المفاسد المترتبة على إطلاق المجاز

1 paragraph · vol. 21, p. 455

  1. حَادِثٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَإِذَا كَانَ فِيهِ مَفَاسِدُ كَانَ يَنْبَغِي تَرْكُهُ لَوْ كَانَ الْفَرْقُ مَعْقُولًا فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْفَرْقُ غَيْرَ مَعْقُولٍ وَفِيهِ مَفَاسِدُ شَرْعِيَّةٌ وَهُوَ إحْدَاثٌ فِي اللُّغَةِ كَانَ بَاطِلًا عَقْلًا وَشَرْعًا وَلُغَةً. أَمَّا الْعَقْلُ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ فِيهِ هَذَا عَنْ هَذَا وَأَمَّا الشَّرْعُ فَإِنَّ فِيهِ مَفَاسِدَ يُوجِبُ الشَّرْعُ إزَالَتَهَا وَأَمَّا اللُّغَةُ فَلِأَنَّ تَغْيِيرَ الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ غَيْرُ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ بَلْ مَعَ وُجُودِ الْمَفْسَدَةِ. فَإِنْ قِيلَ: وَمَا الْمَفَاسِدُ؟ قِيلَ: مِنْ الْمَفَاسِدِ أَنَّ لَفْظَ الْمَجَازِ الْمُقَابِلِ لِلْحَقِيقَةِ سَوَاءٌ جُعِلَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ أَوْ مِنْ عَوَارِضِ الِاسْتِعْمَالِ يُفْهِمُ وَيُوهِمُ نَقْصَ دَرَجَةِ الْمَجَازِ عَنْ دَرَجَةِ الْحَقِيقَةِ لَا سِيَّمَا وَمِنْ عَلَامَاتِ الْمَجَازِ صِحَّةُ إطْلَاقِ نَفْيِهِ فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِرَحِيمِ وَلَا بِرَحْمَنِ؛ لَا حَقِيقَةً بَلْ مَجَازٌ؛ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُطْلِقُونَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؛ وَقَالَ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ كَمَا ذَكَرَ هَذَا الآمدي مِنْ أَنَّ الْعُمُومَ الْمَخْصُوصَ مَجَازٌ وَقَالَ مِنْ جِهَةِ مُنَازِعِهِ: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ قَالَ: " لَا إلَهَ " تَامَّةٌ مُطْلَقَةٌ يَكُونُ كُفْرًا وَلَوْ اقْتَرَنَ بِهِ الِاسْتِثْنَاءُ. وَهُوَ قَوْلُهُ: " إلَّا اللَّهُ " كَانَ إيمَانًا وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتَ طَالِقٌ كَانَتْ مُطَلَّقَةً بِتَنْجِيزِ الطَّلَاقِ وَلَوْ اقْتَرَنَ بِهِ الشَّرْطُ وَهُوَ قَوْلُهُ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ: كَانَ

    vol. 21, p. 456تَعْلِيقًا مَعَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَالشَّرْطَ لَهُ مَعْنًى. وَلَوْلَا الدَّلَالَةُ وَالْوَضْعُ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ التَّغْيِيرَ فِي الْوَضْعِ بَلْ غَايَتُهُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَمَّا اقْتَضَاهُ مِنْ جِهَةِ إطْلَاقِهِ إلَى غَيْرِهِ بِالْقَرِينَةِ فَقَدْ تَكَلَّمَ فِي " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " إذَا كَانَتْ مِنْ مَوْرِدِ النِّزَاعِ فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ عَامٍّ خُصَّ وَلَوْ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَانَ مَجَازًا؛ فَيَكُونُ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " عِنْدَهُ مَجَازًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ فِي الشَّرْعِ وَقَائِلُهُ إلَى أَنْ يُسْتَتَابَ - فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ - أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى أَنْ يُجْعَلَ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ هَذَا الْقَائِلُ مُفْتَرٍ عَلَى اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ؛ فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَتَكَلَّمْ بِلَفْظِ " لَا إلَهَ " مُجَرَّدًا وَلَا كَانُوا نَافِينَ لِلصَّانِعِ حَتَّى يَقُولُوا: " لَا إلَهَ " بَلْ كَانُوا يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قَالَ تَعَالَى: {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ} وَلِهَذَا قَالُوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} . وَالْقُرْآنُ كُلُّهُ يُثْبِتُ تَوْحِيدَ الْإِلَهِيَّةِ وَيَعِيبُ عَلَيْهِمْ الشِّرْكَ وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا دَعَا الْخَلْقَ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَقَالَ {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ} وَالْمُشْرِكُونَ لَمْ يَكُونُوا يُنَازِعُونَهُ فِي

    vol. 21, p. 455