تنازع العلماء في أهل مكة: هو يقصرون أو يجمعون؟

1 paragraph · vol. 18, p. 479

  1. الصَّلَاةَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بمزدلفة وَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِمْ جَمِيعُ الْحُجَّاجِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ وَكُلُّهُمْ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِالْمَشَاعِرِ وَكُلُّهُمْ يَجْمَعُونَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ. وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَنَحْوِهِمْ هَلْ يَقْصُرُونَ أَوْ يَجْمَعُونَ فَقِيلَ: لَا يَقْصُرُونَ وَلَا يَجْمَعُونَ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَقِيلَ يَجْمَعُونَ وَلَا يَقْصُرُونَ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ: يَجْمَعُونَ وَيَقْصُرُونَ كَمَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَابْن عُيَيْنَة وَإِسْحَاقُ بْن رَاهَوَيْه وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد وَغَيْرُهُمْ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ فَإِنَّهُ الَّذِي فَعَلَهُ أَهْلُ مَكَّةَ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا رَيْبٍ وَلَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ بِمِنًى وَلَا عَرَفَةَ وَلَا مُزْدَلِفَةَ يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفَرٌ وَلَكِنْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ ذَلِكَ فِي جَوْفِ مَكَّةَ وَكَذَلِكَ فِي السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي جَوْفِ مَكَّةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ مَشْرُوعٌ لِكُلِّ مُسَافِرٍ وَلَوْ كَانَ سَفَرُهُ بَرِيدًا فَإِنَّ عَرَفَةَ مِنْ مَكَّةَ بَرِيدٌ: أَرْبَعُ فَرَاسِخَ وَلَمْ يُصَلِّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا خُلَفَاؤُهُ بِمَكَّةَ صَلَاةَ عِيدٍ؛ بَلْ وَلَا صَلَّى فِي أَسْفَارِهِ قَطُّ صَلَاةَ

    vol. 18, p. 480الْعِيدِ وَلَا صَلَّى بِهِمْ فِي أَسْفَارِهِ صَلَاةَ جُمْعَةٍ يَخْطُبُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَلْ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمْعَةِ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ. وَكَذَلِكَ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِعَرَفَةَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاتِهِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ فِي السَّفَرِ لَا بِعَرَفَةَ وَلَا بِغَيْرِهَا وَلَا أَنَّهُ خَطَبَ بِغَيْرِ عَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ فِي السَّفَرِ فَعُلِمَ أَنَّ الصَّوَابَ مَا عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَجَمَاهِيرُهَا مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبِعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يُصَلِّي جُمْعَةً وَلَا غَيْرَهَا وَجُمْهُورُهُمْ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عِيدًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَاءَهُ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَ إلَّا فِي الْمُقَامِ لَا فِي السَّفَرِ وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدِ إلَّا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ مَعَ الْإِمَامِ يَخْرُجُ بِهِمْ إلَى الصَّحْرَاءِ فَيُصَلِّي هُنَاكَ فَيُصَلِّي الْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ خَلْفَهُ صَلَاةَ الْعِيدِ كَمَا يُصَلُّونَ الْجُمْعَةَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُصَلِّي صَلَاةَ عِيدٍ فِي مَسْجِدِ قَبِيلَتِهِ وَلَا بَيْتِهِ كَمَا لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ جُمْعَةً فِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَكَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ يُصَلِّي صَلَاةَ عِيدٍ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ بَلْ عِيدُهُمْ بِمِنًى بَعْدَ إفَاضَتِهِمْ مِنْ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَرَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لَهُمْ كَصَلَاةِ الْعِيدِ لِسَائِرِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ يَرْمُونَ ثُمَّ يَنْحَرُونَ وَسَائِرُ أَهْلِ

    vol. 18, p. 481الْأَمْصَارِ يُصَلُّونَ ثُمَّ يَنْحَرُونَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَفَاضَ مِنْ مِنًى نَزَلَ بِالْمُحَصَّبِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ هَلْ التَّحْصِيبُ سُنَّةٌ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي قَصْدِهِ هَلْ قَصَدَ النُّزُولَ بِهِ أَوْ نَزَلَ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَقَاصِدَ كَانَتْ مُعْتَبَرَةً عِنْدَهُمْ فِي الْمُتَابَعَةِ. وَلَمَّا اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَكَانَتْ مَكَّةُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لَمْ تُفْتَحْ بَعْدُ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ قَالُوا: يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ وَقَعَدَ الْمُشْرِكُونَ خَلْفَ قعيقعان وَهُوَ جَبَلُ الْمَرْوَةِ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُرْمِلُوا ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ مِنْ الطَّوَافِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ وَقُوَّتَهُمْ وَرُوِيَ أَنَّهُ دَعَا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يُرْمِلُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ فَكَانَ الْمَقْصُودُ بِالرَّمَلِ إذْ ذَاكَ مِنْ جِنْسِ الْمَقْصُودِ بِالْجِهَادِ. فَظَنَّ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ لِأَنَّهُ فُعِلَ لِقَصْدٍ وَزَالَ؛ لَكِنْ ثَبَتَ {فِي الصَّحِيح أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمَّا حَجُّوا رَمَلُوا مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَكَمَّلُوا الرَّمَلَ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ} وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فَعَلُوهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ وَفِعْلُ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَعَ الْأَمْنِ الْعَامِّ فَإِنَّهُ لَمْ يَحُجَّ مَعَهُ إلَّا مُؤْمِنٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّمَلَ صَارَ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ فُعِلَ أَوَّلًا لِمَقْصُودِ الْجِهَادِ ثُمَّ شُرِعَ نُسُكًا كَمَا رُوِيَ فِي سَعْيِ هَاجَرَ وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَفِي ذَبْحِ الْكَبْشِ:

    vol. 18, p. 479