معنى أن الله قدر المقادير قبل خلق السموات والأرض
5 paragraphs · vol. 19, p. 232
- vol. 19, p. 232
وَقَوْلُهُ: " بَدَأَ الْخَلْقَ " مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: " {قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} " فَإِنَّ الْخَلَائِقَ هُنَا الْمُرَادُ بِهَا الْخَلَائِقُ الْمَعْرُوفَةُ الْمَخْلُوقَةُ بَعْدَ خَلْقِ الْعَرْشِ وَكَوْنِهِ عَلَى الْمَاءِ. وَلِهَذَا كَانَ التَّقْدِيرُ لِلْمَخْلُوقَاتِ هُوَ التَّقْدِيرُ لِخَلْقِ هَذَا الْعَالَمِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْقَلَمِ: {إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اُكْتُبْ قَالَ: وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اُكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " {إنَّ اللَّهَ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} " وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الصَّحِيحِ: " {كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ} " يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ كَتَبَ كُلَّ مَا أَرَادَ خَلْقَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ لَفْظَ كُلِّ شَيْءٍ يَعُمُّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِ مَا سِيقَتْ لَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} و {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وَقَوْلِهِ: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} وَ {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} وَ {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} وَأَخْبَرَتْ الرُّسُلُ بِتَقَدُّمِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} . {سَمِيعًا بَصِيرًا} . {غَفُورًا رَحِيمًا} وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " كَانَ وَلَا يَزَالُ " . وَلَمْ يُقَيِّدْ كَوْنَهُ بِوَقْتِ دُونَ وَقْتٍ
vol. 19, p. 233وَيَمْتَنِعُ أَنْ يُحْدِثَ لَهُ غَيْرُهُ صِفَةً بَلْ يَمْتَنِعُ تَوَقُّفُ شَيْءٍ مِنْ لَوَازِمِهِ عَلَى غَيْرِهِ سُبْحَانَهُ فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِغَايَةِ الْكَمَالِ وَذَاتُهُ هِيَ الْمُسْتَوْجِبَةُ لِذَلِكَ. فَلَا يَتَوَقَّفُ شَيْءٌ مِنْ كَمَالِهِ وَلَوَازِمِ كَمَالِهِ عَلَى غَيْرِهِ بَلْ نَفْسُهُ الْمُقَدَّسَةُ وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى ذَلِكَ أَزَلًا وَأَبَدًا وَهُوَ الَّذِي يَحْمَدُ نَفْسَهُ وَيُثْنِي عَلَيْهَا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ. وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ بَلْ هُوَ نَفْسُهُ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ كَمَا قَالَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك وَأَعُوذُ بِك مِنْك لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك؛ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك} . وَإِذَا قِيلَ: لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا ثُمَّ تَكَلَّمَ أَوْ قِيلَ: كَانَ الْكَلَامُ مُمْتَنِعًا ثُمَّ صَارَ مُمْكِنًا لَهُ كَانَ هَذَا مَعَ وَصْفِهِ لَهُ بِالنَّقْصِ فِي الْأَزَلِ وَأَنَّهُ تَجَدَّدَ لَهُ الْكَمَالُ وَمَعَ تَشْبِيهِهِ لَهُ بِالْمَخْلُوقِ الَّذِي يَنْتَقِلُ مِنْ النَّقْصِ إلَى الْكَمَالِ: مُمْتَنِعًا؛ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يَصِيرُ مُمْكِنًا بِلَا سَبَبٍ وَالْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا شَيْءَ فِيهِ فَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمُمْتَنِعُ فِيهِ يَصِيرُ مُمْكِنًا بِلَا سَبَبٍ حَادِثٍ. وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: كَلَامُهُ كُلُّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ لَازِمٌ لِذَاتِهِ لَيْسَ لَهُ فِيهِ قُدْرَةٌ وَلَا مَشِيئَةٌ كَانَ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَعْطِيلًا لِلْكَلَامِ وَجَمْعًا بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ إذْ هُوَ إثْبَاتٌ لِمَوْجُودِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ بَلْ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مَعَ أَنَّهُ لَا مَدْحَ فِيهِ وَلَا كَمَالَ.
- vol. 19, p. 234
وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ: كَلَامُهُ كُلُّهُ قَدِيمُ الْعَيْنِ وَهُوَ حُرُوفٌ وَأَصْوَاتٌ قَدِيمَةٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ لَيْسَ لَهُ فِيهِ قُدْرَةٌ وَلَا مَشِيئَةٌ. كَانَ هَذَا مَعَ مَا يَظْهَرُ مِنْ تَنَاقُضِهِ وَفَسَادِهِ فِي الْمَعْقُولِ لَا كَمَالَ فِيهِ إذْ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ وَلَا قُدْرَتِهِ وَلَا إذَا شَاءَهُ. أَمَّا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: لَيْسَ كَلَامُهُ إلَّا مَا يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ. فَهَذَا تَعْطِيلٌ لِلْكَلَامِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ كَمَا قَالَ ذَلِكَ قُدَمَاءُ الْجَهْمِيَّة وَهُوَ سَلْبٌ لِلصِّفَاتِ؛ إذْ فِيهِ مِنْ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ حَيْثُ أَثْبَتُوا الْكَلَامَ الْمَعْرُوفَ وَنَفَوْا لَوَازِمَهُ - مَا يَظْهَرُ بِهِ أَنَّهُ مِنْ أَفْسَدِ أَقْوَالِ الْعَالَمِينَ بِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا أَنَّهُ يَأْمُرُ وَيُنْهِي؛ وَيُخْبِرُ وَيُبَشِّرُ؛ وَيُنْذِرُ وَيُنَادِي؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ وَيُحِبُّ وَيُبْغِضُ؛ وَيَغْضَبُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَفِي هَذَا مِنْ مُخَالَفَةِ صَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَنْقُولِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ هَذَا الْعَالَمِ فَهُمْ أَبْعَدُ عَنْ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ؛ وَلِهَذَا أَنْكَرُوا الْكَلَامَ الْقَائِمَ بِذَاتِهِ وَاَلَّذِي يَخْلُقُهُ فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ عِنْدَهُمْ إلَّا مَا يَحْدُثُ فِي النُّفُوسِ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ والمتخيلات وَهَذَا مَعْنَى تَكْلِيمِهِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَهُمْ فَعَادَ التَّكْلِيمُ إلَى مُجَرَّدِ عِلْمِ الْمُكَلِّمِ. ثُمَّ إذَا قَالُوا مَعَ ذَلِكَ: إنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ فَلَا عِلْمَ وَلَا إعْلَامَ وَهَذَا غَايَةُ التَّعْطِيلِ وَالنَّقْصِ وَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ قَطُّ
vol. 19, p. 235عَلَى قِدَمِ شَيْءٍ مِنْ الْعَالَمِ بَلْ حُجَجُهُمْ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى قِدَمِ نَوْعِ الْفِعْلِ؛ وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ الْفَاعِلُ فَاعِلًا أَوْ لَمْ يَزَلْ لِفِعْلِهِ مُدَّةٌ؛ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ لِلْمَادَّةِ مَادَّةٌ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى قِدَمِ الْفَلَكِ وَلَا قِدَمَ شَيْءٍ مِنْ حَرَكَاتِهِ؛ وَلَا قِدَمَ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ حَرَكَةِ الْفَلَكِ. وَالرُّسُلُ أَخْبَرَتْ بِخَلْقِ الْأَفْلَاكِ وَخَلْقِ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ حَرَكَتِهَا مَعَ إخْبَارِهَا بِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ مَادَّةٍ قَبْلَ ذَلِكَ وَفِي زَمَانٍ قَبْلَ هَذَا الزَّمَانِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَسَوَاءٍ قِيلَ: أَنَّ تِلْكَ الْأَيَّامَ بِمِقْدَارِ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُقَدَّرَةِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا؛ أَوْ قِيلَ: إنَّهَا أَكْبَرُ مِنْهَا كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرُهُ أَلْفُ سَنَةٍ فَلَا رَيْبَ أَنَّ تِلْكَ الْأَيَّامَ الَّتِي خُلِقَتْ فِيهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ غَيْرُ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَغَيْرُ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ مِقْدَارُ حَرَكَةِ هَذِهِ الْأَفْلَاكِ. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ مُقَدَّرَةٌ بِحَرَكَةِ أَجْسَامٍ مَوْجُودَةٍ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ. وَقَدْ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ {اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} فَخُلِقَتْ مِنْ الدُّخَانِ وَقَدْ جَاءَتْ الْآثَارُ عَنْ السَّلَفِ إنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ بُخَارِ الْمَاءِ؛ وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ الْعَرْشُ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي مُدَّةٍ وَمِنْ مَادَّةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقُرْآنُ خَلْقَ شَيْءٍ
vol. 19, p. 236مِنْ لَا شَيْءٍ بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا كَمَا قَالَ: {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا} مَعَ إخْبَارِهِ أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ. وَقَوْلُهُ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} فِيهَا قَوْلَانِ. فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ بَلْ مِنْ الْعَدَمِ الْمَحْضِ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} . وَقِيلَ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ؟ وَهَذَا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: {أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّقْسِيمَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ؟ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ لَقَالَ: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ؟ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَا خَالِقُهُمْ لَا مَادَّتُهُمْ. وَلِأَنَّ كَوْنَهُمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ مَادَّةٍ لَيْسَ فِيهِ تَعْطِيلُ وُجُودِ الْخَالِقِ فَلَوْ ظَنُّوا ذَلِكَ لَمْ يَقْدَحْ فِي إيمَانِهِمْ بِالْخَالِقِ بَلْ دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يَظُنُّوا ذَلِكَ وَلَا يُوَسْوِسُ الشَّيْطَانُ لِابْنِ آدَمَ بِذَلِكَ بَلْ كُلُّهُمْ يَعْرِفُونَ
- vol. 19, p. 237
أَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَلِأَنَّ اعْتِرَافَهُمْ بِذَلِكَ لَا يُوجِبُ إيمَانَهُمْ وَلَا يَمْنَعُ كُفْرَهُمْ. وَالِاسْتِفْهَامُ اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ مَقْصُودُهُ تَقْرِيرُهُمْ إنَّهُمْ لَمْ يُخْلَقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ فَإِذَا أَقَرُّوا بِأَنَّ خَالِقًا خَلَقَهُمْ نَفَعَهُمْ ذَلِكَ وَأَمَّا إذَا أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ مَادَّةٍ لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا.
-
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ الْإِقْرَارَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَتَكَلَّمُ بِمَا يَشَاءُ هُوَ وَصْفُ الْكَمَالِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ؛ وَمَا سِوَى ذَلِكَ نَقْصٌ يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهُ فَإِنَّ كَوْنَهُ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا ثُمَّ صَارَ قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ أَوْ الْفِعْلِ مَعَ أَنَّهُ وَصْفٌ لَهُ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ نَاقِصًا عَنْ صِفَةِ الْقُدْرَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ وَاَلَّتِي هِيَ مِنْ أَظْهَرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي الْعَقْلِ بِالْبُرْهَانِ الْيَقِينِيِّ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا ثُمَّ صَارَ قَادِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ جَعَلَهُ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إلَّا الْعَدَمُ الْمَحْضُ امْتَنَعَ أَنْ يَصِيرَ قَادِرًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ وَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَصِيرَ عَالِمًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ هَذَا بِخِلَافِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّهُ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ وَلَا قَادِرٍ ثُمَّ جَعَلَهُ غَيْرُهُ عَالِمًا قَادِرًا وَكَذَلِكَ إذَا قَالُوا: كَانَ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ ثُمَّ صَارَ مُتَكَلِّمًا. وَهَذَا مِمَّا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد عَلَى الْجَهْمِيَّة؛ إذْ جَعَلُوهُ كَانَ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ ثُمَّ صَارَ مُتَكَلِّمًا. قَالُوا: كَالْإِنْسَانِ قَالَ: فَقَدْ جَمَعْتُمْ بَيْنَ تَشْبِيهٍ وَكُفْرٍ. وَقَدْ حَكَيْت أَلْفَاظَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
- vol. 19, p. 238
وَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: كَانَ فِي الْأَزَلِ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَخْلُقَ فِيمَا لَا يَزَالُ كَانَ هَذَا كَلَامًا مُتَنَاقِضًا لِأَنَّهُ فِي الْأَزَلِ عِنْدَهُمْ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ وَمَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْفِعْلُ فِي الْأَزَلِ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا فِي الْأَزَلِ؛ فَإِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِهِ قَادِرًا وَبَيْنَ كَوْنِ الْمَقْدُورِ مُمْتَنِعًا جَمْعٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فَإِنَّهُ فِي حَالِ امْتِنَاعِ الْفِعْلِ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا. وَأَيْضًا يَكُونُ الْفِعْلُ يَنْتَقِلُ مِنْ كَوْنِهِ مُمْتَنِعًا إلَى كَوْنِهِ مُمْكِنًا بِغَيْرِ سَبَبٍ مُوجِبٍ يُحَدِّدُ ذَلِكَ وَعَدَمٍ مُمْتَنِعٍ. وَأَيْضًا فَمَا مِنْ حَالٍ يُقَدِّرُهَا الْعَقْلُ إلَّا وَالْفِعْل فِيهَا مُمْكِنٌ وَهُوَ قَادِرٌ وَإِذَا قُدِّرَ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئًا شَاءَهُ اللَّهُ فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ قَادِرًا وَالْفِعْلُ مُمْكِنًا؛ وَلَيْسَ لِقُدْرَتِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ الْفِعْلِ أَوَّلَ فَلَمْ يَزَلْ قَادِرًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ فَلَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ قَطُّ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الْأَزَلِ وَالْأَزَلُ لَيْسَ شَيْئًا مَحْدُودًا يَقِفُ عِنْدَهُ الْعَقْلُ بَلْ مَا مِنْ غَايَةٍ يَنْتَهِي إلَيْهَا تَقْدِيرُ الْفِعْلِ إلَّا وَالْأَزَلُ قَبْلَ ذَلِكَ بِلَا غَايَةٍ مَحْدُودَةٍ حَتَّى لَوْ فُرِضَ وُجُودُ مَدَائِنَ أَضْعَافِ مَدَائِنِ الْأَرْضِ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مِنْ الْخَرْدَلِ مَا يَمْلَؤُهَا؛ وَقُدِّرَ إنَّهُ كُلَّمَا مَضَتْ أَلْفُ أَلْفُ سَنَةٍ فَنِيَتْ خَرْدَلَةٌ فَنَى الْخَرْدَلُ كُلُّهُ وَالْأَزَلُ لَمْ يَنْتَهِ وَلَوْ قُدِّرَ أَضْعَافُ ذَلِكَ أَضْعَافًا لَا يَنْتَهِي. فَمَا مِنْ وَقْتٍ يُقَدَّرُ إلَّا وَالْأَزَلُ قَبْلَ ذَلِكَ.