقُولُونَ لَا يسْأَل عَمَّا يفعل لقدرته، وعزته، وحكمته، وَرَحمته، وَعلمه، وعدله.
-
والجبري القدري يَقُول: لَا يسْأَل عَمَّا يفعل لقهره، وَقدرته.
-
والمعتزلة تَقول: لَا يسْأَل عَمَّا يفعل: لِأَنَّهُ لَا يقدر على غير مَا فعل، بل لَا يسْأَل عَمَّا يفعل لِأَنَّهُ فعل مَا وَجب عَلَيْهِ، وَلَا يقدر على غير ذَلِك) .
قَالَ فِي " نِهَايَة المبتدئين " : (على هَذَا القَوْل لَا يحب الْفساد، وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر، لَا يحب ذَلِك مُطلقًا، وَلَكِن يُرِيد وجوده، ومحبة الله إِنَّمَا هِيَ إِرَادَته لما يفعل بِنَا من الْمَنَافِع وَالنعَم، وبغضه لخلقه إِرَادَته عقابهم وضررهم، قَالَه القَاضِي، وَيجوز الرضى بِبَعْض أَفعَال العَبْد، مَعَ
vol. 1, p. 748السخط والبغض وَالْكَرَاهَة لبعضها) انْتهى.