الله ـ تعالى ـ خلق الخلق لعبادته
4 paragraphs · vol. 21, p. 115
- vol. 21, p. 115
وَظَهَرَ أَثَرُ هَذَيْنِ الذَّنْبَيْنِ فِي الْمُنْحَرِفَةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ وَالْمُلُوكِ وَالْعَامَّةِ بِتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالتَّدَيُّنِ بِنَوْعِ شِرْكٍ لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَوَّلُ يَكْثُرُ فِي الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَوَرِّعَةِ وَالثَّانِي يَكْثُرُ فِي الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْمُتَفَقِّرَةِ. فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَاقَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ أَكْثَرُ مِمَّا ذَمَّهُ اللَّهُ وَعَاقَبَ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ.
-
الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: أَنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ} وَذَلِكَ هُوَ أَصْلُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ عَلَى أَلْسُنِ الرُّسُلِ كَمَا قَالَ نُوحٌ وَهُودٌ وَصَالِحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَشُعَيْبٌ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ} . وَقَالَ: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} إلَى قَوْلِهِ: {إلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} وَقَالَ لِمُوسَى: {إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} وَقَالَ الْمَسِيحُ: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} . وَالْإِسْلَامُ: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ وَحْدَهُ وَهُوَ أَصْلُ عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ وَذَلِكَ يَجْمَعُ مَعْرِفَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَالْخُضُوعَ لَهُ وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي
vol. 21, p. 116خَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْخَلْقَ هُوَ: أَمْرٌ وُجُودِيٌّ مِنْ بَابِ الْمَأْمُورِ بِهِ ثُمَّ الْأَمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا هُوَ كَمَالُ مَا خُلِقَ لَهُ. وَأَمَّا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ: فَإِمَّا مَانِعٌ مِنْ أَصْلِ مَا خُلِقَ لَهُ وَإِمَّا مِنْ كَمَالِ مَا خُلِقَ لَهُ نُهُوا عَنْ الْإِشْرَاكِ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الْأَصْلِ وَهُوَ ظُلْمٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} وَمُنِعُوا عَنْ ظُلْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَعْرَاضِ لِأَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ كَمَالِ مَا خُلِقَ لَهُ. فَظَهَرَ أَنَّ فِعْلَ الْمَأْمُورِ بِهِ أَصْلٌ وَهُوَ الْمَقْصُودُ وَأَنَّ تَرْكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَرْعٌ وَهُوَ التَّابِعُ. وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} لِأَنَّ الشِّرْكَ مَنْعُ الْأَصْلِ فَلَمْ يَكُ فِي النَّفْسِ اسْتِعْدَادٌ لِلْفَلَاحِ فِي الْآخِرَةِ بِخِلَافِ مَا دُونِهِ فَإِنَّ مَعَ الْمَغْفُورِ لَهُ أَصْلَ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ السَّعَادَةِ.
-
الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ أَنَّ مَقْصُودَ النَّهْيِ تَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ عَدَمُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالْعَدَمُ لَا خَيْرَ فِيهِ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ حِفْظَ مَوْجُودٍ وَإِلَّا فَلَا خَيْرَ فِي لَا شَيْءَ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ وَالْحِسِّ لَكِنْ مِنْ الْأَشْيَاءِ مَا يَكُونُ وَجُودُهُ مُضِرًّا بِغَيْرِهِ فَيُطْلَبُ عَدَمُهُ لِصَلَاحِ الْغَيْرِ كَمَا يُطْلَبُ عَدَمُ الْقَتْلِ لِبَقَاءِ النَّفْسِ
vol. 21, p. 117وَعَدَمُ الزِّنَا لِصَلَاحِ النَّسْلِ وَعَدَمُ الرِّدَّةِ لِصَلَاحِ الْإِيمَانِ فَكُلُّ مَا نُهِيَ عَنْهُ إنَّمَا طُلِبَ عَدَمُهُ لِصَلَاحِ أَمْرٍ مَوْجُودٍ. وَأَمَّا الْمَأْمُورُ بِهِ فَهُوَ أَمْرٌ مَوْجُودٌ وَالْمَوْجُودُ يَكُونُ خَيْرًا وَنَافِعًا وَمَطْلُوبًا لِنَفْسِهِ بَلْ لَا بُدَّ فِي كُلِّ مَوْجُودٍ مِنْ مَنْفَعَةٍ مَا أَوْ خَيْرٍ مَا فَلَا يَكُونُ الْمَوْجُودُ شَرًّا مَحْضًا فَإِنَّ الْمَوْجُودَ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا إلَّا لِحِكْمَةِ وَتِلْكَ الْحِكْمَةُ وَجْهُ خَيْرٍ بِخِلَافِ الْمَعْدُومِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ؛ وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} وَقَالَ: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} فَالْمَوْجُودُ: إمَّا خَيْرٌ مَحْضٌ أَوْ فِيهِ خَيْرٌ وَالْمَعْدُومُ: إمَّا أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِيهِ بِحَالِ أَوْ خَيْرُهُ حِفْظُ الْمَوْجُودِ وَسَلَامَتُهُ. وَالْمَأْمُورُ بِهِ قَدْ طُلِبَ وُجُودُهُ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ قَدْ طُلِبَ عَدَمُهُ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالْأَمْرِ أَكْمَلُ وَأَشْرَفُ مِنْ الْمَطْلُوبِ بِالنَّهْيِ وَأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ الْمَقْصُودُ الْمُرَادُ لِذَاتِهِ وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ عَدَمُهُ شَرًّا مَحْضًا.
-
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ الْأُمُورُ الَّتِي يَصْلُحُ بِهَا الْعَبْدُ وَيَكْمُلُ وَالْمَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ مَا يَفْسُدُ بِهِ وَيَنْقُصُ؛ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ؛ وَإِرَادَةِ