في التشهد الأخير بما ثبت عن النبي
22 paragraphs · vol. 1, p. 2254
- vol. 1, p. 2254
وَقد يُقَال: الحَدِيث إِنَّمَا ذكر فِيهِ بَيَان وجوب مَا يتَوَضَّأ مِنْهُ بِدَلِيل أَنه لما سُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْغنم، قَالَ: " إِن شِئْت فَتَوَضَّأ وَإِن شِئْت فَلَا تتوضأ " مَعَ أَن الْوضُوء من لُحُوم الْغنم مُبَاح، فَلَمَّا خير فِي لحم الْغنم، وَأمر بِالْوضُوءِ من لحم الْإِبِل، دلّ على أَن الْأَمر لَيْسَ هُوَ لمُجَرّد الْإِذْن، بل للطلب الْجَازِم. انْتهى.
قلت: وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمد فِي الْمَذْهَب، وَالله أعلم.
-
قَوْله: {وَمثله الْأَمر بماهية مَخْصُوصَة بعد سُؤال تَعْلِيم} .
-
وَفِي " الْقَوَاعِد الْأُصُولِيَّة " : الْأَمر بماهية مَخْصُوصَة بعد سُؤال تَعْلِيم كالأمر بعد الاسْتِئْذَان فِي الْأَحْكَام وَالْمعْنَى، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَقِيم اسْتِدْلَال الْأَصْحَاب على وجوب الصَّلَاة على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي التَّشَهُّد الْأَخير بِمَا ثَبت عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنه قيل لَهُ: يَا رَسُول الله، قد علمنَا كَيفَ نسلم عَلَيْك فَكيف نصلي عَلَيْك؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد ... " الحَدِيث.
- vol. 1, p. 2255
نعم إِن ثَبت الْوُجُوب من خَارج فَيكون هَذَا الْأَمر للْوُجُوب؛ لِأَنَّهُ بَيَان لكيفية وَاجِبَة، وَالله أعلم.
-
قَوْله: {وَالْخَبَر بِمَعْنى الْأَمر كالأمر، قَالَه الشَّيْخ} تَقِيّ الدّين، {وَغَيره} .
-
هَذِه الْمَسْأَلَة وَقعت بَين الشَّيْخ تَقِيّ الدّين، وَبَين الشَّيْخ ابْن الزملكاني، وَهِي: أَن صِيغَة الْخَبَر بِمَعْنى الْأَمر وَالنَّهْي، هَل يجْرِي فيهمَا الْخلاف الَّذِي فِي الْأَمر وَالنَّهْي فِي كَونهمَا حَقِيقَة فِي الْوُجُوب، وَالتَّحْرِيم وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا أَحْكَام الْأَمر، وَالنَّهْي الصريحين، أم لَا؟
-
ذكر ابْن دَقِيق الْعِيد فِيهَا احْتِمَالَيْنِ من عِنْده، وَلم يرجح شَيْئا.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: يجْرِي الْخلاف فِي ذَلِك.
قَالَ ابْن الزملكاني: لَا يجْرِي فِيهِ شَيْء من ذَلِك، إِنَّمَا ذَلِك فِي الصِّيغَة الْأَصْلِيَّة، قَالَ: فدعوى خلاف ذَلِك مُكَابَرَة.
vol. 1, p. 2256وَقَالَ: ويغلط فِي ذَلِك كثير من الْفُقَهَاء، ويغترون بِإِطْلَاق الْأُصُولِيِّينَ، فَيدْخلُونَ فِيهِ كلما أَفَادَ أمرا، أَو نهيا، وَإِن لم يكن فِيهِ الْأَمر، أَو النَّهْي من الْمُحَقق.
-
وأيد بعض الْعلمَاء قَول الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بقول الْقفال.
-
وَمن الدَّلِيل على أَن ذَلِك مَعْنَاهُ، وَأَن ذَلِك كُله كالأمر وَالنَّهْي: دُخُول النّسخ فِيهِ إِذْ الْأَخْبَار الْمَحْضَة لَا يدخلهَا النّسخ؛ وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ خَبرا لم يُوجد خِلَافه.
قَالَ: وَمن هَذَا عِنْد أَصْحَابنَا قَوْله تَعَالَى: {لَا يمسهُ إِلَّا الْمُطهرُونَ} [الْوَاقِعَة: ٧٩] ، واستند بَعضهم فِي ذَلِك لقَوْل البيانيين، وَغَيرهم إِن ذَلِك أبلغ من صَرِيح الْأَمر وَالنَّهْي، فَيَنْبَغِي أَن يكون للْوُجُوب قطعا.
وَأجِيب عَن ذَلِك ... ، قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله " لما تكلم على الْأَمر: وَظَاهر الْمَسْأَلَة أَن الْخَبَر بِمَعْنى الْأَمر كَذَلِك ك {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ} [الْبَقَرَة: ٢٢٨] ، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: لَا يحْتَمل النّدب؛ لِأَنَّهُ إِذن، إِنَّه كالمحقق المستمر. انْتهى.
- vol. 1, p. 2257
قَوْله: {وَالنَّهْي بعد الْأَمر للتَّحْرِيم، قَالَه القَاضِي، وَأَبُو الْخطاب، والحلواني، والموفق، والطوفي} ، وَالْأَكْثَر، وَقَالَهُ الْغَزالِيّ فِي " المنخول " ، والأستاذ أَبُو إِسْحَاق، والباقلاني، وحكياه إِجْمَاعًا، لَكِن قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: مَا أرى الْمُخَالفين فِي الْأَمر بعد الْحَظْر يسلمُونَ ذَلِك. انْتهى.
-
{وَقَالَ أَبُو الْفرج} الْمَقْدِسِي: {للكراهة} ، فَقَالَ: وَتقدم الْوُجُوب قرينَة فِي أَن النَّهْي بعده للكراهة، وَقطع بِهِ.
-
وَقَالَهُ القَاضِي، وَأَبُو الْخطاب، ثمَّ سلما أَنه للتَّحْرِيم؛ لِأَنَّهُ آكِد.
vol. 1, p. 2258وَقَالَ فِي " الرَّوْضَة " : هُوَ لإباحة التّرْك كَقَوْلِه - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام -: " وَلَا تتوضأوا من لُحُوم الْغنم " ، ثمَّ سلم أَنه للتَّحْرِيم.
-
وَكَذَا اخْتَار ابْن عقيل: يَقْتَضِي إِسْقَاط مَا أوجبه الْأَمر، وَأَنه وزان الْإِبَاحَة بعد الْحَظْر؛ لإخراجهما عَن جَمِيع أقسامهما.
-
وَغلط مَا حَكَاهُ قَول أَصْحَابنَا للتنزيه فضلا عَن التَّحْرِيم، وَقَالَ: تأكده لَا يزِيد على مُقْتَضى الْأَمر، وَقد جعلُوا تقدم الْحَظْر قرينَة.
-
{وَقيل: للْإِبَاحَة} ، كالقول فِي مَسْأَلَة الْأَمر بعد الْحَظْر، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: {إِن سَأَلتك عَن شَيْء بعْدهَا فَلَا تُصَاحِبنِي} [الْكَهْف: ٧٦] .
-
ووقف أَبُو الْمَعَالِي لتعارض الْأَدِلَّة، كَمَسْأَلَة الْأَمر بعد الْحَظْر، فعلى الأول - وَهُوَ الصَّحِيح - وَقَول الْجُمْهُور، وَفرق بَينه وَبَين الْأَمر بأوجه:
أَحدهَا: أَن مُقْتَضى النَّهْي وَهُوَ التّرْك مُوَافق للْأَصْل بِخِلَاف مُقْتَضى الْأَمر وَهُوَ الْفِعْل.
-
الثَّانِي: أَن النَّهْي لدفع مفْسدَة الْمنْهِي عَنهُ، وَالْأَمر لتَحْصِيل مصلحَة الْمَأْمُور بِهِ، واعتناء الشَّارِع بِدفع الْمَفَاسِد أَشد من جلب الْمصَالح.
- vol. 1, p. 2259
الثَّالِث: أَن القَوْل بِالْإِبَاحَةِ فِي الْأَمر بعد التَّحْرِيم سَببه وُرُوده فِي الْقُرْآن وَالسّنة كثيرا للْإِبَاحَة، وَهَذَا غير مَوْجُود فِي النَّهْي بعد الْوُجُوب. انْتهى.
-
وَترْجم الْبرمَاوِيّ الْمَسْأَلَة بِأَن صِيغَة النَّهْي إِذا وَردت فِي شَيْء قد كَانَ وَاجِبا إِلَى حِين وُرُودهَا، هَل يكون سبق الْوُجُوب قرينَة تبين أَن النَّهْي خرج عَن حَقِيقَته - وَهُوَ التَّحْرِيم - أَو لَا؟
-
وَهِي مَبْنِيَّة على مَسْأَلَة الْأَمر بعد الْحَظْر.
-
إِن قُلْنَا: يسْتَمر على الْوُجُوب فَهُنَا يسْتَمر على التَّحْرِيم من بَاب أولى، وَإِن قُلْنَا هُنَاكَ قرينَة فَهُنَا طَرِيقَانِ:
أَحدهمَا: الْقطع بِعَدَمِ كَون الْوُجُوب السَّابِق قرينَة صارفة عَن التَّحْرِيم.
-
وَالثَّانِي: طرد مَا يُمكن طرده من خلاف الْأَمر كالقول بِأَنَّهُ للْإِبَاحَة. وَمِنْهُم من قَالَ هُنَا: إِنَّه للكراهة، وَمِنْهُم من قَالَ: لدفع الْوُجُوب فَيكون نسخا، وَيعود الْأَمر إِلَى مَا كَانَ قبله. انْتهى.