فصل: في أن الاعتقادات قد تؤثر في الأحكام الشرعية، والناس في ذلك طرفان ووسط

1 paragraph · vol. 20, p. 149

  1. وَأَمَّا الْأَحْكَامُ وَالِاعْتِقَادَاتُ وَالْأَقْوَالُ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي يَتْبَعُهَا الْمَحْكُومُ فَهِيَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالتَّحْسِينُ وَالتَّقْبِيحُ وَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ وَيُسَمِّيهَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَتُسَمَّى الْفُرُوعُ وَالْفِقْهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَهَذِهِ تَكُونُ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ وَتَكُونُ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ السِّيَاسَاتِ وَالصِّنَاعَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهِيَ الَّتِي قَصَدْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ حَيْثُ قُلْنَا: إنَّ الِاعْتِقَادَاتِ قَدْ تُؤَثِّرُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَهَذِهِ أَيْضًا النَّاسُ فِيهَا طَرَفَانِ وَوَسَطٌ:

    الطَّرَفُ الْأَوَّلُ: طَرَفُ الزَّنَادِقَةِ الْإِبَاحِيَّةِ الْكَافِرَةِ بِالشَّرَائِعِ وَالْوَعِيدِ وَالْعِقَابِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ تَتْبَعُ الِاعْتِقَادَ مُطْلَقًا وَالِاعْتِقَادَ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِيهَا فَلَا يَكُونُ الشَّيْءُ وَاجِبًا إلَّا عِنْدَ مَنْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ (*) وَيَرَوْنَ أَنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي يَلْحَقُ هَؤُلَاءِ هُوَ عَذَابُ نُفُوسِهِمْ بِمَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ وَمَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ أَنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرَكُوا الْوَاجِبَاتِ عُذِّبُوا وَعُوقِبُوا فَيَبْقَى فِي

    vol. 20, p. 150نُفُوسِهِمْ خَوْفٌ وَتَأَلُّمٌ وَتَوَهُّمٌ لِلْعَذَابِ وَتَخَيُّلٌ لَهُ فَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا الْأَلَمَ النَّاشِئَ عَنْ هَذَا الِاعْتِقَادِ وَالتَّخَيُّلِ هُوَ عِقَابُهُمْ وَعَذَابُهُمْ وَذَاكَ نَاشِئٌ عَمَّا اعْتَقَدُوهُ كَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ هُنَا أَسَدًا أَوْ لِصًّا أَوْ قَاطِعَ طَرِيقٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ فَيَتَأَلَّمُ وَيَتَضَرَّرُ بِخَوْفِهِ مِنْ هَذَا الْمَحْذُورِ الَّذِي اعْتَقَدَهُ. فَاجْتَمَعَ اعْتِقَادٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ وَمُعْتَقَدٌ يُؤْلِمُ وُجُودُهُ فَتَأَلَّمَتْ النَّفْسُ بِهَذَا الِاعْتِقَادِ وَالتَّخَيُّلِ. وَقَدْ يَقُولُ حُذَّاقُ هَؤُلَاءِ مِنْ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَالْقَرَامِطَةِ وَقَوْمٍ يَتَصَوَّفُونَ أَوْ يَتَكَلَّمُونَ وَهُمْ غَالِيَةُ الْمُرْجِئَةِ: إنَّ الْوَعِيدَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْكُتُبُ الْإِلَهِيَّةُ إنَّمَا هُوَ تَخْوِيفٌ لِلنَّاسِ لِتَنْزَجِرَ عَمَّا نُهِيَتْ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ بِمَنْزِلَةِ مَا يُخَوِّفُ الْعُقَلَاءُ الصِّبْيَانَ وَالْبُلْهَ بِمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ لِتَأْدِيبِهِمْ وَبِمَنْزِلَةِ مُخَادَعَةِ الْمُحَارِبِ لِعَدُوِّهِ إذَا أَوْهَمَهُ أَمْرًا يَخَافُهُ لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ أَوْ لِيَتَمَكَّنَ هُوَ مِنْ عَدُوِّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْكُفَّارُ بِرُسُلِ اللَّهِ وَكُتُبِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمُنْكِرُونَ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَمَا ضَرَبَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَمْثَالِ وَقَصَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ لِلرُّسُلِ فَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِهَؤُلَاءِ وَيَكْفِي مَا عَاقَبَ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَثُلَاتِ؛ فَإِنَّهُ أَمْرٌ مَحْسُوسٌ مُشَاهَدٌ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَمَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا قَدْ سَمِعَ مِنْ ذَلِكَ أَنْوَاعًا أَوْ رَأَى بَعْضَهُ. وَأَهْلُ الْأَرْضِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الصَّادِقَ الْبَارَّ الْعَادِلَ لَيْسَ حَالُهُ كَحَالِ

    vol. 20, p. 149