الحكمة في مجيء " ال " في اسم (الصمد) دون (أحد)
2 paragraphs · vol. 18, p. 142
- vol. 18, p. 142
يَلْزَمْ مِنْ نَفْيِ الْجَهْلِ ثُبُوتٌ عُلِمَ بِشَيْءِ مِنْ الْأَشْيَاءِ بَلْ كَانَ النفيان عدمين مَحْضَيْنِ فَكَيْفَ يُعْقَلُ التَّفَاضُلُ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؟ فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ فِي الْعَدَمِ الْمَحْضِ وَالنَّفْيِ الصِّرْفِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءِ أَصْلًا وَلَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْوُجُودِ وَلَا فِيهِ كَمَالٌ وَلَا مَدْحٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ التَّفَاضُلُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْكَمَالُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وُجُودًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ أَوْ صِفَةٍ مَوْجُودَةٍ قَائِمَةٍ بِغَيْرِهَا. فَأَمَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ فَلَا كَمَالَ فِيهِ أَصْلًا. وَلِهَذَا إنَّمَا يَصِفُ اللَّهُ نَفْسَهُ بِصِفَاتِ التَّنْزِيهِ لَا السَّلْبِيَّةِ الْعَدَمِيَّةِ لِتَضَمُّنِهَا أُمُورًا وُجُودِيَّةً تَكُونُ كَمَا لَا يَتَمَدَّحُ سُبْحَانَهُ بِهَا كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} فَنَفْيُ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحَيَاةِ والقيومية وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ} يَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْمُلْكِ وَالرُّبُوبِيَّةَ وَانْفِرَادَهُ بِذَلِكَ وَنَفْسُ انْفِرَادِهِ بِالْمُلْكِ وَالْهِدَايَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَسَائِرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ هُوَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَلِهَذَا كَانَتْ السُّورَةُ فِيهَا الِاسْمَانِ الْأَحَدُ الصَّمَدُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ. فَقَوْلُهُ (أَحَدٌ) يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ النَّظِيرِ وَقَوْلُهُ (الصَّمَدُ) بِالتَّعْرِيفِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالصَّمَدِيَّةِ. وَلِهَذَا جَاءَ التَّعْرِيفُ فِي اسْمِهِ الصَّمَدُ دُونَ الْأَحَدِ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُوصَفُ بِهِ فِي الْإِثْبَاتِ غَيْرَهُ بِخِلَافِ الصَّمَدِ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي السَّيِّدَ صَمَدًا. قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: الْمَلَائِكَةُ تُسَمَّى صَمَدًا وَالْآدَمِيُّ أَجْوَفُ فَقَوْلُهُ
vol. 18, p. 143" الصَّمَدُ " بَيَانُ لِاخْتِصَاصِهِ بِكَمَالِ الصَّمَدِيَّةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ الصَّمَدِ وَاشْتِمَالَهُ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ كَمَا رَوَاهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَيْهَقِي وَغَيْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ: (الصَّمَدُ) يَقُولُ: السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ وَالشَّرِيفُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي شَرَفِهِ وَالْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظْمَتِهِ وَالْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ وَالْعَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ وَالْحَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِلْمِهِ وَهُوَ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي أَنْوَاعِ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ صِفَتُهُ لَا تَنْبَغِي إلَّا لَهُ لَيْسَ لَهُ كُفُؤٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ سُبْحَانَهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. وَكَذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كُتُبِهِمْ قَالَ: الصَّمَدُ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ. وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا: الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ. وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. أَمَّا كَوْنُ الصَّمَدِ هُوَ السَّيِّدُ فَهَذَا مَشْهُورٌ وَأَمَّا الْآخَرُ فَهُوَ أَيْضًا مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الصَّمَدَ لُغَةٌ فِي الصمت وَلَيْسَ هَذَا مِنْ إبْدَالِ الدَّالِّ بِالتَّاءِ كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُهُمْ بَلْ لَفْظُ صَمَدٍ يَصْمُدُ صَمَدًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ صِفَاتِ الْكَمَالِ إنَّمَا هِيَ فِي الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ
vol. 18, p. 144وَالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ إنَّمَا تَكُونُ كَمَالًا إذَا تَضَمَّنَتْ أُمُورًا وُجُودِيَّةً؛ وَلِهَذَا كَانَ تَسْبِيحُ الرَّبِّ يَتَضَمَّنُ تَنْزِيهَهُ وَتَعْظِيمَهُ جَمِيعًا فَقَوْلُ الْعَبْدِ: " سُبْحَانَ اللَّهِ " يَتَضَمَّنُ تَنْزِيهَ اللَّهِ وَبَرَاءَتَهُ مِنْ السُّوءِ وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَضَمَّنُ عَظَمَتَهُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ هُوَ عَدَمًا مَحْضًا لَا يَتَضَمَّنُ وُجُودًا فَإِنَّ هَذَا لَا مَدْحٌ فِيهِ وَلَا تَعْظِيمٌ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا تَنَزَّهَ الرَّبُّ عَنْهُ مِنْ الشُّرَكَاءِ وَالْأَوْلَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إنَاثًا إنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا} - إلَى قَوْلِهِ - {إذًا لَابْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} {وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ} وَغَيْرُ ذَلِكَ. فَنَفْيُ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْكَمَالِ وَنَفْيُ الشُّرَكَاءِ يَقْتَضِي الْوَحْدَانِيَّةَ وَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْكَمَالِ فَإِنَّ مَا لَهُ نَظِيرٌ قَدْ انْقَسَمَتْ صِفَاتُ الْكَمَالِ وَأَفْعَالُ الْكَمَالِ فِيهِ وَفِي نَظِيرِهِ فَحَصَلَ لَهُ بَعْضُ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَا كُلُّهَا. فَالْمُنْفَرِدُ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَهُ شَرِيكٌ يُقَاسِمُهُ إيَّاهَا. وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ أَكْمَلَ حُبًّا لِلَّهِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُحِبُّونَ غَيْرَهُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ. قَالَ
- vol. 18, p. 145
تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ قَدْ بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ هَذَا مِنْ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الَّذِي لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ {عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك. قُلْت ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَك. قُلْت ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِك} . وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقَ ذَلِكَ: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} الْآيَةَ. فَمَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا يُحِبُّهُ كَحُبِّ اللَّهِ فَهُوَ مِمَّنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَهَذَا مِنْ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الشَّيْءَ إذَا انْقَسَمَ وَوَقَعَتْ فِيهِ الشَّرِكَةُ نَقَصَ مَا يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَإِذَا كَانَ جَمِيعُهُ لِوَاحِدِ كَانَ أَكْمَلَ فَلِهَذَا كَانَ حُبُّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ أَكْمَلَ. وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ كَبَائِرِ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ يُوجِبُ كَمَالَ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ فِي عِبَادَتِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَذَلِكَ مَنْ زَكَّاهُمْ كَمَا أَنَّ الزَّرْعَ كُلَّمَا نُقِّيَ عَنْهُ الدَّغَلُ كَانَ أَزْكَى لَهُ وَأَكْمَلَ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ الْوُجُودِيَّةِ فِيهِ قَالَ تَعَالَى: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} {الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} وَأَصْلُ الزَّكَاةِ التَّوْحِيدُ
vol. 18, p. 146وَالْإِخْلَاصُ كَمَا فَسَّرَهَا بِذَلِكَ أَكَابِرُ السَّلَفِ. وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} وَقَالَ: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} . وَهَذَا كُلُّهُ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ مَنْ نَفَى عَنْ اللَّهِ النَّقَائِصَ؛ كَالْمَوْتِ وَالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ وَالصَّمَمِ وَالْعَمَى وَالْبُكْمِ وَلَمْ يُثْبِتْ لَهُ صِفَاتٍ وُجُودِيَّةً؛ كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ؛ بَلْ زَعَمَ أَنَّ صِفَاتِهِ لَيْسَتْ إلَّا عَدَمِيَّةً مَحْضَةً وَأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِأَمْرِ وُجُودِيٍّ فَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ صِفَةُ كَمَالٍ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ أَيُّ الصِّفَتَيْنِ أَفْضَلُ؟ فَإِنَّ التَّفْضِيلَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فَرْعُ كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَهُ كَمَالٌ مَا ثُمَّ يَنْظُرُ أَيُّهُمَا أَكْمَلُ فَأَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَدَمٌ مَحْضٌ فَلَا كَمَالَ وَلَا فَضِيلَةَ هُنَاكَ أَصْلًا. وَكَذَلِكَ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ الْأَسْمَاءَ دُونَ الصِّفَاتِ فَقَالَ إنَّهُ حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَزِيزٌ حَكِيمٌ - وَلَكِنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَا تَتَضَمَّنُ اتِّصَافَهُ بِحَيَاةِ وَلَا عِلْمٍ وَلَا قُدْرَةٍ وَلَا سَمْعٍ وَلَا بَصَرٍ وَلَا عِزَّةٍ وَلَا حِكْمَةٍ - فَإِذَا قِيلَ لَهُ: أَيُّ الِاسْمَيْنِ أَفْضَلُ؟ لَمْ يُجِبْ بِجَوَابِ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ إنْ قَالَ: الْعَلِيمُ أَعْظَمُ مِنْ السَّمِيعِ لِعُمُومِ تَعَلُّقِهِ مَثَلًا أَوْ قَالَ: الْعَزِيزُ أَكْمَلُ مِنْ الْقَدِيرِ لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ قِيلَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْأَسْمَاءِ عِنْدَك
vol. 18, p. 147مَعَانٍ مَوْجُودَةٌ تَقُومُ بِهِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَا عِلْمٌ وَلَا سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ وَلَا عِزَّةٌ وَلَا قُدْرَةٌ لَيْسَ إلَّا ذَاتٌ مُجَرَّدَةٌ عَنْ صِفَاتٍ وَمَخْلُوقَاتٍ وَالذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ لَيْسَ فِيهَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ تَفَاضُلٌ وَلَا تَمَاثُلٌ. وَالْمَخْلُوقَاتُ لَمْ يَكُنْ السُّؤَالُ عَنْ تَفْضِيلِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَعْلَمُهُ كُلُّ وَاحِدٍ وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَى عَاقِلٍ. وَكَذَلِكَ مَنْ جَعَلَ بَعْضَ صِفَاتِهِ بَعْضًا أَوْ جَعَلَ الصِّفَةَ هِيَ الْمَوْصُوفَ مِثْلُ مَنْ قَالَ: الْعِلْمُ هُوَ الْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ هُمَا الْعَالِمُ الْقَادِرُ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ جهمية الْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ. أَوْ قَالَ: كَلَامُهُ كُلُّهُ هُوَ مَعْنًى وَاحِدٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ هُوَ الْأَمْرُ بِكُلِّ مَأْمُورٍ وَالْخَبَرُ عَنْ كُلِّ مَخْبَرٍ بِهِ إنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْعِبْرِيَّةِ كَانَ تَوْرَاةً وَإِنْ عَبَّرَ عَنْهُ بالسريانية كَانَ إنْجِيلًا وَإِنَّ مَعْنَى آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَآيَةِ الدَّيْنِ وَاحِدٌ وَإِنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ صِفَاتٌ نِسْبِيَّةٌ لِلْكَلَامِ لَيْسَتْ أَنْوَاعًا؛ بَلْ ذَاتُ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَمْرٌ هُوَ ذَاتُ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ نَهْيٌ وَإِنَّمَا تَنَوَّعَتْ الْإِضَافَةُ. فَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَقُولُهُ الْكُلَّابِيَة وَإِنْ كَانَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يَقُولُونَ إنَّ مُجَرَّدَ تَصَوُّرِهِ كَافٍ فِي الْعِلْمِ بِفَسَادِهِ فَلَا يُمْكِنُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْجَوَابُ بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ وَلَا مُمَاثَلَةِ بَعْضَهُ لِبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ عَلَى قَوْلِهِمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِالْعَيْنِ