عامة مسائل أصول الدين الكبار تعلم بالعقل
1 paragraph · vol. 20, p. 230
- vol. 20, p. 230
وَاعْلَمْ أَنَّ عَامَّةَ مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ الْكِبَارِ؛ مِثْلَ الْإِقْرَارِ بِوُجُودِ الْخَالِقِ وَبِوَحْدَانِيّتِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَالْإِقْرَارِ بِالثَّوَابِ وَبِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ: قَدْ دَلَّ الشَّارِعُ عَلَى أَدِلَّتِهِ الْعَقْلِيَّةِ. وَهَذِهِ الْأُصُولُ الَّتِي يُسَمِّيهَا أَهْلُ الْكَلَامِ الْعَقْلِيَّاتِ وَهِيَ مَا تُعْلَمُ بِالْعَقْلِ فَإِنَّهَا تُعْلَمُ بِالشَّرْعِ لَا أَعْنِي بِمُجَرَّدِ إخْبَارِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ فَالْعِلْمُ بِهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْقُوفٌ عَلَى مَا يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَبِالرِّسَالَةِ وَإِنَّمَا أَعْنِي بِدَلَالَتِهِ وَهِدَايَتِهِ كَمَا أَنَّ مَا يَتَعَلَّمُهُ الْمُتَعَلِّمُونَ بِبَيَانِ الْمُعَلِّمِينَ وَتَصْنِيفِ الْمُصَنِّفِينَ إنَّمَا هُوَ لِمَا بَيَّنُوهُ لِلْعُقُولِ مِنْ الْأَدِلَّةِ. فَهَذَا مَوْضِعٌ يَجِبُ التَّفَطُّنُ لَهُ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الغالطين مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَمُحَدِّثٍ وَمُتَفَقِّهٍ وَعَامِّيٍّ وَغَيْرِهِمْ: يَظُنُّ أَنَّ الْعِلْمَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ إخْبَارِهِ تَصْدِيقًا لَهُ فَقَطْ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ يُسْتَفَادُ مِنْهُ بِالدَّلَالَةِ وَالتَّنْبِيهِ وَالْإِرْشَادِ جَمِيعُ مَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الشَّرْعِيِّ: مَا يُعْلَمُ بِإِخْبَارِ الشَّارِعِ. فَهَذَا لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يُمْكِنَ عِلْمُهُ بِالْعَقْلِ أَيْضًا؛ أَوْ لَا يُمْكِنُ؛ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلِهَذَا يُعْلَمُ بِمُجَرَّدِ إخْبَارِ الشَّارِعِ وَإِنْ أَمْكَنَ عَلِمَهُ بِالْعَقْلِ فَهَلْ يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا؟ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَمْرٌ أَخْبَرَ الشَّارِعُ بِهِ وَعِلْمُهُ مُمْكِنٌ بِالْعَقْلِ أَيْضًا وَلَمْ يَدُلَّ الشَّارِعُ عَلَى دَلِيلٍ لَهُ عَقْلِيٍّ فَهَذَا مُمْكِنٌ وَلَا نَقْصَ إذَا وَقَعَ مِثْلُ
vol. 20, p. 231هَذَا فِي الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهُ إذَا عَرَفَ صِدْقَ الْمُبَلِّغِ جَازَ أَنْ يَعْلَمَ بِخَبَرِهِ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَا يَنَالُونَ عِلْمَ ذَلِكَ إلَّا مِنْ جِهَةِ خَبَرِ الشَّارِعِ وَقَدْ أَحْسَنُوا فِي ذَلِكَ حَيْثُ آمَنُوا بِهِ؛ لَكِنْ هَلْ ذَلِكَ وَاقِعٌ مُطْلَقًا؟ . وَقَدْ ذَهَبَ خَلَائِقُ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ وَالْعَامَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إلَى وُقُوعِ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ الشَّارِعُ أُمُورًا قَدْ تُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ لَمْ يَذْكُرْ دَلَالَتَهُ الْعَقْلِيَّةَ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ وُجُوهَ دَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَا فِيهَا مِنْ جَلِيٍّ وَخَفِيٍّ وَظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ قَدْ يَقُولُ: إنَّ الشَّارِعَ نَبَّهَ فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ بِالْعَقْلِ عَلَى دَلَالَةٍ عَقْلِيَّةٍ كَمَا قَدْ حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ فِي مَسَائِلِ أُصُولِ الدِّينِ الْكِبَارِ وَفِي هَذَا نَظَرٌ. فَصَارَتْ الْعُلُومُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ: إمَّا أَنْ تُعْلَمَ بِالشَّرْعِ فَقَطْ وَهُوَ مَا يُعْلَمُ بِمُجَرَّدِ إخْبَارِ الشَّرْعِ مِمَّا لَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إلَيْهِ بِحَالِ لَكِنَّ هَذِهِ الْعُلُومَ قَدْ تُعْلَمُ بِخَبَرٍ آخَرَ غَيْرَ خَبَرِ شَارِعِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِمَّا أَنْ تُعْلَمَ بِالْعَقْلِ فَقَطْ؛ كَمَرْوِيَّاتِ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالصِّنَاعَاتِ. وَإِمَّا أَنْ تُعْلَمَ بِهِمَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ قَدْ هَدَى إلَى دَلَالَتِهَا كَمَا أَخْبَرَ بِهَا أَمْ لَا فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَهِيَ عَقْلِيَّاتُ الشَّرْعِيَّاتِ؛ أَوْ عَقْلِيُّ