التحريم قد يكون حمية وقد يكون عقوبة، والإحلال قد يكون سعة وقد يكون عقوبة وفتنة
3 paragraphs · vol. 21, p. 152
- vol. 21, p. 152
وَاحْذَرْ أَنْ تَغْتَرَّ بِزُهْدِ الْكَافِرِينَ وَالْمُبْتَدِعِينَ؛ فَإِنَّ الْفَاسِقَ الْمُؤْمِنَ الَّذِي يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَيُرِيدُ الدُّنْيَا خَيْرٌ مِنْ زُهَّادِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَزُهَّادِ الْكُفَّارِ إمَّا لِفَسَادِ عَقَدِهِمْ وَإِمَّا لِفَسَادِ قَصْدِهِمْ وَإِمَّا لِفَسَادِهِمَا جَمِيعًا.
-
الْوَجْهُ الثَّانِيَ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْحَسَنَاتِ سَبَبٌ لِلتَّحْلِيلِ دِينًا وَكَوْنًا وَالسَّيِّئَاتِ سَبَبٌ لِلتَّحْرِيمِ دِينًا وَكَوْنًا؛ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ يَكُونُ حَمِيَّةً؛ وَقَدْ يَكُونُ عُقُوبَةً وَالْإِحْلَالَ قَدْ يَكُونُ سِعَةً؛ وَقَدْ يَكُونُ عُقُوبَةً وَفِتْنَةً قَالَ تَعَالَى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فَأَبَاحَ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ غَيْرَ مُحَلِّي الصَّيْدِ وَهُوَ اعْتِقَادُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَاجْتِنَابُهُ. وَقَالَ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} إلَى قَوْلِهِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا نَزَلَتْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَكْمَلَ اللَّهُ الدِّينَ بِإِيجَابِهِ لِمَا أَوْجَبَهُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي آخِرُهَا الْحَجُّ وَتَحْرِيمِهِ لِلْمُحَرَّمَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هَذَا مِنْ جِهَةِ شَرْعِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ تَقْوِيَتُهُ وَإِعَانَتُهُ وَنَصْرُهُ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِنَا وَحَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا أَكْمَلُوا الدِّينَ قَالَ عَقِبَ ذَلِكَ:
vol. 21, p. 153{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} إلَى قَوْلِهِ: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} فَكَانَ إحْلَالُهُ الطَّيِّبَاتِ يَوْمَ أَكْمَلَ الدِّينَ فَأَكْمَلَهُ تَحْرِيمًا وَتَحْلِيلًا لِمَا أَكْمَلُوهُ امْتِثَالًا. وَقَالَ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} الْآيَةَ وَهِيَ بَيِّنَةٌ فِي الْإِصْلَاحِ وَالتَّقْوَى وَالْإِحْسَانِ مُوجِبَةٌ لِرَفْعِ الْحَرَجِ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَامِلَ الصَّالِحَاتِ الْمُحْسِنَ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا جُنَاحَ فِيمَا طَعِمَ فَإِنَّ فِيهِ عَوْنًا لَهُ وَقُوَّةً عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْإِحْسَانِ: وَمَنْ سِوَاهُمْ عَلَى الْحَرَجِ وَالْجُنَاحِ؛ لِأَنَّ النِّعَمَ إنَّمَا خَلَقَهَا اللَّهُ لِيُسْتَعَانَ بِهَا عَلَى الطَّاعَةِ وَالْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ تَعَالَى عَنْ إبْرَاهِيمَ: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} وَقَالَ: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وَقَالَ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} . وَقَالَ. {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} .
- vol. 21, p. 154
وَأَمَّا الطَّرَفُ الْآخَرُ فَقَالَ تَعَالَى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} وَقَالَ: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ} إلَى قَوْلِهِ: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ} إلَى آخِرِ الْآيَاتِ. وَأَمَّا كَوْنُ الْإِحْلَالِ وَالْإِعْطَاءِ فِتْنَةً فَقَوْلُهُ: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} {لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ} {فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ} الْآيَاتِ {إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} {يَا بَنِي إسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ} إلَى قَوْلِهِ: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} . وَيَخْتَلِفُ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ بِاعْتِبَارِ النِّيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلَاحًا} وَقَالَ: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ}