فصل

54 paragraphs · vol. 1, p. 178

Page 2 of 2

  1. وَهنا مَسْأَلَة مَشْهُورَة ذكرهَا سِيبَوَيْهٍ وَهِي أَنَّك تَقول مَا أبغضني لَهُ وَمَا أَحبَّنِي لَهُ وَمَا أمقتني لَهُ إِذا كنت أَنْت الْمُبْغض الكاره والمحب الماقت فَيكون تَعَجبا من فعل الْفَاعِل وَتقول مَا أبغضني إِلَيْهِ وَمَا أمقتني إِلَيْهِ وَمَا أَحبَّنِي إِلَيْهِ إِذا كنت أَنْت الْمُبْغض الممقوت أَو المحبوب فَيكون تَعَجبا من الْفِعْل الْوَاقِع على الْمَفْعُول فَمَا كَانَ بِاللَّامِ فَهُوَ للْفَاعِل وَمَا كَانَ بإلى فَهُوَ للْمَفْعُول وَكَذَلِكَ تَقول مَا أحبه إِلَيّ إِذا كَانَ هُوَ المحبوب وَمَا أبغضه إِلَيّ إِذا كَانَ هُوَ الْمُبْغض وَأكْثر النُّحَاة لَا يعللون هَذَا

    vol. 1, p. 190
  2. وَالَّذِي يُقَال فِي علته وَالله أعلم أَن اللَّام تكون للْفَاعِل فِي الْمَعْنى نَحْو قَوْلك لمن هَذَا الْفِعْل فَتَقول لزيد فتأتي بِاللَّامِ وَأما إِلَى فَتكون للْمَفْعُول فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ يَقُول إِلَى من يصل هَذَا الْفِعْل فَتَقول إِلَى زيد

  3. وسر ذَلِك أَن اللَّام فِي الأَصْل للْملك أَو الِاخْتِصَاص والاستحقاق وَالْملك والاستحقاق إِنَّمَا يسْتَحقّهُ الْفَاعِل الَّذِي يملك وَيسْتَحق وَإِلَى لانْتِهَاء الْغَايَة والغاية مُنْتَهى مَا يَقْتَضِيهِ الْفِعْل فَهِيَ بالمفعول أليق لِأَنَّهُ تَمام مُقْتَضى الْفِعْل

    vol. 1, p. 191وَمن التَّعَجُّب من فعل الْمَفْعُول قَول كَعْب بن زُهَيْر فِي النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

    (فَلَهو أخوف عِنْدِي إِذْ ُأكَلِّمهُ ... وَقيل إِنَّك مَحْبُوس ومقتول)

    (من ضيغم من ضراء الْأسد مخدره ... بِبَطن عثر غيل دونه غيل)

  4. فأخوف هُنَا من خيف لَا من خَافَ وَهُوَ نَظِير أَحْمد من مُحَمَّد كسئل لَا من حمد كعلم وَتقول مَا أجنه من جن فَهُوَ مَجْنُون

  5. قَالَ البصريون هَذَا كُله شَاذ لَا يعول عَلَيْهِ

  6. قَالَ الْآخرُونَ هَذَا قد كثر فِي كَلَامهم جدا وَحمله على الشذوذ غير جَائِز لِأَن الشاذ مَا خَالف استعمالهم ومطرد كَلَامهم وَهَذَا غير مُخَالف لذَلِك

  7. قَالُوا وَأما تقديركم لُزُوم الْفِعْل وَنَقله إِلَى بِنَاء فعل المضموم فمما لَا يساعد عَلَيْهِ دَلِيل

  8. وَأما مَا تمسكتم بِهِ من التَّعْدِيَة بِالْهَمْزَةِ فَلَيْسَ كَمَا ذكرْتُمْ والهمزة هُنَا لَيست للتعدية وَإِنَّمَا هِيَ للدلالة على معنى التَّعَجُّب والتفضيل كألف فَاعل وَمِيم مفعول وتاء الافتعال والمطاوعة وَنَحْوهَا من الْحُرُوف الَّتِي تلْحق الْفِعْل الثلاثي لبَيَان مَا لحقه من الزِّيَادَة على مُجَرّد مَدْلُوله فَهَذَا هُوَ السَّبَب الجالب لهَذِهِ الْألف لَا مُجَرّد تَعديَة الْفِعْل

  9. قَالُوا وَالَّذِي يدل على هَذَا أَن الْفِعْل الَّذِي يعدى بِالْهَمْزَةِ

    vol. 1, p. 192يجوز أَن يعدى بِحرف الْجَرّ وبالتضعيف تَقول أجلست زيدا وجلسته وَجَلَست بِهِ وأقمته وقومته وَقمت بِهِ وأنمته ونومته ونمت بِهِ ونظائر ذَلِك وَهنا لَا يقوم مقَام الْهمزَة غَيرهَا فَبَطل أَن تكون للتعدية

  10. الثَّانِي أَنَّهَا تجامع بَاء التَّعْدِيَة فَتَقول أكْرم بِهِ وَأحسن بِهِ وَالْمعْنَى مَا أكْرمه وَمَا أحْسنه وَالْفِعْل لَا تجمع عَلَيْهِ بَين معديين مَعًا

  11. الثَّالِث أَنهم يَقُولُونَ مَا أعْطى زيدا للدراهم وَمَا أكساه للثياب وَهَذَا من أعْطى وكسا الْمُتَعَدِّي وَلَا يَصح تَقْدِير نَقله إِلَى عطو إِذا تنَاول ثمَّ أدخلت عَلَيْهِ همزَة التَّعْدِيَة كَمَا تَأَوَّلَه بَعضهم لفساد الْمَعْنى فَإِن التَّعَجُّب إِنَّمَا وَقع من إِعْطَائِهِ لَا من عطوه وَهُوَ تنَاوله والهمزة فِيهِ همزَة التَّعَجُّب والتفضيل وحذفت همزته الَّتِي فِي فعله فَلَا يَصح أَن يُقَال هِيَ للتعدية

  12. قَالُوا وَأما قَوْلكُم إِنَّه عدي بِاللَّامِ فِي قَوْلهم مَا أضربه لزيد وَلَوْلَا أَنه لَازم لما عدي بِاللَّامِ فَهَذَا لَيْسَ كَمَا ذكرْتُمْ من لُزُوم الْفِعْل وَإِنَّمَا هُوَ تَقْوِيَة لَهُ لما ضعف بِمَنْعه من الصّرْف وألزم طَريقَة وَاحِدَة خرج عَن سنَن الْأَفْعَال وَضعف عَن مُقْتَضَاهُ فقوي بِاللَّامِ وَهَذَا كَمَا يقوى بِاللَّامِ إِذا تقدم معموله عَلَيْهِ وَحصل لَهُ بتأخره نوع وَهن جبروه بِاللَّامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تعبرون} يُوسُف ٤٣ وكما يقوى بِاللَّامِ إِذا كَانَ اسْم فَاعل كَمَا تَقول أَنا محب لَك ومكرم لزيد وَنَحْوه فَلَمَّا ضعف هَذَا الْفِعْل بِمَنْعه من الصّرْف قوي بِاللَّامِ هَذَا الْمَذْهَب هُوَ الرَّاجِح كَمَا ترَاهُ

  13. وَالله أعلم

    vol. 1, p. 193فلنرجع إِلَى الْمَقْصُود وَهُوَ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سمي مُحَمَّدًا وَأحمد لِأَنَّهُ يحمد أَكثر مِمَّا يحمد غَيره وَأفضل مِمَّا يحمد غَيره فالاسمان واقعان على الْمَفْعُول وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَار وَذَلِكَ أبلغ فِي مدحه وَأتم معنى وَلَو أُرِيد بِهِ معنى الْفَاعِل لسمي الحماد وَهُوَ كثير الْحَمد كَمَا سمي مُحَمَّدًا وَهُوَ الْمَحْمُود كثيرا فَإِنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ أَكثر الْخلق حمداً لرَبه فَلَو كَانَ اسْمه بِاعْتِبَار الْفَاعِل لَكَانَ الأولى أَن يُسمى حماداً كَمَا أَن اسْم أمته الْحَمَّادُونَ

  14. وَأَيْضًا فَإِن الاسمين إِنَّمَا اشتقا من أخلاقه وخصائله المحمودة الَّتِي لأَجلهَا اسْتحق أَن يُسمى مُحَمَّدًا وَأحمد فَهُوَ الَّذِي يحمده أهل الدُّنْيَا وَأهل الْآخِرَة وَيَحْمَدهُ أهل السَّمَاء وَالْأَرْض فلكثرة خصائله المحمودة الَّتِي تفوت عد العادين سمي باسمين من أَسمَاء الْحَمد يقتضيان التَّفْضِيل وَالزِّيَادَة فِي الْقدر وَالصّفة وَالله أعلم