اختلاف المتكلمين فيما يتركب منه المتحيز

1 paragraph · vol. 18, p. 345

  1. وَالْمُتَحَيِّزُ عِنْدَهُمْ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ أَنَّهُ يَحُوزُهُ غَيْرُهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ حَيِّزٌ وُجُودِيٌّ بَلْ كُلَّمَا أُشِيرَ إلَيْهِ وَامْتَازَ مِنْهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ مُتَحَيِّزٌ عِنْدَهُمْ. ثُمَّ هُمْ مُخْتَلِفُونَ بَعْدَ هَذَا فِي الْمُتَحَيِّزِ: هَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْمُنْفَرِدَةِ أَوْ مِنْ الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ؟ أَوْ هُوَ غَيْرُ مُرَكَّبٍ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا؟ كَمَا تَقَدَّمَ نِزَاعُهُمْ فِي الْجِسْمِ. فَالْجِسْمُ عِنْدَهُمْ مُتَحَيِّزٌ وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ إلَّا الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهُ وَهَؤُلَاءِ يَعْتَقِدُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ أَنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَهُوَ مُرَكَّبٌ أَيْ يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ إلَى جُزْءٍ لَا يَتَجَزَّأُ بَلْ يَظُنُّ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ الْمُتَحَيِّزَاتُ مُتَمَاثِلَةً فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ وَمَنْ كَانَ مَعْنَى الْمُتَحَيِّزِ عِنْدَهُ هَذَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُنَزِّهَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَإِذَا قَالَ: الْمَلَائِكَةُ مُتَحَيِّزُونَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ أَوْ الرُّوحُ مُتَحَيِّزَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ نَازَعَهُ فِي ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ؛ بَلْ لَا يُعْرَفُ أَحَدٌ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا يَقُولُ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ مُتَحَيِّزَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَلَا قَالُوا لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَكَذَلِكَ رُوحُ بَنِي آدَمَ الَّتِي تُفَارِقُهُ بِالْمَوْتِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ إنَّهَا مُتَحَيِّزَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَلَا قَالَ فِيهَا لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا كَانَ إثْبَاتُ هَذَا التَّحَيُّزِ لِلْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ بِدْعَةً فِي الشَّرْعِ وَبَاطِلًا فِي الْعَقْلِ فَلَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِدْعَةً وَبَاطِلًا فِي رَبِّ

    vol. 18, p. 346الْعَالِمَيْنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ عَامَّةَ مَا يَقُولُهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ وَهَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمَةُ فِي نُفُوسِ بَنِي آدَمَ وَفِي الْمَلَائِكَةِ بَاطِلٌ فَكَيْفَ بِمَا يَقُولُونَهُ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلِهَذَا تُوجَدُ الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا مَقَالَاتُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ فِي رَبِّ الْعَالَمِينَ وَفِي مَلَائِكَتِهِ وَفِي أَرْوَاحِ بَنِي آدَمَ وَفِي الْمَعَادِ وَفِي النُّبُوَّاتِ لَيْسَ فِيهَا قَوْلٌ يُطَابِقُ الْعَقْلَ وَالشَّرْعَ وَلَا يَعْرِفُونَ مَا قَالَهُ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. فَلِهَذَا يَغْلِبُ عَلَى فُضَلَائِهِمْ الْحَيْرَةُ فَإِنَّهُمْ إذَا أَنْهَوْا النَّظَرَ لَمْ يَصِلُوا إلَى عِلْمٍ. لِأَنَّ مَا نَظَرُوا فِيهِ مِنْ كَلَامِ الطَّائِفَتَيْنِ مُشْتَمِلٌ عَلَى بَاطِلٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِي فِي آخِرِ عُمْرِهِ: لَقَدْ تَأَمَّلْت الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ فَمَا رَأَيْتهَا تَشْفِي عَلِيلًا وَلَا تَرْوِي غَلِيلًا وَرَأَيْت أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ اقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ: {إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وَاقْرَأْ فِي النَّفْيِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي. وَأَمَّا مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمُتَحَيِّزَ هُوَ مَا بَايَنَ غَيْرَهُ فَانْحَازَ عَنْهُ وَلَيْسَ

    vol. 18, p. 347مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنْ الْأَجْزَاءِ الْمُنْفَرِدَةِ وَلَا أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ وَالتَّقْسِيمَ. فَإِذَا قَالَ: إنَّ الرَّبَّ مُتَحَيِّزٌ بِهَذَا الْمَعْنَى أَيْ أَنَّهُ بَائِنٌ عَنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَقَدْ أَرَادَ مَعْنًى صَحِيحًا لَكِنَّ إطْلَاقَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ بِدْعَةٌ وَفِيهَا تَلْبِيسٌ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي أَرَادَهُ لَيْسَ مَعْنَى الْمُتَحَيِّزِ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ اصْطِلَاحٌ لَهُ وَلِطَائِفَتِهِ وَفِي الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ فَصَارَ يَحْتَمِلُ مَعْنًى فَاسِدًا يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْهُ وَلَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُطْلِقَ لَفْظًا يَدُلُّ عِنْدَ غَيْرِهِ عَلَى مَعْنًى فَاسِدٍ وَيُفْهَمَ ذَلِكَ الْغَيْرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْفَاسِدَ مِنْ غَيْرِ بَيَان مُرَادِهِ؛ بَلْ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمُونَ الَّذِينَ أَرَادُوا بِالْمُتَحَيِّزِ مَا كَانَ مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ لَا تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَهُوَ مَا كَانَ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ إذَا قَالُوا إنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ أَوْ كُلَّ مُحْدَثٍ أَوْ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَهُوَ: إمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِمُتَحَيِّزٍ كَانَ جَمَاهِيرُ الْعُقَلَاءِ يُخَالِفُونَهُمْ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ وَلَا سَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مُوَافِقًا لَهُمْ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ فَكَيْفَ إذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: كُلُّ مَوْجُودٍ فَهُوَ إمَّا مُتَحَيِّزٌ وَإِمَّا قَائِمٌ بِمُتَحَيِّزِ وَأَرَادَ بِالْمُتَحَيِّزِ مَا أَرَادَهُ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ قَوْلَهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَبْعَدَ عَنْ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ مِنْ قَوْلِ أُولَئِكَ وَلِهَذَا طَالَبَهُمْ مُتَأَخِّرُوهُمْ بِالدَّلِيلِ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ. وَلَيْسَ خَطَأُ هَؤُلَاءِ مِنْ جِهَةِ مَا أَثْبَتَهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ مِنْ الْجَوَاهِرِ الْعَقْلِيَّةِ فَإِنَّ تِلْكَ قَدْ عُلِمَ بُطْلَانُهَا بِصَرِيحِ الْعَقْلِ أَيْضًا.

    vol. 18, p. 345