تنازع العلماء فيمن لم يصب الحكم الباطن
2 paragraphs · vol. 20, p. 125
- vol. 20, p. 125
هَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ ذَاكَ هُوَ مُرَادُ اللَّهِ وَمَأْمُورُهُ؛ فَإِنَّ عَجْزَ الْإِنْسَانِ عَنْ فَهْمِ كَلَامِ الْعَالِمِ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرَادَ بِكَلَامِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَأَنْ يَكُونَ الَّذِي فَهِمَهُ هُوَ الْمُصِيبُ الَّذِي لَهُ الْأَجْرَانِ. وَلِهَذَا تَنَازَعَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ لَمْ يُصِبْ الْحُكْمَ الْبَاطِنَ: هَلْ يُقَالُ: إنَّهُ مُصِيبٌ فِي الظَّاهِرِ؛ لِكَوْنِهِ أَدَّى الْوَاجِبَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ مِنْ اجْتِهَادِهِ وَاقْتِصَارِهِ؟ أَوْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِصَابَةِ بِحَالِ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ وَقَصْدِهِ الْحَقَّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يُصِبْ الْحُكْمَ الْبَاطِنَ وَلَكِنْ قَصَدَ الْحَقَّ وَهَلْ اجْتَهَدَ الِاجْتِهَادَ الْمَأْمُورَ بِهِ؟ التَّحْقِيقُ: أَنَّهُ اجْتَهَدَ الِاجْتِهَادَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُصِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُورِ الْمَقْدُورِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا مِنْ جِهَةِ إدْرَاكِ الْمَطْلُوبِ وَفِعْلُ الْمَأْمُورِ الْمُطْلَقِ. يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ نَوْعَانِ: سُلْطَانُ الْحُجَّةِ وَالْعِلْمِ وَهُوَ أَكْثَرُ مَا سُمِّيَ فِي الْقُرْآنِ سُلْطَانًا حَتَّى رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ كُلَّ سُلْطَانٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ الْحُجَّةُ. وَالثَّانِي سُلْطَانُ الْقُدْرَةِ. وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ لَا يَقُومُ إلَّا بِالسُّلْطَانَيْنِ فَإِذَا ضَعُفَ سُلْطَانُ الْحُجَّةِ كَانَ الْأَمْرُ بِقَدْرِهِ وَإِذَا ضَعُفَ سُلْطَانُ الْقُدْرَةِ كَانَ الْأَمْرُ بِحَسَبِهِ وَالْأَمْرُ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ عَلَى السُّلْطَانَيْنِ فَالْإِثْمُ يَنْتَفِي عَنْ الْأَمْرِ بِالْعَجْزِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا. وَسُلْطَانُ اللَّهِ فِي الْعِلْمِ هُوَ الرِّسَالَةُ وَهُوَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
vol. 20, p. 126{لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} وَقَالَ تَعَالَى: {إنْ هِيَ إلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} وَقَالَ: {أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ} وَنَظَائِرُهُ مُتَعَدِّدَةٌ. فَالْمَذَاهِبُ وَالطَّرَائِقُ وَالسِّيَاسَاتُ لِلْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ وَالْأُمَرَاءِ إذَا قَصَدُوا بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الْأَهْوَاءِ لِيَكُونُوا مُسْتَمْسِكِينَ بِالْمِلَّةِ وَالدِّينِ الْجَامِعِ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَاتَّبَعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ مِنْ الْكِتَاب وَالسُّنَّةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ التَّامِّ: هِيَ لَهُمْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْعِ وَالْمَنَاهِجِ لِلْأَنْبِيَاءِ وَهُمْ مُثَابُونَ عَلَى ابْتِغَائِهِمْ وَجْهَ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَهُوَ الدِّينُ الْأَصْلِيُّ الْجَامِعُ كَمَا يُثَابُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى عِبَادَتِهِمْ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيُثَابُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فِيمَا تَمَسَّكُوا بِهِ لَا مِنْ شِرْعَةِ رَسُولِهِ وَمِنْهَاجِهِ كَمَا يُثَابُ كُلُّ نَبِيٍّ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِي شَرْعِهِ وَمِنْهَاجِهِ. وَيَتَنَوَّعُ شَرْعُهُمْ وَمَنَاهِجُهُمْ مِثْلَ أَنْ يُبَلِّغَ أَحَدُهُمْ الْأَحَادِيثَ بِأَلْفَاظٍ غَيْرَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي بَلَغَتْ الْآخَرَ وَتُفَسَّرَ لَهُ بَعْضُ آيَاتِ الْقُرْآنِ بِتَفْسِيرٍ يُخَالِفُ لَفْظُهُ لَفْظَ التَّفْسِيرِ الْآخَرِ وَيَتَصَرَّفَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ النُّصُوصِ وَاسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا بِنَوْعٍ مِنْ التَّرْتِيبِ وَالتَّوْفِيقِ لَيْسَ هُوَ النَّوْعَ
vol. 20, p. 127الَّذِي سَلَكَهُ غَيْرُهُ وَكَذَلِكَ فِي عِبَادَاتِهِ وَتَوَجُّهَاتِهِ وَقَدْ يَتَمَسَّكُ هَذَا بِآيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ وَهَذَا بِحَدِيثٍ أَوْ آيَةٍ أُخْرَى. وَكَذَلِكَ فِي الْعِلْمِ. مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْلُكُ بِالِاتِّبَاعِ طَرِيقَةَ ذَلِكَ الْعَالِمِ فَتَكُونُ هِيَ شَرْعَهُمْ حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَ غَيْرِهِ وَيَرَوْا طَرِيقَتَهُ فَيُرَجِّحُ الرَّاجِحَ مِنْهُمَا فَتَتَنَوَّعُ فِي حَقِّهِمْ الْأَقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ السَّالِفَةُ لَهُمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِأَنْ يُقِيمُوا الدِّينَ وَلَا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَمَا أُمِرَتْ الرُّسُلُ بِذَلِكَ وَمَأْمُورُونَ بِأَنْ لَا يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْأُمَّةِ بَلْ هِيَ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا أُمِرَتْ الرُّسُلُ بِذَلِكَ وَهَؤُلَاءِ آكَد؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَجْمَعُهُمْ الشَّرِيعَةُ الْوَاحِدَةُ وَالْكِتَابُ الْوَاحِدُ. وَأَمَّا الْقَدْرُ الَّذِي تَنَازَعُوا فِيهِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ اللَّهَ أَمَرَ كُلًّا مِنْهُمْ بَاطِنًا وَظَاهِرًا بِالتَّمَسُّكِ بِهَا هُوَ عَلَيْهِ كَمَا أُمِرَ بِذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ وَإِنْ كَانَ هَذَا قَوْلَ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ فَإِنَّمَا يُقَالُ: إنَّ اللَّهَ أَمَرَ كُلًّا مِنْهُمْ أَنْ يَطْلُبَ الْحَقَّ بِقَدْرِ وُسْعِهِ وَإِمْكَانِهِ فَإِنْ أَصَابَهُ وَإِلَّا فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَقَدْ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وَقَالَ اللَّهُ: قَدْ فَعَلْت وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ} فَمَنْ ذَمَّهُمْ وَلَامَهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُؤَاخِذْهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَدْ اعْتَدَى وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أَقْوَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْمَعْصُومِ وَفِعْلِهِ وَيَنْتَصِرُ لَهَا بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ فَقَدْ اعْتَدَى وَاتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى
- vol. 20, p. 128
مِنْ اللَّهِ وَمَنْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ بِحَسَبِ حَالِهِ: مِنْ اجْتِهَادٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَوْ تَقْلِيدٍ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاجْتِهَادِ؛ وَسَلَكَ فِي تَقْلِيدِهِ مَسْلَكَ الْعَدْلِ فَهُوَ مُقْتَصِدٌ. إذْ الْأَمْرُ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا} فَعَلَى الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَنْ يُسَلِّمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَيَدُومَ عَلَى هَذَا الْإِسْلَامِ فَإِسْلَامُ وَجْهِهِ إخْلَاصُهُ لِلَّهِ وَإِحْسَانُ فِعْلِهِ الْحَسَنِ. فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ أَصْلٌ جَامِعٌ نَافِعٌ عَظِيمٌ.