قول أهل العلم والإيمان في الرسل وبيانهم

3 paragraphs · vol. 20, p. 157

  1. وَأَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ لَمَّا ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ طُرُقَ النَّاسِ فِي التَّأْوِيلِ؛ وَأَنَّ الْفَلَاسِفَةَ زَادُوا فِيهِ حَتَّى انْحَلُّوا؛ وَإِنَّ الْحَقَّ بَيَّنَ جُمُودَ الْحَنَابِلَةِ وَبَيَّنَ انْحِلَالَ الْفَلَاسِفَةِ؛ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ بَلْ تَعْرِفُ الْحَقَّ بِنُورٍ يُقْذَفُ فِي قَلْبِك؛ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي السَّمْعِ: فَمَا وَافَقَ ذَلِكَ قَبِلْته وَإِلَّا فَلَا. وَكَانَ مَقْصُودُهُ بِالْفَلَاسِفَةِ الْمُتَأَوِّلِينَ خِيَارَ الْفَلَاسِفَةِ وَهُمْ الَّذِينَ يُعَظِّمُونَ الرَّسُولَ عَنْ أَنْ يَكْذِبَ لِلْمَصْلَحَةِ وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ وَقَعُوا فِي نَظِيرِ مَا فَرُّوا مِنْهُ نَسَبُوهُ إلَى التَّلْبِيسِ وَالتَّعْمِيَةِ وَإِضْلَالِ الْخَلْقِ بَلْ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْبَاطِلُ وَيُكْتَمُ الْحَقُّ. وَابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ لَمَّا عَرَفُوا أَنَّ كَلَامَ الرَّسُولِ لَا يَحْتَمِلُ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الْفَلْسَفِيَّةَ؛ بَلْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ أَرَادَ مَفْهُومَ الْخِطَابِ: سَلَكَ مَسْلَكَ التَّخْيِيلِ وَقَالَ: إنَّهُ خَاطَبَ الْجُمْهُورَ بِمَا يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ؛ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْحَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ. فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ الرُّسُلَ كَذَبُوا لِلْمَصْلَحَةِ. وَهَذَا طَرِيقُ ابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْبَاطِنِيَّةِ فَاَلَّذِينَ عَظَّمُوا الرُّسُلَ مِنْ هَؤُلَاءِ عَنْ الْكَذِبِ نَسَبُوهُمْ إلَى التَّلْبِيسِ وَالْإِضْلَالِ وَاَلَّذِينَ أَقَرُّوا بِأَنَّهُمْ بَيَّنُوا الْحَقَّ قَالُوا: إنَّهُمْ كَذَبُوا لِلْمَصْلَحَةِ.

    vol. 20, p. 157
  2. وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ فَمُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ لَمْ يَقُولُوا إلَّا

    vol. 20, p. 158الْحَقَّ وَأَنَّهُمْ بَيَّنُوهُ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِالْحَقِّ فَهُمْ الصَّادِقُونَ الْمَصْدُوقُونَ عَلِمُوا الْحَقَّ وَبَيَّنُوهُ فَمَنْ قَالَ: إنَّهُمْ كَذَبُوا لِلْمَصْلَحَةِ فَهُوَ مِنْ إخْوَانِ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ لَكِنَّ هَذَا لَمَّا رَأَى مَا عَمِلُوا مِنْ الْخَيْرِ وَالْعَدْلِ فِي الْعَالَمِ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقُولَ: كَذَبُوا لِطَلَبِ الْعُلُوِّ وَالْفَسَادِ بَلْ قَالَ: كَذَبُوا لِمَصْلَحَةِ الْخَلْقِ. كَمَا يُحْكَى عَنْ ابْنِ التومرت وَأَمْثَالِهِ. وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالسَّاحِرِ إلَّا مِنْ جِهَةِ حُسْنِ الْقَصْدِ فَإِنَّ النَّبِيَّ يَقْصِدُ الْخَيْرَ وَالسَّاحِرَ يَقْصِدُ الشَّرَّ وَإِلَّا فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا خَوَارِقُ هِيَ عِنْدَهُمْ قُوَى نَفْسَانِيَّةٌ وَكِلَاهُمَا عِنْدَهُمْ يَكْذِبُ؛ لَكِنَّ السَّاحِرَ يَكْذِبُ لِلْعُلُوِّ وَالْفَسَادِ وَالنَّبِيُّ عِنْدَهُمْ يَكْذِبُ لِلْمَصْلَحَةِ؛ إذْ لَمْ يُمْكِنْهُ إقَامَةُ الْعَدْلِ فِيهِمْ إلَّا بِنَوْعٍ مِنْ الْكَذِبِ. وَاَلَّذِينَ عَلِمُوا أَنَّ النُّبُوَّةَ تُنَاقِضُ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ وَأَنَّ النَّبِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا صَادِقًا مِنْ هَؤُلَاءِ قَالُوا: إنَّهُمْ لَمْ يُبَيِّنُوا الْحَقَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا: سَكَتُوا عَنْ بَيَانِهِ لَكَانَ أَقَلَّ إلْحَادًا لَكِنْ قَالُوا: إنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِمَا يَظْهَرُ مِنْهُ لِلنَّاسِ الْبَاطِلُ وَلَمْ يُبَيِّنُوا لَهُمْ الْحَقَّ فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ شَيْئَيْنِ: بَيْنَ كِتْمَانِ حَقٍّ لَمْ يُبَيِّنُوهُ؛ وَبَيْنَ إظْهَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَاطِلِ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَقْصِدُوا الْبَاطِلَ فَجَعَلُوا كَلَامَهُمْ مِنْ جِنْسِ الْمَعَارِيضِ الَّتِي يَعْنِي بِهَا الْمُتَكَلِّمُ مَعْنًى صَحِيحًا لَكِنْ لَا يَفْهَمُ الْمُسْتَمِعُ مِنْهَا إلَّا الْبَاطِلَ. وَإِذَا قَالُوا: قَصَدُوا التَّعْرِيضَ كَانَ أَقَلَّ إلْحَادًا مِمَّنْ قَالَ: إنَّهُمْ قَصَدُوا الْكَذِبَ.

  3. وَالتَّعْرِيضُ نَوْعٌ مِنْ الْكَذِبِ؛ إذْ كَانَ كَذِبًا فِي الْأَفْهَامِ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إنَّ إبْرَاهِيمَ لَمْ يَكْذِبْ إلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ كُلُّهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ} وَهِيَ مَعَارِيضُ كَقَوْلِهِ عَنْ سَارَّةَ: إنَّهَا أُخْتِي؛ إذْ كَانَ لَيْسَ هُنَاكَ مُؤْمِنٌ إلَّا هُوَ وَهِيَ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إنَّ كَلَامَ إبْرَاهِيمَ وَعَامَّةِ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّا أَخْبَرُوا بِهِ عَنْ الْغَيْبِ كَذِبٌ مِنْ الْمَعَارِيضِ. وَأَمَّا جُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ فَلَا يَقُولُونَ بِهَذَا بَلْ يَقُولُونَ: قَصَدُوا الْبَيَانَ دُونَ التَّعْرِيضِ. لَكِنْ مَعَ هَذَا يَقُولُ الْجَهْمِيَّة وَنَحْوُهُمْ: إنَّ بَيَانَ الْحَقِّ لَيْسَ فِي خِطَابِهِمْ بَلْ إنَّمَا فِي خِطَابِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْبَاطِلِ. والمتكلمون مِنْ الْجَهْمِيَّة وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ سَلَكَ فِي إثْبَاتِ الصَّانِعِ طَرِيقَ الْأَعْرَاضِ يَقُولُونَ: إنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُبَيِّنُوا أُصُولَ الدِّينِ بَلْ وَلَا الرَّسُولُ: إمَّا لِشَغْلِهِمْ بِالْجِهَادِ؛ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَبَيَّنَّا أَنَّ أُصُولَ الدِّينِ الْحَقِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِ كِتَابَهُ وَأَرْسَلَ بِهِ رَسُولَهُ وَهِيَ الْأَدِلَّةُ وَالْبَرَاهِينُ وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ: قَدْ بَيَّنَهَا الرَّسُولُ أَحْسَنَ بَيَانٍ وَأَنَّهُ دَلَّ النَّاسَ وَهَدَاهُمْ إلَى الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْيَقِينِيَّةِ الَّتِي بِهَا يَعْلَمُونَ الْمَطَالِبَ الْإِلَهِيَّةَ وَبِهَا يَعْلَمُونَ إثْبَاتَ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ وَوَحْدَانِيِّتِهِ

    vol. 20, p. 159