ما ادعاه الفلاسفة من التولد العقلي أشد كفرا من قول النصارى ومشركي العرب

1 paragraph · vol. 18, p. 290

  1. بَاطِلٌ لِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ عِلَّةً فَاعِلَةً وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فَقَطْ وَالصَّادِرُ هُنَاكَ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ بَلْ عَنْ أَصْلَيْنِ وَالصَّادِرُ عَرَضٌ لَا جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ مِنْ التَّوَلُّدِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي يَدْعُونَهُ مِنْ أَبْعَدِ الْأُمُورِ عَنْ التَّوَلُّدِ وَالصُّدُورِ وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ قَوْلِ النَّصَارَى وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَهُمْ جَعَلُوا مَفْعُولَاتِهِ بِمَنْزِلَةِ صِفَةٍ أَزَلِيَّةٍ لَازِمَةٍ لِذَاتِهِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا مِمَّا يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ عَنْهُ وَحِينَئِذٍ فَهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ إلَهِيَّةِ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ وَالْكَوَاكِبِ أَكْفَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ وَمَنْ جَعَلَ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْمِلَلِ مِنْهُمْ هَؤُلَاءِ هُمْ الْمَلَكِيَّةِ فَقَوْلُهُ فِي جَعْلِ الْمَلَائِكَةِ متولدين عَنْ اللَّهِ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ وَعَوَّامِ النَّصَارَى فَإِنَّ أُولَئِكَ أَثْبَتُوا وِلَادَةً حِسِّيَّةً وَكَوْنَهُ صَمَدًا يُبْطِلُهَا؛ لَكِنْ مَا أَثْبَتُوهُ مَعْقُولٌ وَهَؤُلَاءِ ادَّعَوْا تَوَلُّدًا عَقْلِيًّا بَاطِلًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَبْطَلَ مِمَّا ادَّعَتْهُ النَّصَارَى مِنْ تَوَلُّدِ الْكَلِمَةِ عَنْ الذَّاتِ فَكَانَ نَفْيُ مَا ادَّعُوهُ أَوْلَى مِنْ نَفْيِ مَا ادَّعَاهُ أُولَئِكَ لِأَنَّ الْمُحَالَ الَّذِي يَعْلَمُ امْتِنَاعَهُ فِي الْخَارِجِ لَا يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ مَوْجُودًا فِي الْخَارِجِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ بَلْ هُوَ يَفْرِضُ فِي الذِّهْنِ وُجُودَهُ فِي الْخَارِجِ وَذَلِكَ إنَّمَا يُمْكِنُ إذَا كَانَ لَهُ نَظِيرٌ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَيُقَدِّرُ لَهُ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ مَا يُشْبِهُهُ كَمَا إذَا قَدَّرَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَقَدَّرَ أَنَّ لَهُ وَلَدًا فَإِنَّهُ يُشْبِهُ مَنْ لَهُ وَلَدٌ مِنْ الْعِبَادِ وَمَنْ لَهُ شَرِيكٌ مِنْ

    vol. 18, p. 291الْعِبَادِ ثُمَّ يُبَيِّنُ امْتِنَاعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَكُلَّمَا كَانَ الْمُحَالُ أَبْعَدَ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَوْجُودِ كَانَ أَعْظَمَ اسْتِحَالَةٍ. وَالْوِلَادَةُ الَّتِي ادَّعَتْهَا النَّصَارَى ثُمَّ هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ: أَبْعَدُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْوِلَادَةِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الْوِلَادَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا بَعْضُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَعَوَّامِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ فَكَانَتْ هَذِهِ الْوِلَادَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَشَدَّ اسْتِحَالَةً مِنْ تِلْكَ الْوِلَادَةِ الْحِسِّيَّةِ إذْ الْوِلَادَةُ الْحِسِّيَّةُ تُعْقَلُ فِي الْأَعْيَانِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهَا وَأَمَّا الْوِلَادَةُ الْعَقْلِيَّةُ فَلَا تُعْقَلُ فِي الْأَعْيَانِ أَصْلًا وَأَيْضًا فَأُولَئِكَ أَثْبَتُوا وِلَادَةً مِنْ أَصْلَيْنِ وَهَذَا هُوَ الْوِلَادَةُ الْمَعْقُولَةُ وَهَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا وِلَادَةً مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ وَأُولَئِكَ أَثْبَتُوا وِلَادَةً بِانْفِصَالِ جُزْءٍ وَهَذَا مَعْقُولٌ. وَهَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا وِلَادَةً بِدُونِ ذَلِكَ وَهُوَ لَا يُعْقَلُ وَأُولَئِكَ أَثْبَتُوا وِلَادَةً قَاسُوهَا عَلَى وِلَادَةِ الْأَعْيَانِ لِلْأَعْيَانِ وَهَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا وِلَادَةً قَاسُوهَا عَلَى تَوَلُّدِ الْأَعْرَاضِ عَنْ الْأَعْيَانِ فَعُلِمَ أَنَّ قَوْلَ أُولَئِكَ أَقْرَبُ إلَى الْمَعْقُولِ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا بَيَّنَ اللَّهُ فَسَادَهُ وَأَنْكَرَهُ فَقَوْلُ هَؤُلَاءِ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ وَهَذَا كَمَا أَنَّ اللَّهَ إذَا كَفَّرَ مَنْ أَثْبَتَ مَخْلُوقًا يُتَّخَذُ شَفِيعًا مَعْبُودًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَمَنْ أَثْبَتَ قَدِيمًا دُونَ اللَّهِ يُعْبَدُ وَيُتَّخَذُ شَفِيعًا كَانَ أَوْلَى بِالْكُفْرِ. وَمَنْ أَنْكَرَ الْمَعَادَ مَعَ قَوْلِهِ بِحُدُوثِ هَذَا الْعَالَمِ فَقَدْ كَفَّرَهُ اللَّهُ فَمَنْ أَنْكَرَهُ مَعَ قَوْلِهِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ فَهُوَ أَعْظَمُ كُفْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَهَى أُمَّتَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ

    vol. 18, p. 292فَارِسَ الْمَجُوسِ وَالرُّومِ النَّصَارَى فَنَهْيُهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الرُّومِ الْيُونَانِ الْمُشْرِكِينَ وَالْهِنْدِ الْمُشْرِكِينَ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ وَإِذَا كَانَ مَا دَخَلَ فِي بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُشَابَهَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَفَارِسَ وَالرُّومِ مَذْمُومًا عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَمَا دَخَلَ مِنْ مُشَابَهَةِ الْيُونَانِ وَالْهِنْدِ وَالتُّرْكِ الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنْ فَارِسَ وَالرُّومِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَذْمُومًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ يَكُونَ ذَمُّهُ أَعْظَمَ مِنْ ذَاكَ. فَهَؤُلَاءِ الْأُمَمُ الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ اُبْتُلِيَ بِهِمْ أَوَاخِرُ الْمُسْلِمِينَ شَرٌّ مِنْ الْأُمَمِ الَّذِينَ اُبْتُلِيَ بِهِمْ أَوَائِلُ الْمُسْلِمِينَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ كَانَ أَهْلُهُ أَكْمَلَ وَأَعْظَمَ عِلْمًا وَدِينًا فَإِذَا اُبْتُلِيَ بِمَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْ هَؤُلَاءِ غَلَبَهُمْ الْمُسْلِمُونَ لِفَضْلِ عِلْمِهِمْ وَدِينِهِمْ وَأَمَّا هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ فَالْمُسْلِمُونَ وَإِنْ كَانُوا أَنْقَصَ مِنْ سَلَفِهِمْ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ رُجْحَانُهُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ لِعِظَمِ بُعْدِهِمْ عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ لَمَّا كَثُرَتْ الْبِدَعُ مِنْ مُتَأَخَّرِي الْمُسْلِمِينَ اسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ مَنْ اسْتَطَالَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَلَبَّسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَصَارَتْ شُبَهُ الْفَلَاسِفَةِ أَعْظَمَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مِنْ غَيْرِهِمْ كَمَا صَارَ قِتَالُ التُّرْكِ الْكُفَّارِ أَعْظَمَ مِنْ قِتَالِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ عِنْدَ أَهْلِ الزَّمَانِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا اُبْتُلُوا بِسُيُوفِ هَؤُلَاءِ وَأَلْسِنَةِ هَؤُلَاءِ وَكَانَ فِيهِمْ مِنْ نَقْصِ الْإِيمَانِ مَا أَوْرَثَ ضَعْفًا فِي الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَكَمَا كَانَ كَثِيرٌ مِنْ الْعَرَب فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا هَذَا.

    vol. 18, p. 290