القرآن مستقل بنفسه وقد اشتمل على ما في الكتب السابقة من المحاسن وزيادات

2 paragraphs · vol. 20, p. 184

  1. إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجَانِ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ النَّجَاشِيُّ. فَالْقُرْآنُ وَالتَّوْرَاةُ هُمَا كِتَابَانِ جَاءَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَأْتِ مِنْ عِنْدِهِ كِتَابٌ أَهْدَى مِنْهُمَا كُلٌّ مِنْهُمَا أَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ وَاَلَّذِي فِيهِمَا دِينٌ وَاحِدٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَمْرَ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَفِيهِ التَّوْحِيدُ قَوْلًا وَعَمَلًا كَمَا فِي سُورَتَيْ الْإِخْلَاصِ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} . وَأَمَّا الزَّبُورُ فَإِنَّ دَاوُد لَمْ يَأْتِ بِغَيْرِ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَإِنَّمَا فِي الزَّبُورِ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَدُعَاءٌ وَأَمْرٌ وَنَهْيٌ بِدِينِهِ وَطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَإِنَّهُ قَالَ: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} فَأَحَلَّ لَهُمْ بَعْضَ الْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ فِي الْأَكْثَرِ مُتَّبِعٌ لِشَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ. وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ لِمَنْ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ مِنْ أَنْ يَقْرَأَ التَّوْرَاةَ وَيَتَّبِعَ مَا فِيهَا؛ إذْ كَانَ الْإِنْجِيلُ تَبَعًا لَهَا.

    vol. 20, p. 184
  2. وَأَمَّا الْقُرْآنُ فَإِنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَمْ يحوج أَصْحَابَهُ إلَى كِتَابٍ آخَرَ بَلْ اشْتَمَلَ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الْكُتُبِ مِنْ الْمَحَاسِنِ؛ وَعَلَى زِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ لَا تُوجَدُ فِي الْكُتُبِ؛ فَلِهَذَا كَانَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ

    vol. 20, p. 185وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ يُقَرِّرُ مَا فِيهَا مِنْ الْحَقِّ وَيُبْطِلُ مَا حُرِّفَ مِنْهَا وَيَنْسَخُ مَا نَسَخَهُ اللَّهُ فَيُقَرِّرُ الدِّينَ الْحَقَّ وَهُوَ جُمْهُورُ مَا فِيهَا وَيُبْطِلُ الدِّينَ الْمُبَدَّلَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَالْقَلِيلَ الَّذِي نُسِخَ فِيهَا؛ فَإِنَّ الْمَنْسُوخَ قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُحْكَمِ الْمُقَرَّرِ. وَالْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ دِينُهُمْ وَاحِدٌ وَتَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ مُسْتَلْزِمٌ تَصْدِيقَ سَائِرِهِمْ وَطَاعَةُ بَعْضِهِمْ تَسْتَلْزِمُ طَاعَةَ سَائِرِهِمْ وَكَذَلِكَ التَّكْذِيبُ وَالْمَعْصِيَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَذِّبَ نَبِيٌّ نَبِيًّا بَلْ إنْ عَرَفَهُ صَدَّقَهُ وَإِلَّا فَهُوَ يَصْدُقُ بِكُلِّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مُطْلَقًا وَهُوَ يَأْمُرُ بِطَاعَةِ مَنْ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ. وَلِهَذَا كَانَ مَنْ صَدَّقَ مُحَمَّدًا فَقَدْ صَدَّقَ كُلَّ نَبِيٍّ؛ وَمَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ كُلَّ نَبِيٍّ وَمَنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ كَذَّبَ كُلَّ نَبِيٍّ؛ وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَى كُلَّ نَبِيٍّ قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} . وَمَنْ كَذَّبَ هَؤُلَاءِ تَكْذِيبًا بِجِنْسِ الرِّسَالَةِ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ يُكَذِّبُ الْجَمِيعَ؛ وَلِهَذَا يَقُولُ تَعَالَى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} وَلَمْ